من الحافلة إلى الطائرة.. كيف تغيّر سفر حجاج عُمان؟
الاثنين / 30 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 15:51 - الاثنين 12 أكتوبر 2026 15:51
اختار علي بن سيف الفهدي السفر إلى الحج برا بسبب الكلفة، خاض الرحلة البرية مرتين، واستغرقت إحداهما يومين على الأقل. يتذكر الزحام في المنافذ الحدودية والحافلات والسيارات المتجمعة أمام المراكز، والإجراءات التي تطيل الانتظار في أيام يتوجه فيها الحجاج إلى وجهة واحدة.
يقول الفهدي عن الانتظار عند الحدود 'توجد إجراءات تأخذ وقتا، ويجتمع الناس، فلا بد أن يكون هناك زحام وتعب'. ويشير إلى أن ارتباط الحج بأيام ومواعيد محددة يجعل الضغط على المنافذ أكبر في وقت وصول الحجاج.
وجرّب الفهدي السفر جوا أيضا، ولذلك يضع اختصار الوقت في مقدمة أسباب تفضيله للطائرة، ويعود في حديثه إلى الكلفة التي دفعته لاختيار الحافلة. وعندما يتقارب السعر، يختار الفهدي الطائرة بعد أن عرف مشقة الطريق البري في رحلتين.
في موسم حج 1447هـ، سافر 10,966 حاجا من سلطنة عُمان جوا، مقابل 3034 برا، بحسب بعثة الحج العُمانية. وبلغت حصة المسار الجوي نحو 78% من إجمالي الحجاج، والبري 22%. وانخفض عدد المسافرين برا بمقدار 2088 حاجا مقارنة بالموسم السابق، حين بلغ عددهم 5122، أي بتراجع يقارب 41% خلال عام واحد.
وتعزو البعثة جانبا من هذا التحول إلى مبادرة 'طيران' التي عززت التنسيق بين شركات الحج وشركات الطيران، وخفضت أسعار التذاكر بنحو 40 ريالا للحاج مقارنة بالموسم السابق. وفي شهادات أصحاب الحملات تظهر أسباب أخرى تتصل بمواعيد السفر وترتيبات النقل داخل السعودية وارتباطات الحجاج بأعمالهم وأسرهم.
وما زال فارق السعر يمنح الطريق البري مكانه في اختيارات الحجاج خاصة عندما يسافر عدة أشخاص من الأسرة الواحدة، وتزداد أهمية اختصار الطريق لدى من يجدون صعوبة في تحمل الجلوس الطويل، أو تدفعهم ارتباطات العمل والأسرة إلى تأخير المغادرة.
حساب الرحلة كاملة
يقدّر سعيد بن سيف الحوقاني، صاحب شركة القدس الذهبية للحج والعمرة، زمن الوصول في برنامجه الجوي بنحو 12 ساعة، من مغادرة نقطة التجمع في عُمان حتى الوصول إلى الفندق في مكة المكرمة. والمدة التي يذكرها تشمل مراحل السفر، وتخص برنامج حملته، فيما تختلف تقديرات الآخرين بحسب الولاية التي ينطلق منها الحاج والمطار الذي يصل إليه.
سعود بن علي الهاشمي، المشرف على حملة 'صحبة الخير للحج والعمرة' يبدأ حساب الوقت من خروج الحاج من ولايته إلى مطار مسقط. ثم تأتي ثلاث ساعات للحضور قبل الإقلاع، ونحو ثلاث ساعات للرحلة الجوية، تليها إجراءات الوصول وانتظار الحافلات والانتقال إلى السكن.
ويقول إن الوصول عبر المدينة المنورة أكثر سلاسة في تجربته، إذ يستغرق الانتقال إلى الحافلات عادة ساعة أو ساعة ونصف. أما في جدة، فقد يمتد الانتظار إلى ثلاث أو أربع ساعات، ويصل أحيانا إلى ست، نتيجة الضغط الذي يشهده المطار خلال موسم الحج.
ومن الإجراءات التي ساعدت على تخفيف الانتظار، بحسب الهاشمي، إدخال شركات الحج بيانات الحجاج ورحلاتهم مسبقا في النظام التابع لوزارة الحج السعودية، لترتيب استقبالهم قبل الوصول. ويقول إن ذلك قلل الانتظار في جدة مقارنة بما كان عليه في السابق.
وعلى الطريق البري، يقدّر إبراهيم بن حمود بن سالم السيابي، المشرف على شركة 'النفحات الإيمانية للحج والعمرة'، مدة السفر بما بين 32 و36 ساعة. وتشمل الرحلة توقفات للأكل والصلاة والراحة، وتتأثر مدتها بإجراءات الحدود. أما تجربة الفهدي التي امتدت إلى يومين، فتوضح مقدار اختلاف الوقت الذي قد يقضيه الحاج على الطريق.
