عُمان الاقتصادي

هل تتغير شروط الثروة في الخليج؟

 

توقع البنك الدولي في يناير أن تنمو الاقتصادات الخليجية بنسبة 4.4% خلال 2026، وفي تقريره الصادر في السادس من أكتوبر الجاري، أصبح يتوقع انكماشها بنسبة 4.3%، وتوقع صندوق النقد في تحديث يوليو نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3%. تختلف مواعيد هذه التقديرات وافتراضاتها، ولا تقيس المقارنة بينها وحدها كلفة الحرب، لكنها تضع الخطط الخليجية أمام واقع بعيد عما بدأت به العام. قد تتحسن أرقام السنة المقبلة مع تعافي إنتاج النفط وانتظام الملاحة عبر هرمز، لكن سيبقى بناء الثروة على امتداد عقد محتاجا إلى اطمئنان يتجاوز مدة الهدنة.

اعتادت الدول المصدرة أن تجد في ارتفاع أسعار النفط تعويضا عن بعض اضطراب الأسواق، لكن هذا الحساب يتغير حين تصيب الحرب منشآت الإنتاج وطرق التصدير، ويصبح الانتفاع بالبرميل الغالي مرهونا بإمكان إيصاله إلى المشتري. وقد يجني منتج بعيد عن الحرب من ارتفاع الأسعار أكثر مما تجنيه دولة تملك احتياطيات ضخمة وتتعطل منافذها.

وتوضح الفروق بين الدول الخليجية مقدار ما تصنعه منافذ التصدير وتركيبة الإنتاج في قدرتها على الاحتمال. يتوقع البنك الدولي انكماش الناتج في قطر بنسبة 20.9%، وفي الكويت بنسبة 14.6%، مقابل نمو عُمان بنسبة 3.1%، مستندا إلى منافذها خارج هرمز وزيادة الإنتاج وتماسك الأنشطة غير النفطية. لكل دولة حجم مختلف من الأضرار وبدائل مختلفة للتعامل معها، لذلك تحتاج قراءة المتوسط الخليجي إلى هذه التفاصيل، خصوصا حين يتحول الحديث من وصف الخسائر إلى تقدير ما تستطيع كل دولة تحمله ومواصلة تمويله.

والبدائل نفسها معرضة للخطر؛ فقد أوقفت هجمات سبتمبر مؤقتا تدفقات خط الشرق والغرب السعودي، الذي كان ينقل للتصدير عبر ينبع أكثر من خمسة ملايين برميل يوميا بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وتتجه شحنات ينبع إلى آسيا عبر باب المندب، فيما تبحر شحنات أوروبا شمالا. ومع اتساع رقعة الصراع، يصبح تعدد الطرق أقل طمأنة حين يمكن أن تتعطل معا. وهذا احتمال يستحق وزنا أكبر في حساب جدوى الاستثمارات التي تبني بدائل للنقل والطاقة والمياه والاتصالات.

ويمتد هذا الترابط في المخاطر إلى القطاعات التي بنت عليها دول الخليج آمال التنويع. وأشار صندوق النقد في مطلع أكتوبر إلى أن اتساع الأنشطة غير الهيدروكربونية خفف الصدمة في السعودية والإمارات والبحرين، وأن الاستثمارات السابقة في الطاقة والخدمات اللوجستية ساعدت على استمرار الإمدادات. ومع ذلك، تجتمع أنشطة كالطيران والسياحة والعقار والخدمات المالية على اعتمادها، بدرجات مختلفة، على حركة الزوار ورؤوس الأموال وسلامة الممرات. وقد تتراجع عوائدها معا رغم اختلاف ما تنتجه. ويعرف المستثمر أن امتلاك أصول كثيرة لا يحميه بما يكفي إذا كانت كلها تهبط للسبب نفسه. ويصدق الأمر على اقتصاد تتعدد قطاعاته وتظل مصادر الطلب عليها وتمويلها معرضة للخطر ذاته.

قد تعمل الشركة خارج قطاع النفط، ويظل دخلها مرتبطا به عبر العقود الحكومية والإنفاق العام الذي يحرك السوق، وقد تجد في هذه السوق فرصا تجعل التوسع فيها أكثر جاذبية من خوض المنافسة في الخارج، وقد تزداد حاجة الشركات إلى مساندة الدولة في وقت تضغط فيه الحرب على مواردها.

تستطيع هدنة أن تعيد حركة التجارة، ويظل صاحب المصنع منتظرا ما يطمئنه إلى السنوات التالية. وخلال الانتظار تتأخر الوظائف والمهارات وعلاقات الموردين التي كان المشروع سيولدها. وقد تدفعه الدولة إلى التنفيذ بالتمويل والضمانات، مع انتقال جزء من مخاطره إلى موازنتها. وهكذا تواجه جهود التنويع احتمال تأخر الاستثمار الخاص أو زيادة اعتمادها على المال العام، في وقت يرتفع فيه الإنفاق على الحماية والإصلاح.

تمنح الأصول السيادية والاحتياطيات بعض الدول مجالا واسعا للتعامل مع هذه الضغوط، وإن اختلفت قدرتها على استخدام تلك الثروة بسرعة. الأصول المرتبطة بالتزامات طويلة لا تتيح المرونة نفسها التي تتيحها الأموال السائلة، ولدى الحكومات وشركاتها وصناديقها ديون وضمانات ينبغي احتسابها عند تقدير ما تستطيع الالتزام به من إنفاق جديد. وقد تنجح الدولة في تمويل الاستجابة لسنوات، بينما تتناقص الموارد المخصصة لبناء مصادر دخل جديدة، ولذلك فإن اجتياز الأزمة الراهنة قد يترك وراءه قدرة أضعف على مواصلة التحول الذي بدأت به دول الخليج استعدادا للمستقبل.

يمول النفط جانبا من هذا التحول الذي يُراد له تخفيف الاعتماد عليه، وكلما طالت الحرب، زاحمت نفقات الحماية والإصلاح الأموال المخصصة لبناء بدائله، وتأخر أي مشروع مُنتِج لسنوات يعني تأخر عوائده وفرص عمله، واستمرار الحاجة إلى النفط لتمويل احتياجات كان المشروع سيشارك في تلبيتها. وفي حساب الكلفة ينبغي أن تدخل هذه السنوات أيضا، وما كان سيُكتسب خلالها من خبرة وقدرة على المنافسة.

وقد يصعب رؤية هذه الكلفة وسط أرقام التعافي المرتفعة. يتوقع البنك الدولي نمو الخليج بنسبة 10.3% في 2027، بافتراض تحسن الظروف تدريجيا من مطلع العام واستعادة الإنتاج والملاحة، ويعزو جانبا كبيرا من الارتفاع إلى استرجاع طاقة تعطلت. وفي قطر، تعيد زيادة متوقعة بنسبة 26.7%، بعد انكماش بنسبة 20.9%، حجم الناتج السنوي تقريبا إلى مستواه في 2025. وفق هذين التوقعين، يمر عامان دون تقدم يُذكر في حجم الاقتصاد، ودون تعويض النمو الذي كان ممكنا في غياب الحرب.

لهذا يحتاج تقييم التعافي والتنويع إلى متابعة ما يضيفه الاقتصاد إلى قدرته على الإنتاج. قد ترتفع حصة الأنشطة غير النفطية حسابيا عندما ينكمش إنتاج النفط، حتى لو تباطأت هي أيضا، وتمنح قيمتها المضافة بالأسعار الثابتة، وصادراتها المحلية المنشأ، وإنتاجية العامل ونوعية الوظائف، صورة أقرب إلى ما تحقق. كما يستحق مقدار استقلال دخلها عن الإنفاق العام اهتماما يماثل الاهتمام بحجمها، خصوصا حين تستعد الدول لسنوات يصعب فيها الاطمئنان إلى استقرار إيراداتها.

وعلى أساس هذه القراءة، أرى أن مراجعة الخطط الخمسية والعشرية تبدأ من الافتراضات التي بُنيت عليها، ومن ترتيب المشروعات وطرق تمويلها. وتتيح أطر قائمة مساحة لهذه المراجعة؛ قسمت عُمان خطتها الحادية عشرة إلى برنامجَي عمل، مدة كل منهما سنتان، يتبعهما برنامج تكميلي للتقييم في 2030، وركزت استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة السعودي للفترة من 2026 إلى 2030 على كفاءة الاستثمار والعوائد ومشاركة القطاع الخاص. يمكن داخل هذه الأطر اختبار المشروعات تحت ظروف عودة مستقرة للملاحة، أو تعطل متكرر، أو اضطراب ممتد، ثم تحديد ما يُنفذ على مراحل وما يُؤجل وما ينبغي حمايته من التوقف. ويمنح إعلان حدود التمويل والضمانات وشروط الانتقال بين المراحل المستثمرين معرفة بكيفية استجابة الدولة للمفاجآت، إلى جانب معرفتهم بأهدافها البعيدة.

وقد تقود هذه المراجعة إلى تقديم استثمارات لا يعكس عائدها التجاري المباشر كامل منافعها، مثل المخزون الاستراتيجي والربط الكهربائي والمسارات البرية الإضافية التي تحمي أنشطة عديدة من الانقطاع. وأشار صندوق النقد إلى دور سكة الحديد الخليجية والجسر البري السعودي في خفض الخسائر المحتملة لتعطل الملاحة في مضيق هرمز. تكتمل قيمة هذه المنشآت باتفاقات التشغيل وتقاسم الكلفة وتسهيل عبور الشحنات، حتى يصبح البديل صالحا للاستخدام حين تشتد الحاجة إليه.

وتفقد هذه الشبكات بعض جدواها إذا خرجت الشركات من الحرب فاقدة عمالها ومورديها، أو عاجزة عن تمويل إنتاجها. تقليص التدريب وترك المؤسسات الصغيرة تتعثر قد يوفر مالا عاجلا ويترك الاقتصاد أضعف بعد الحرب. وتستحق المهارات والمنافسة والشركات القادرة على التصدير أولوية في الموازنة، إلى جانب الدعم المؤقت الموجه للأسر والمنشآت القابلة للاستمرار. بذلك يحافظ الاقتصاد على الوظائف والخبرات دون أن تلتزم الدولة بتعويض كل خسارة إلى أجل مفتوح.

لا تسمح البيانات بالحكم بانهيار النماذج الخليجية أو بضمان صمودها عشر سنوات. ما نعرفه أن الثروة المتراكمة تمنحها فرصة لتمويل الاستجابة وإعادة ترتيب التحول، وأن استمرار الحرب يستهلك هذه الفرصة. وحتى أفضل الخطط وأكثرها مرونة ستظل تدفع ثمن غياب استقرار يمكن التعويل عليه. لذلك يدخل خفض احتمال الحرب في صميم المصلحة الاقتصادية للخليج، بما يحميه من وقت تحتاج إليه المشروعات كي تنضج، ومن قدرة الأسر والشركات على التخطيط لحياتها. وفي هذا الأفق تتحدد قيمة الثروة التي نملكها اليوم، وما نستطيع أن نبنيه بها للمستقبل.

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان