عُمان الاقتصادي

اقتصاد المستقبل يعيد تحويل المزايا والمقومات إلى قطاعات واعدة

 

ما يميز سلطنة عُمان عن كثير من الدول حول العالم هو تنوع مقوماتها الاقتصادية وما تمتلكه من إمكانات وموارد تتيح لها بناء اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة، وهذا التنوع لا يقتصر على الموارد الطبيعية والثروات البحرية والإمكانات السياحية، وإنما يمتد ليشمل الموقعَ الجغرافيَّ والتاريخَ والحضارة الضاربة في القِدم، إلى جانب القدرات البشرية وما تمتلكه من طاقات وكفاءات يمكن أن تسهم في بناء اقتصاد أكثر تنوعا وإنتاجية وتنافسية، وهو ما يعني أن التنويع الاقتصادي في سلطنة عُمان لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد انتقال من الاعتماد على مورد اقتصادي إلى مجموعة من الموارد والقطاعات الأخرى، وإنما باعتباره عملية أوسع لإعادة تشكيل هيكل الاقتصاد والاستفادة من مختلف المقومات التي تتمتع بها سلطنة عُمان، وتحويلها إلى قطاعات إنتاجية واستثمارية قادرة على توليد القيمة المضافة وفتح آفاق جديدة وفرص عديدة للنمو الاقتصادي، وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما تحقق من منجزات خلال السنوات الماضية، وما تم تشييده من بنى أساسية؛ من موانئ ومطارات ومناطق حرة واقتصادية وشبكات طرق، وما شهدته المنظومة التشريعية من جهود عديدة لبناء بيئة استثمارية جاذبة، فإننا بالفعل أمام قاعدة متكاملة ومهيأة للانطلاق نحو مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي؛ تُسهم في بناء وجه جديد للاقتصاد الوطني يستند إلى تعدد محركات النمو وتكاملها، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتعزيز دور الاستثمار والقطاع الخاص، والاستفادة من الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية والبشرية.

وإذا كنا في السنوات الماضية نتحدث عن النفط باعتباره عصب النمو الاقتصادي فإننا نناقش اليوم كيف يمكننا تفعيل أداء القطاع الصناعي وتوسيع قدراته في الاستفادة من المنجزات التي تم تحقيقها خلال السنوات الماضية عبر استقطاب مزيد من الصناعات النوعية التي تلبي احتياجاتنا خاصة في قطاعي الأمن الغذائي والدوائي، وتعزيز الاستثمار أيضا في الصناعات الثقيلة والبتروكيماوية مع الاتجاه في الوقت نفسه إلى الصناعات الخضراء التي تعتمد على الطاقة النظيفة، ومع إطلاق العديد من المشروعات في قطاعي الهيدروجين الأخضر والمعادن الخضراء فإن آفاق نمو الاقتصاد الأخضر أصبحت عديدة ومبشرة خاصة أن الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان على بحار مفتوحة وما تم تشييده من موانئ بالقرب من خطوط الملاحة الدولية من شأنه تعزيز هذه التوجهات واستقطاب استثمارات جديدة وتوطين العديد من المشروعات الصناعية النوعية التي تنسجم مع توجهاتنا الاقتصادية وتواكب في الوقت نفسه تطلعاتنا نحو «اقتصاد المستقبل».

السياحة والبناء

وفي القطاع السياحي أصبحنا نناقش تطوير قدرات المحافظات العمانية في الاستفادة من ميزاتها النسبية والتنافسية لبناء قطاع سياحي رائد وقادر على المساهمة في الاقتصاد الوطني،

ولعل التجارب التي نراها الآن في مسقط وصلالة ونزوى والجبل الأخضر وصحار وصور وخصب هي مقدمات لنمو أكبر متوقع للقطاع السياحي، الذي يشهد ارتفاعًا سنويًا في أعداد السياح، سواء في السياحة الداخلية أو السياحة الوافدة، كما شهدنا في السنوات الماضية ارتفاعًا في معدل الإنفاق السياحي واتجاه الكثير من المواطنين إلى السياحة الداخلية، كما شهدنا أيضًا اهتمام القطاعين العام والخاص ورواد الأعمال باستغلال المواسم السياحية لتطوير تجارب سياحية متكاملة تستند إلى مقومات كل محافظة؛ لنجدَ مثلًا سياحةَ المغامرات في هذه المحافظة وسياحةَ المواسم الزراعية في محافظة أخرى والسياحةَ البحرية في محافظة ثالثة، وهكذا تبني كلُّ محافظة لنفسها هوية سياحية تستقطب من خلالها السياح من الداخل والخارج.

