أفكار وآراء

من إدارة المخاطر إلى الجاهزية المؤسسية

يُعدُّ الإطار الوطني لحوكمة إدارة المخاطر المؤسسية هو المرجعية الوطنية الموحدة لكافة الجهات الحكومية في إدارة المخاطر من خلال إدارة الأزمات واستباق وقوع المخاطر؛ وبالتالي فإن متطلبات المرحلة الحالية تستدعي تعزيز الجاهزية المؤسسية في المخاطر والتحول من إدارتها فقط إلى منظومة متكاملة تتضمن إدارة المخاطر وتعزيز جاهزية الجهات الحكومية؛ إذ أصبح الآن بعد إطلاق الإطار الوطني أنّ الخطر حالة لابد من التعامل معها بلغة مشتركة في منظومة إدارة المخاطر وليس حدثا عابرا، وبنفس الأساس الذي يجب على الجهات أن تتبعه عند وقوع الخطر من خلال وضع سياسة محددة للتعامل مع المخاطر وإدارتها كمنظومة لتحقيق الجاهزية المؤسسية والاستعداد المبكر للمخاطر التي ربما تتطور إلى أزمات.

وبالتالي، يجسد إطلاق الإطار الوطني لحوكمة إدارة المخاطر المؤسسية انتقال الدولة من منطق إدارة الأزمات إلى منطق حوكمة المخاطر؛ فالإطار الوطني بمفهومه الواسع يعد وثيقة إدارية تحوّل الرؤى والتخطيط في التعامل مع المخاطر إلى خطط استراتيجية وأرقام مخاطرة محسوبة؛ وبالتالي، فإن تغيير ثقافة الدولة الحديثة في جوهرها الفلسفي عبر التحول من الدولة التي تتدخل بعد الخطر إلى الدولة التي تتحكم بالخطر قبل وقوعه؛ فمفهوم إدارة المخاطر لا يستورد من أدبيات الآيزو، بل يعاد تأصيله كفلسفة وثقافة من خلال ربط الإطار الوطني لحوكمة إدارة المخاطر المؤسسية للمخاطر بالأهداف عبر استحداث دليل استرشادي للالتزام بمبادئ حوكمة الجاهزية المؤسسية.

الإطار الوطني لحوكمة إدارة المخاطر المؤسسية يرسّخ نهجاً وطنياً يعزز الجاهزية والاستدامة والحوكمة، ويجعل إدارة المخاطر أحد المرتكزات الأساسية للعمل المؤسسي وصنع القرار، أيضا يأتي إطلاق الإطار لحوكمة إدارة المخاطر المؤسسية في مرحلة بلغت فيها المشاريع الوطنية حجما وتعقيدا يجعل كلفة الخطر غير المحسوب أعلى من كلفة المشروع نفسه، فالمتتبع للمشهد الإداري يدرك أن المعضلة ليست في غياب إدارة المخاطر بل في حوكمة إدارتها؛

فكانت الجهات الحكومية تقيس الخطر عبر أدواتها، وتتعرف عليه بطريقتها، وبالتالي جاء إطلاق الإطار الوطني لحوكمة إدارة المخاطر المؤسسية؛ ليوحد هذه الجهود واللغة تحت مرجعية وطنية موحدة تعزز من قدرة الجهات الحكومية على استشراف المخاطر والتعامل معها، ورفع مستوى الجاهزية المؤسسية بما يعزز نهج الاستباق والجاهزية في إدارة المخاطر، مستمدة هذه المرجعية من أفضل الممارسات الدولية وتنطلق من مسلمات أقرب إلى تبني فلسفة مغايرة، وترسيخ ثقافة جديدة في التعامل مع المخاطر.

إن إطلاق الإطار الوطني لحوكمة إدارة المخاطر المؤسسية، يؤسس لمرحلة بات الانتقال من إدارة المخاطر إلى الجاهزية المؤسسية ضرورة قصوى؛ لبناء جاهزيتها في إدارة المخاطر، فالدول لا تقاس بقدرتها على تجنب الأزمات في ظل احتمالية وقوعها، بل تقاس بقدرتها على أن تبقى فاعلة أثناء الأزمة وبعدها؛

فالاختبار الحقيقي لفاعلية الإطار الوطني لحوكمة إدارة المخاطر المؤسسية يعتمد كلياً على مدى جاهزية الجهات الحكومية في إدارة المخاطر واستباق وقوعها، إضافة إلى إدارة الخوف من المخاطر، فقياس قوة الدول ليس في مدى تعرضها للأزمات، بل في مدى صمودها أثناء الأزمة، وبالتالي فإن الجاهزية المؤسسية أصبحت اليوم أمرا ضروريا لاختبار مدى جاهزية الجهات الحكومية للمخاطر غير المحسوبة عبر إنشاء مؤشر وطني للجاهزية المؤسسية يقيس متوسط جاهزية الجهات الحكومية.

ختاما، يعد الإطار الوطني لحوكمة إدارة المخاطر المؤسسية من أفضل الوثائق وأهمها التي صدرت حديثا، وبالعودة إلى مفهوم الخطر بمعناه الواسع فإن هذا الإطار يحمل معاني ودلالات فلسفية من حيث التأصيل الفكري لإدارة المخاطر وفلسفة الانتقال من إدارة الخوف إلى بناء الجاهزية المؤسسية، وأن الجهات الحكومية على استعداد تام لأي خطر محتمل حتى وإن خرج الخطر عن السيطرة، وبالتالي فإن الإطار الوطني لحوكمة إدارة المخاطر المؤسسية جاء ليبني ثقافة وفلسفة ونموذجا جديدا في التعامل مع المخاطر في الجهات الحكومية وتحديد حجم جاهزيتها من خلال إجراء التمارين العملية لمحاكاة وقوع المخاطر وكيفية إدارتها والتعامل معها.