عُمان الاقتصادي

المعادن تحت سطح الذكاء الاصطناعي

 

حين نطلب من الذكاء الاصطناعي أن يكتب لنا مسودة على البريد الإلكتروني، أو أن يُعيد الحيوية لصورة قديمة ويرسم على وجه واحد من جدودنا البعيدين ابتسامةً رقيقة، فإننا نتصوَّر كيانًا لامرئيًّا بلا أبعاد واضحة ولا وجود مادي، لديه حصَّالة هائلة يجمع فيها المعلومات والبيانات، ويستطيع التقليب فيها بسرعة عجيبة والوصول إلى أي معلومة يُسأل عنها. من غير المعقول أن نتصوَّر مبانيَ ضخمة تحوي خوادم هائلة الحجم، أو شاحنات تنقل المواد الخام من منجم إلى مصنع يُنتِج أشباهَ الموصِّلات؛ كل ما نراه هو الشاشات والخوارزميات والنتائج التي تتدفق مُذيَّلةً بسؤال رقيق عن مدى رضائنا عن النتائج المتحصَّل عليها.

خلف تلك الشاشات والخوارزميات تقف صناعة ثقيلة على نحو مدهش، فكل إجابة يُدلي بها الذكاء الاصطناعي ببساطة وفي غضون ثوانٍ، قطعت رحلة من مكان ما في العالم، مرورًا بمراكز بيانات ضخمة، وخوادم ومعالِجات ومحولات، وأنظمة تبريد وكابلات وأشباه موصِّلات. وتحت هذه البِنية التحتية ترقد مجموعة من المعادن الوافدة من مناجم في شتى بقاع الأرض، تدخل في تصنيع الرقائق والخوادم التي تشغِّل العالم الرقمي.

وبينما ينشغل العالم بإجابة سؤال: أي نماذج الذكاء الاصطناعي سيتفوق على منافسيه ويستحوذ على الشريحة الأكبر من المستخدِمين، يُوجِّه خبراء الاقتصاد وملوك المال اهتمامهم إلى خطط الاستحواذ على المعادن والمواد الخام التي ستكون وقودًا لهذه المنافسة خلال السنوات المقبلة. وقد ابتكروا لهذه الخامات مسمى خاصًّا هو «المعادن الحرِجة»، وصار المسمى الجديد يتردد خلال نقاشات الطاقة والأمن القومي والاقتصادي.

تشير وكالة الطاقة الدولية، في أحدث تقرير لها عن «المعادن الحرِجة»، إلى أن الاقتصاد يتحول بصورة متزايدة إلى أنظمة كهربائية ورقمية وآلية تعتمد بشكل واسع على مجموعة من المعادن، أهمها النحاس، وإن كانت القائمة تضم عناصر أخرى أكثر ندرة مثل الغاليوم والنيوديميوم والتيربيوم والديسبروزيوم.

يتربع النحاس على القمة منفردًا، فتزايُد الطلب عليه ليس ناتجًا عن نمو الذكاء الاصطناعي وحده، بل إنه يدخل في صناعة الكابلات والمحولات والشبكات الكهربائية، بالإضافة إلى مراكز البيانات وأنظمة التبريد وكل عناصر البِنية التحتية التي تنقل الكهرباء إلى الآلات. والبِنية المادية للكهرباء هي الأساس الذي ترتكز عليه الاقتصادات الحديثة، كما أنها في الوقت نفسه ما يجعل الذكاء الاصطناعي ممكنًا.

تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يسجل الطلب على معادن الطاقة الرئيسية نموًّا لافتًا خلال السنوات المقبلة. يتصدَّر النحاس هذه التوقعات، إذ يُنتَظَر أن يسجل أعلى نسبة زيادة في الطلب حتى عام 2040، بسبب دوره المحوري في تأسيس شبكات الكهرباء وتمكين التقنيات الحديثة. وتشير التقديرات إلى استمرار الفجوة بين العرض والطلب على النحاس خلال السنوات القادمة، على الرغم من تحسُّن التوقعات الخاصة بزيادة المعروض من خام النحاس مقارنةً بالتقديرات السابقة.

إلا أن المنافسة عليه لا تتعلَّق بنمو الذكاء الاصطناعي وحده، بل تأتي نتيجة طبيعية لنمو الطلب على السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء.