وإذا استعرضنا قطاع التطوير العقاري، فإننا سنجد أن القطاع بدأ يتحول من نشاط عقاري محدود القدرات إلى قطاع لديه القدرة على تنويع قاعدة القطاعات المحركة للنمو الاقتصادي من خلال العديد من مشروعات المدن المستقبلية والأحياء المتكاملة، وخاصة مدينة السلطان هيثم بمحافظة مسقط، التي تمثل نموذجًا فريدًا من نوعه للتطوير الحَضَري والمدن المستدامة، ومن الملاحظ أن مشروعات المدن المستدامة والأحياء المتكاملة لا يقتصر تنفيذها على محافظة مسقط فقط، وإنما تشمل أيضًا مختلف المحافظات، وهذا يعني أننا أمام قطاع جديد يعيد مفهوم بناء الاستقرار الأسري وتوفير المساكن في جميع المحافظات العُمانية، وليس فقط في مسقط، كما أن الرؤية التي يتجه إليها هذا القطاع هي رؤية شاملة لا تستهدف مجرد بناء المساكن، وإنما بناء مراكز عمرانية واقتصادية متكاملة تجمع السكن والأعمال والخدمات والترفيه والاستثمار في منظومة واحدة؛ وهو ما يعزز دور هذه المدن في الاقتصاد الوطني، في الوقت الذي توفر فيه المدن المستدامة والأحياء المتكاملة بيئة حضرية جاذبة للسكان والمستثمرين، وتعمل على تحفيز العديد من القطاعات الأخرى المرتبطة بها، مثل الإنشاءات والخدمات والتجزئة والنقل والترفيه والعديد من القطاعات الأخرى، وهذا يعني أن قطاع التطوير العقاري أصبح واحدًا من القطاعات المحركة للعديد من الأنشطة الاقتصادية.

الذكاء والتقنية

ولا يمكن الحديث عن الوجه الجديد للاقتصاد الوطني دون الإشارة إلى أهمية الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات، وتسريع عمليات الإنتاج، ورفع كفاءة الأعمال، وإيجاد حلول وتقنيات جديدة تسهم في تطوير مختلف القطاعات الاقتصادية، ولا تقتصر أهمية هذا القطاع على الخدمات التي يقدمها لتطوير القطاعات الأخرى وتسريع نموها، وإنما تتجاوز ذلك إلى كونه قطاعًا اقتصاديًا قائمًا بذاته يمكن تنميته وتوسيع قاعدة الأنشطة المرتبطة به ورفع مساهمته في الاقتصاد الوطني؛ فهذا القطاع الذي أصبح أحد أعمدة الاقتصادات العالمية يفتح لنا آفاقًا عديدة ومجالات واسعة للاستثمار، سواء في تطوير البنية الأساسية الرقمية، مثل مراكز البيانات والحوسبة السحابية، أو في إنشاء الشركات المتخصصة في الأمن السيبراني والبرمجيات والحلول الرقمية وتحليل البيانات، إلى جانب تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأتمتة وإنترنت الأشياء، فضلًا عن الصناعات والخدمات المرتبطة بهذه التقنيات، بما يتيح بناء قطاع تقني قادر على إنتاج القيمة المضافة وتقديم خدماته للأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.

ولا تتوقف أهمية الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي عند حدود السوق المحلية، بل تمتد لتشمل إمكانية بناء صناعات وخدمات قابلة للتوسع والتصدير، واستقطاب شركات تقنية عالمية، وتطوير منظومة من المؤسسات والمشروعات المحلية المتخصصة في التقنيات المستقبلية، كما أن نمو هذه المجالات يمكن أن يسهم في توفير وظائف نوعية، وبناء الخبرات العُمانية المتخصصة في هذه القطاعات، في الوقت الذي يتم فيه العمل على تعزيز الابتكار ونقل المعرفة، بما يضيف محركًا جديدًا للنمو الاقتصادي.

