أعمدة

صُدف رتبها القدر

الصُّدف هي تلك الأحداث التي لا يمكن التنبؤ بها أو توقّعها؛ كأن تقابل صديقًا في مكان لا يخطر على البال أن يكون فيه، أو أن تحصل على منفعة لم تكن في الحسبان، أو أن تقودك خطوة عابرة إلى تجربة تبقى راسخة في الذات طويلًا.

تستغرب حدوث ذلك، وتحاول أحيانًا أن تجد له تفسيرًا منطقيًا، غير أن القدر وحده القادر على تنظيم الأشياء وترتيبها في الخفاء. فنحن في أحيان كثيرة محكومون بالصدف التي تمنحنا أجمل اللحظات وأكثرها رسوخًا في الذاكرة.

فذات ظهيرة ديسمبرية في باريس عام 2009، وكانت تلك زيارتي الأولى لها، قابلت صدفةً الكاتب والروائي الجزائري واسيني الأعرج. كان لقاءً مفاجئًا أعادني إلى لقاء سابق جمعني به في تونس عام 2006، بصحبة الروائي التونسي الصديق كمال الرياحي، في معرض الكتاب.

قبل ذلك بثلاث سنوات كنت في تونس للمرة الأولى. وفي مطار مسقط «مطار السيب سابقًا»، تعرّفت على معلم تونسي من مدينة الشابة. وبعد حديث قصير بيننا، أخذ رقم هاتفي بعدما علم بوجهتي والغاية من زيارتي لتونس.

وذات صبيحة، اتصل بي المعلم زهير ودعاني إلى زيارة مدينته الساحلية، التي يقصدها الناس للسباحة والاستجمام. أخبرني بكيفية الوصول إليها عبر سيارات الأجرة الجماعية التي تُعرف في تونس باسم «اللواج»، والتي تنطلق من محطة المنصف باي في تونس العاصمة إلى مدينة المهدية، ومنها إلى مدينة الشابة. وهكذا كان الأمر. انطلقت إلى المهدية عشية يوم سبت، وحين وصلتها ليلًا، لم أعثر على سيارة أجرة تقلني إلى مدينة الشابة.

هاتفت المعلم زهير وأخبرته بالأمر الطارئ، فحاول أن يأتي إليّ، غير أنني رفضت حتى لا أكلّفه مشقة الطريق في ذلك الوقت المتأخر. وأثناء مروري في أزقة المدينة العتيقة، إذ بي أجد الدكتور حسن حسني حمزة، وكان حينها أستاذ مادة الفيزياء بكلية التربية للمعلمين في صلالة. لم يكن بيننا تواصل مباشر في صلالة، غير أنني كنت أراه أحيانًا بصحبة مواطنه أستاذ الفلسفة الدكتور عبدالحميد الهلالي.

وقد استضافني لديهم في البيت، وقد أشرت إلى هذه الصدفة في كتابي «الطرف المرتحل. دار الفرقد. 2013». كان ظهوره المفاجئ في تلك اللحظة، وفي تلك المدينة، أمرًا يدعو إلى الدهشة. كيف يمكن لشخصين يعرفان بعضهما معرفة عابرة في صلالة أن يلتقيا فجأة في مدينة تونسية بعيدة، وفي ليلة لم تكن مرتبة ولا محسوبة؟

أما الصدفة التي أوحت إليّ بكتابة هذا المقال، فقد حدثت قبل بضعة أيام في مدينة طنجة؛ تلك المدينة الجميلة على ضفاف المتوسط. كنت قد قصدت طنجة مدفوعًا برغبة شخصية في التعرّف إليها، وباهتمام ذاتي بشخصيتين ثقافيتين ارتبطتا بها، أو عبرتا في تاريخها وأثرها.

الأولى هي شخصية الرحالة الشهير ابن بطوطة، الذي مرّ بظفار، وكنت قد كتبت عن رحلته في كتابي «ظفار: الإنسان والرمز»، أما الشخصية الثانية فهي الكاتب والروائي المغربي محمد شكري، صاحب السيرة الروائية الشهيرة «الخبز الحافي»، ذلك العمل الذي تُرجم إلى عشرات اللغات، وخرج من الحياة الهامشية إلى الشهرة العالمية.

في اليوم الأول لوصولي إلى طنجة، زرت فندق (ريتز) الذي كان يقيم فيه محمد شكري، محاولًا تتبع آثاره وإرثه في المكان. وفي اليوم الثاني توجهت إلى متحف ابن بطوطة، وفي اليوم الثالث، وجدت نفسي أدور في الحي الذي سكنه شكري، وقد وضعت خطة لزيارة الأماكن التي وردت في روايته «عين قيطيوط، السوق الداخلي، السوق الكبير، مقبرة بوعراقية، ضريح سيدي المخفي، والمقبرة اليهودية».

قبل ذلك بليلة، قادني الفيسبوك، الذي يبدو أنه يعرف اهتماماتنا أحيانًا أكثر مما نظن، عبر خوارزمياته، إلى شخصية لم أكن أعرفها من قبل. تابعت حديث الشاعر والإعلامي عبد اللطيف بن يحيى في إحدى الصفحات، عن محمد شكري الذي زامله في إذاعة طنجة، وروى بن يحيى في أحد لقاءاته الإعلامية أن سبب ذلك الخلاف يعود إلى أنه تمنى لشكري التعافي من وهنه ومرضه أثناء بث إذاعي مباشر، وهو ما لم يرق لشكري، فكانت القطيعة بينهما.

في اليوم التالي، وبينما كنت جالسًا في أحد مقاهي طنجة، وقع بصري على رجل يجلس أمامي. بدا وجهه مألوفًا بشكل مربك. حاولت استعادة الشخص الذي يتحدث عن شكري. هل يمكن أن يكون هو عبد اللطيف بن يحيى؟ لم أستطع مقاومة الفضول، فسألت النادل عنه، فأكد لي هوية الرجل.

عندها شعرت بأن الصدفة بلغت من الكرم حدًا لا يُصدّق. قمت من مكاني، واتجهت إليه، وسلّمت عليه. تحدثنا قليلًا عن محمد شكري، وعن طنجة، وعن تلك الحياة الثقافية التي لا تزال تعيش في مقاهي المدينة وشوارعها، حتى بعد رحيل أصحابها.

تلك اللحظة آمنت بأن الصدفة لا يمكن أن تكون إلا قدرًا، وشكلًا من أشكال العناية الإلهية. فكم من درب سلكناه دون خطة مسبقة، وكم من تأجيل تحسرنا عليه فكان سببًا لتفادي منغصات الحياة، وكم من رحلة بدأت لغرض ما وانتهى بها الحال إلى مآل آخر.