ينظر الاقتصاديون اليوم إلى مراكز البيانات باعتبارها مدنًا صناعية جديدة، فالخوادم (Servers) التي تشغِّل نماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى معالِجات (Processors) ضخمة ومتقدمة، وهذه الأخيرة تتكوَّن جُملةً من أشباه الموصِّلات، وأشباه الموصِّلات تحتاج إلى السيليكون والجيرمانيوم. فيما تتغذَّى الخوادم على الكهرباء، والكهرباء تحتاج إلى شبكة توزيع وكابلات ومحولات، كما تحتاج إلى أنظمة تبريد تستهلك بدورها -بخلاف المياه- كمياتٍ من المعادن والطاقة. ووفقًا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية، يُتوقَّع أن يصل استهلاك مراكز البيانات للكهرباء إلى حدود الألف تيراواط في الساعة بحلول عام 2030، أي أكثر من ضعف مستواه الحالي تقريبًا، وفي قلب هذا النمو يجيء التوسُّع في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي.

تبدأ السلسلة الاقتصادية من المناجم والمصافي التي تُنتج المواد الخام، وتمتدُّ عبر العديد من الحلقات المادية حتى تصل إلى السطح الرقمي الذي نُلامسه في أثناء تعامُلنا مع الذكاء الاصطناعي. ترسم المناجم والمصافي خريطةَ اللعبة الجيوسياسية القادمة، ليس فقط لنُدرة بعض المعادن التي تدخل في السلسلة الاقتصادية للتكنولوجيا الحديثة، ولكن لصعوبة استخلاصها وتوفيرها بكميات تَفي بالطلب المتزايد عليها. الغاليوم مثلًا له استخدامات عديدة في الإلكترونيات والطاقة والاتصالات، بينما يُستخلص كمنتَج ثانوي من عمليات إنتاج الزنك والألومنيوم، ما يجعل زيادة إنتاجه عمليةً أكثر تعقيدًا مقارنةً بالمعادن المستقلة. كما يزيد من تأثيره هو وباقي العناصر الأرضية النادرة في «مخاطر الإمداد»، الأمر الذي توليه وكالة الطاقة الدولية أهميةً خاصةً وتقيسه وِفقًا لمعايير: تركُّز الإنتاج، وصعوبة الاستبدال، وأهمية المعدن بالنسبة للصناعات الاستراتيجية.

وبانتقال «المعادن الحرِجة» من خانة الموضوع الاقتصادي إلى خانة الموضوع الجيوسياسي، تتسع دائرة السيطرة على المعدن النادر من مجرد امتلاك المنجم لتشمل القدرة على استخلاصه ومعالجته وتحويله إلى المادة التي يمكن استخدامها في الصناعة. تبرز الصين كأهم منافس في هذا المضمار، إذ تسيطر وِفقًا لتقارير وكالة الطاقة الدولية على ما يزيد على 90% من إمدادات سبعة عشر عنصرًا أرضيًّا نادرًا، كما أنها تُهيمن ليس فقط على الإنتاج وإنما على كافة مراحل تكرير ومعالجة هذه العناصر شديدة الندرة والأهمية في اقتصاد التكنولوجيا. ولو أضفنا السيطرة الصينية على طرق النقل البحري سنصل إلى نتيجة مُفادها أن الفوز باللعبة الجيوسياسية القادمة صار في متناول العملاق الصيني.

لن يقتصر اقتصاد المعادن على البِنية التحتية التي تُغذِّي نماذج الذكاء الاصطناعي، فسرعان ما سينتقل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة التجسُّد المادي على هيئة روبوتات وسيارات ذاتية القيادة وطائرات مسيَّرة ومصانع ذكية وآلات زراعية ذاتية التحكم. هنالك سيدخل اقتصاد المعادن مرحلته التالية، فالروبوتات تحتاج إلى محركات، والمحركات عالية الكفاءة تحتاج إلى مغناطيسات فعالة ودائمة، والمغناطيسات الدائمة تعتمد على عناصر أرضية نادرة مثل النيوديميوم والبراسيوديميوم، وهي من المواد التي تُشير وكالة الطاقة الدولية إلى ارتفاع مخاطر إمدادها. كما أن التوسُّع في صناعة الروبوتات والطائرات المسيَّرة سيزيد من الطلب على هذه المغناطيسات على نحو مطَّرد.

يُمكن إذًا تقسيم ثورة الذكاء الاصطناعي القادمة إلى مرحلتين اقتصاديتين: الأولى نشهدها اليوم في شيوع استخدام نماذج الذكاء الصناعي في الحياة اليومية والمهنية، وهذه النماذج تستهلك الرقائق والكهرباء. أما المرحلة الثانية فقادمة لا محالة، وفيها سنتعامل مع الذكاء الاصطناعي الذي يستهلك الآلات والمحركات والمغناطيسات والمعادن النادرة. وإذَّاك لن تكون مجرد ثورة تكنولوجية وبرمجية، وإنما ثورة صناعية شاملة.