تمويل المستقبل

وحتى تحقق تلك القطاعات أهدافها، لا بد أيضًا من تفعيل دور المصارف وقطاعات التمويل والتأمين وسوق رأس المال في رسم ملامح اقتصاد المستقبل والمساهمة في تطويره، وكما نعلم فإن التمويل يعتبر أحد أبرز محركات النمو الاقتصادي، ولا يمكن تطوير أي قطاع وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني إلا عبر قطاع مصرفي قوي وقادر على مواكبة التحولات الجديدة، وقد لاحظنا خلال العامين الماضيين نموًا جيدًا في أرباح البنوك وشركات التمويل والتأمين، في الوقت الذي اتجهت فيه البنوك على وجه الخصوص إلى تمويل المشروعات الاستراتيجية وتعزيز دور القطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد والاستثمار في الخدمات الرقمية وتحفيز النمو الاقتصادي بشكل عام.

وتعد الخدمات المالية أيضًا ركنًا أساسيًا في الاقتصاد الجديد، ولعل الارتفاعات التي شهدتها بورصة مسقط في أحجام وقيم التداول والمؤشر الرئيسي منذ منتصف عام 2025 تعكس التوجهات الرامية لتفعيل دور قطاع سوق رأس المال في الاقتصاد، خاصة بعد تحويل عدد من الشركات الحكومية إلى شركات مساهمة عامة وإدراجها بالبورصة خلال السنوات القليلة الماضية، بالتزامن مع عدد من الخطوات الأخرى التي استهدفت تعزيز السيولة في البورصة؛ الأمر الذي عزز الثقة واستقطب العديد من المستثمرين إلى بورصة مسقط، ولعل أحد أبرز الأهداف التي ينبغي التركيز عليها في اقتصاد المستقبل في هذا الإطار هو العمل على بناء منظومة مالية قادرة على مواكبة التحولات المستقبلية، بما يجعل القطاع المالي -بكل مكوناته- شريكًا في بناء الاقتصاد الجديد، وليس مجرد وسيط بين المدخرات والاستثمارات.

وختامًا؛ فإننا في اقتصاد المستقبل لا نتحدث فقط عن دور الموانئ والمطارات والنقل واللوجستيات والسياحة والصناعة والتطوير العقاري والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي في بناء وتشكيل الوجه الجديد للاقتصاد الوطني، وإنما نتحدث أيضًا عن قدراتنا على تحويل الموقع الاستراتيجي إلى قيمة اقتصادية تعزز مكانة سلطنة عُمان كمركز اقتصادي إقليمي وعالمي، وعن دور الطاقة المتجددة في تنمية القطاع الصناعي وتشجيع الاستثمار في الهيدروجين الأخضر وتعزيز موارد الطاقة الكهربائية، وعن دور القطاع الخاص في قيادة النمو الاقتصادي والاستثماري والتوسع في الأنشطة الإنتاجية والصناعية وتطوير الشراكات الاستثمارية الدولية، وعن مشاركة أكبر للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد، كما نتحدث أيضًا عن بناء الخبرات والكفاءات الوطنية القادرة على قيادة المرحلة المقبلة، وعن التوسع في البحث العلمي والابتكار والتعليم الجامعي وجودة المخرجات وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد. هذا طموحنا، وهو ما نراه يتشكل في العديد من المسارات والقطاعات، ونتطلع إلى مرحلة اقتصادية جديدة تستفيد من المراحل السابقة ومما حققته القطاعات الاقتصادية المختلفة من نمو، وما أنجزته سلطنة عُمان خلال العقود الخمسة الماضية من بنى أساسية يمكن الاستفادة منها في تحقيق نجاحات أكبر ضمن منظومة اقتصادية تتكامل فيها جهود مختلف المؤسسات والقطاعات لبناء غد اقتصاديّ يواكب التحولات العالمية في الصناعة والتجارة والسياحة والذكاء الاصطناعي وبناء المواهب والقدرات الوطنية وتطوير المعرفة والابتكار، وهي تحولات مهمة لا يمكن تجاهل دورها في تشكيل اقتصاد جديد قائم على المنافسة وتحويل المعرفة والإمكانيات إلى فرص جديدة ومتطورة كلَّ يوم.

محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية