هل يلغي الذكاء الاصطناعي مهمة الفلسفة؟
الثلاثاء / 1 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 21:47 - الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 21:47
أجرى مؤخرًا المذيع التليفزيوني المصري الشهير عمرو أديب لقاءً مع الصديق أنور مغيث أستاذ الفلسفة، وذلك في برنامجه الذي يحمل عنوان «الحكاية»، وهو برنامج يُعرض على قناة MBC مصر، وله جمهور واسع من المشاهدين.
سأل المذيع ضيفه سؤالًا بصيغة استنكارية عن دور الفلسفة في عصر الذكاء الاصطناعي ما دام هذا الذكاء يمكنه أن يجيب عن كل الأسئلة والقضايا التي تطرحها الفلسفة، بل إنه كان يقاطع الضيف، ويحاول البرهنة على رأيه بإجراء تجربة عملية عبر الهاتف بأن سأل chat GPT عن مهمة الفلسفة؛ ليبين للضيف والجمهور أن الذكاء الاصطناعي يقدم لنا إجابة شافية وافية يمكنه الاستفاضة فيها. ويبدو أن الضيف الكريم لم يجد الوقت الكافي لإظهار دور الفلسفة المستقل عن الذكاء الاصطناعي؛ ولهذا سأحاول هنا أن أقدم مزيدًا من الإيضاح.
الواقع أنني أردت أن ألجأ ابتداءً إلى الذكاء الاصطناعي ذاته لأسأله هذا السؤال: هل يمكن أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الفلسفة؟ المدهش أن الذكاء الاصطناعي أجاب على الفور وبلهجة قاطعة: لا، الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الفلسفة، لكنه قد يغيّر بصورة عميقة وظيفة الفلسفة وطريقة ممارستها، بل يمكن القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي يجعل الحاجة إلى التفكير الفلسفي أكثر إلحاحًا!».
وهو يجيب أيضًا عن سؤالنا بالقول: «الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدّم معلومات، ويقارن بين الآراء، ويحلل الحجج، بل ينتج نصوصًا فلسفية تبدو في غاية العمق، لكنه لا يلغي السؤال الفلسفي الأساسي».
الذكاء الاصطناعي هنا يشهد على ذاته؛ لأنه يعرف حدود إمكانياته وقدراته المعرفية: فهو لا يعرف سوى ما تم تزويده به من معلومات تتعلق بالفلسفة وبكل شيء آخر سواها، ووفقًا للبرامج الخوارزمية التي تم تزويده بها، فإنه يستطيع تصفح كل هذا المعارف في ثوان لكي يجيبك عن أي سؤال في موضوع فلسفي ما، ومع ذلك فإنه لا يستطيع تقديم إجابة أو مقاربة جديدة أو حتى تأويل جديد لأي موضوع ما!
نعم، قد يقترح الذكاء الاصطناعي علينا اتخاذ أسلوب أو مقاربة جديدة من ذلك الموضوع أو غيره، ولكنه ليس بمقدوره أن يضطلع بهذه المهمة؛ حتى إن بلغ هذا الذكاء مستوى ما يُعرَف الآن باسم «الذكاء الفائق» الذي لا يكتفي باستخلاص المعلومات، وإنما يقترح عليك بعضًا منها، وقد يقترح أفقًا مغايرًا للتفكير فيها، واتخاذ قرارات بشأنها. هذا الاعتراف من جانب الذكاء الاصطناعي ذاته بحدود قدراته ربما يجعل الناس أكثر تواضعًا في تهويلهم لقدرات هذا الذكاء في مجال الفكر والإبداع.
لكن الأكثر إدهاشًا في إجابة الذكاء الاصطناعي سالفة الذكر عن سؤالي هو قوله: «إن الذكاء الاصطناعي يجعل الحاجة إلى التفكير الفلسفي أكثر إلحاحًا»، فذلك توصيف صائب أمكن لهذا الذكاء أن يتوصل إليه. إننا نعرف أن هذا الذكاء بمقدوره أن يجمع المعلومات المتوفرة لديه، ويقارن بينها، ويقوم بتحليلها بحيث يستخلص من ذلك كله نتائجَ محتملة ما.
تلك مهمة الذكاء الاصطناعي، وهي مهمة عظيمة ساهمت بقوة في تعزيز البحث عن الأسئلة في أي مجال، بما في ذلك مجال الفكر والفلسفة، لكن أسئلة الفلسفة الكبرى تختلف- أو تتباين على الأقل- عبر العصور؛ ولهذا يرى الذكاء الاصطناعي أن دخوله هو ذاته في عالمنا أصبح يستدعي التفلسف.
فبأي معنى يمكن أن نفهم ذلك؟ وكيف يمكن أن يحدث ذلك؟ أعني: ما التساؤلات أو القضايا الفلسفية الجديدة التي يطرحها علينا عصر الذكاء الاصطناعي؟
يطرح علينا الذكاء الاصطناعي قضايا وتساؤلات فلسفية ينبغي أن تكون في صدارة البحث الفلسفي، ومنها على سبيل المثال: الفلسفة والتكنولوجيا، أي التكنولوجيا (خاصةً الذكاء الاصطناعي) كموضوع للبحث الفلسفي؛ وإعادة النظر في نظرية المعرفة ووسائطها؛ والتساؤل عن مصير الوجود الإنساني في عصر هيمنة الآلات الذكية على عالم الإنسان (وهو ما دعا البعض للتحدث عن مفهوم «عالم ما بعد الإنسان»؛ ومسألة الأخلاق والحرية في تطبيقات التكنولوجيا واتخاذ القرارات من جانب الآلات الذكية، وما إلى ذلك.
غير أن السؤال الأكثر جوهرية هو: هل يمكن للآلات الذكية أن تمارس التفكير الفلسفي؟ وهو سؤال جوهري؛ لأن معظم الناس من المفتونين بالذكاء الاصطناعي يرون أنه قادر على فعل أي شيء بما في ذلك التفكير الفلسفي والإبداع؛ ولهذا ينبغي إيضاح هذا الأمر وبيان وجه الخلط واللبس فيه.
لا شك في أن الذكاء الاصطناعي بمقدوره أن يُنتج نصًا فلسفيًّا مدعومًا بالحجج والأسانيد. وعندما يلجأ الباحثون في الفلسفة إلى توجيه سؤال لتطبيق chat GPT عن موضوع فلسفي ما، يبادر التطبيق على الفور بتقديم إجابة عامة، ولكنه يقول في النهاية: أستطيع أن أقدم دراسة وافية متعمقة في الموضوع ومدعومة بالمراجع.
ولذلك، فإن كثيرًا من الباحثين في الفلسفة (خاصةً في عالمنا العربي) أصبحوا يلجأون الآن إلى هذا التطبيق في إعداد رسائلهم الجامعية بدلًا من ممارسة التفلسف ذاته في فعل التأمل وعملية الكتابة؛ ولهذا ينبغي التمييز بين إنتاج نص فلسفي بواسطة الآلات الذكية من جهة، وبين إنتاج نص فلسفي من خلال التفلسف، أعني من خلال التفكير الفلسفي؛ فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يمارس التفلسف لأنه يند عن نطاق قدراته، وكل ما يستطيع أن يقدمه هو إنتاج نص فلسفي يحاكي نصًا أفلاطونيًّا أو ديكارتيًّا أو كانطيًّا، أو يقدم لنا مقارنة بينهم، ويستخلص من ذلك نتائج ما؛ ولكنه بذلك لا يتفلسف أو يمارس التفكير الفلسفي؛ لأنه لا يقدم لنا رؤية فلسفية إبداعية جديدة إزاء موضوع ما، ولا هو حتى يقدم لنا رؤية تأويلية جديدة للنص الفلسفي. ولنتذكر دائمًا أن السؤال الفلسفي بطبيعته يبقى متجددًا ومفتوحًا في مجال التفلسف الذي هو مملكة الفلاسفة.