ستُعيد هذه الثورة رسم خريطة القوى الاقتصادية حول العالم. فخَلَفًا للنفط، ستصبح سلاسل إمداد المعادن هي أوراق الضغط في الصراع الجيوسياسي القادم؛ النحاس في تشيلي وبيرو والكونغو، والمعادن النادرة في الصين، والكوبالت في الكونغو الديمقراطية، والليثيوم في أستراليا وأمريكا الجنوبية، ومعادن حرِجة مثل الغاليوم والجرمانيوم ترتبط بسلاسل تكرير ومعالجة أكثر تعقيدًا وتحديدًا جغرافيًّا من غيرها. لن تكون الكلمة العليا في قضايا الأمن الاقتصادي لمَن يسيطر على المنجم فقط، بل لمَن يتمكن من بناء سلسلة إمداد كاملة، بدءًا من التعدين، ومرورًا بالتكرير والتصنيع، وانتهاءً بتطوير التكنولوجيا.

بناء سلاسل كهذه ليس عملية سهلة ولا سريعة. فبين استخراج الخام من باطن الأرض ووصوله إلى مصنع للرقائق أو البطاريات أو المحركات مراحل عديدة تمرُّ بها المادة المستخرَجة، تُخصَّص لكل منها ميزانية كافية، وتقنية مناسبة، وخبرات لازمة، وموقع جغرافي ملائم. كما أن بناء منجم جديد يستغرق عادةً عدة سنوات، بينما يُمكن للطلب على تكنولوجيا جديدة أن يتضاعف في غضون شهور. هذه الفجوة الزمنية بين سرعة تطور التكنولوجيا وارتفاع الطلب عليها من ناحية، وبين بطء استخراج الموارد اللازمة لتغذيتها من الناحية الأخرى، هي إحدى أدق نقاط الاختناق التي سيشهدها الاقتصاد العالمي.

حتى توفير المادة اللازمة لا يعني بالضرورة امتلاك القيمة الاقتصادية. فقد تمتلك دولة ما احتياطيًّا كبيرًا من المعدن، إلا أنها تضطر إلى تصديره كمادة خام، قبل أن تستورده في وقت لاحق في صورته المكررة أو المُعدَّة كمُكوِّن صناعي. في هذه الحالة، تنتقل القيمة الاقتصادية من أرض المنبع إلى المصنع أو المصفى أو مالك التكنولوجيا. هذا بالتحديد ما يجعل سباق المعادن مختلفًا عن النفط؛ فالقيمة ليست في امتلاك المادة الخام بقدر ما هي في القدرة على بناء السلسلة.

الأرجح أن تشهد السنوات القادمة استثمارًا هائلًا في البِنية التحتية للمعادن، تلك التي تشتمل على المناجم الجديدة، ومصانع التكرير، ومصانع الفصل والمعالجة، والموانئ وخطوط النقل، ومرافق إعادة التدوير. كما ستدخل الدول طرفًا مباشرًا في هذه الاستثمارات، ليس فقط بهدف تحقيق العائد الاقتصادي، ولكن بهدف تقليل التعرُّض لمخاطر الإمداد. ومما لا شك فيه أن يمتد الاستثمار إلى إعادة تدوير المعادن. فمن غير الممكن مع تزايُد الطلب أن يستمر الاعتماد على استخراج المواد من الأرض. ونتيجةً لذلك، سينشأ اقتصاد جديد قائم في الأساس على استعادة المعادن من الأجهزة والبطاريات والسيارات والآلات بعد انتهاء صلاحيتها.

وختامًا، يبدو أن القرن الحادي والعشرين سيكون أكثر تعقيدًا من سابقه، إذ لن تقتصر القوة على امتلاك مادة واحدة مثل النفط، بل على شبكة من المعادن والمواد والتقنيات وسلاسل الإمداد والمعالجة. كما لن يقتصر التنافس على امتلاك المعدن فحسب، بل على إمكانية تكريره وتصنيعه وتوظيفه لخدمة التكنولوجيا الماضية دومًا في طريق التغيير والتطوير. ولن يتوقف السؤال على امتلاك أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي، بل سيتطرَّق إلى القدرة على توفير ما تحتاجه هذه النماذج حتى تعمل، فثمة عالم مادي كامل يفترش القاع تحت السطح الرقمي، قُوامه المناجم والمصافي والموانئ والمصانع ومحطات الكهرباء، وشبكة ربط ونقل باتساع العالم كله.

أحمد القرملاوي مهندس وروائي ومترجم مصري، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال والتمويل. شارك في تأسيس دار ديوان للنشر وإطلاق بودكاست عن الاقتصاد الإبداعي والصناعات الإبداعية.