خالد بن حمدان الحراصي وصل برا في يوم ونصف اليوم، كانت الحافلة مريحة، كما يروي، ولم يكن عدد ركابها كبيرا. ويصف رحلته بقوله «ولله الحمد كانت الرحلة طيبة، فقط مشقة المسافة». بقي طول الطريق مصدر التعب حتى مع رضاه عن الحافلة.
ويرى السيابي أن الوصول المبكر لحجاج البر يمنحهم وقتا للراحة قبل بدء المناسك. لكن الهاشمي يتوقف عند احتياجات كبار السن وبعض المرضى أثناء الطريق، خصوصا من يحتاجون إلى استخدام دورات المياه بصورة متكررة. ويذكر مرضى السكري مثالا على من قد يحتاجون إلى دورات المياه مرارا خلال الرحلة. وفي الحافلة، تتوقف تلبية هذا الاحتياج على مواعيد الاستراحة والخدمات المتاحة على الطريق، بحسب الهاشمي. ويذكر الهاشمي كبير السن الذي يبقى 'محبوسا في الكرسي لعدة ساعات'، وقد يحتاج خلال هذه المدة إلى استخدام دورات المياه عدة مرات.
وتشير بيانات البعثة إلى أن الفئة العمرية بين 45 و60 عاما شكلت 40% من حجاج الموسم، تلتها الفئة بين 30 و44 عاما بنسبة 38%. وتشمل هذه النسب حجاج المسارين، ولا تفصل البيانات المنشورة في المؤتمر الصحفي توزيعهم العمري بحسب وسيلة السفر.
فارق يتضاعف داخل الأسرة
وبلغ متوسط تكلفة الحج عبر الجو 2013 ريالا عُمانيا، مقابل 1647 ريالا عبر البر، بحسب بيانات البعثة، بفارق 366 ريالا للحاج. ويشمل المتوسط كلفة برنامج الحج، بما فيه الإقامة والخدمات، ولا تكشف هذه المتوسطات عن مقدار ما يضيفه النقل وحده إلى السعر.
أما التخفيض بنحو 40 ريالا الذي أعلنته البعثة ضمن مبادرة 'طيران' فيتعلق بسعر التذكرة. وهو يساعد على تقليل مصروف السفر، لكن مقدار ما يدفعه الحاج في النهاية يتوقف على مجموع الخدمات التي يتعاقد عليها، بما فيها السكن والنقل داخل السعودية.
وتختلف الأسعار التي يوردها أصحاب الحملات. يقول الحوقاني إن برنامجه الجوي كلف نحو 2145 ريالا، وشمل السكن في مكة المكرمة والمدينة المنورة والنقل والتغذية والتذاكر والهدي والتصاريح. ويصف العرض بأنه يشمل الخدمة من خروج الحاج من المنزل إلى عودته. وبلغ سعر تذكرة الطيران وحدها نحو 325 ريالا. وفي تقديره، قد يكون الفارق مع البرنامج البري في حدود 250 ريالا، ولا يصل عادة إلى 300.
أما السيابي، فيقدّر الوفر في السفر برا بنحو 480 ريالا للحاج، ويضع الهاشمي الفارق في بعض البرامج بين 200 و400 ريال. هذه الأرقام تخص برامج مختلفة، ولا تقدم مقارنة لعرضين متطابقين في مستوى الفندق وعدد الليالي والخدمات. يحتاج الحاج إلى معرفة ما يشمله السعر حتى يقدّر ما يوفره فعليا باختيار الحافلة.
ويضرب الهاشمي مثالا بأسرة من أربعة أفراد. إذا وفر كل فرد 250 ريالا، بلغ الوفر للأسرة ألف ريال. ويقول «قد لا يمثل الفارق مائتي ريال عند شخص شيئا، ولكن عند شخص آخر يكون مبلغا كبيرا جدا يعين على أمور الحياة المالية'.
ويفسر هذا الحساب تمسكه باستمرار الخيار البري، رغم أنه لا يتعامل معه إلا نادرا. كما يلفت إلى أن بعض الشركات اشترت حافلات وجهزتها لخدمة هذا المسار، وأصبحت لديها استثمارات مرتبطة باستمراره.
لماذا انتقلت حملة إلى الجو؟
انتقلت شركة الركن العُماني من السفر البري إلى الجوي، ويذكر مديرها سعيد بن علي بن سعيد البرهومي عدة أسباب وراء القرار، من بينها طول المسافة، واشتراط دخول حجاج البر قبل الأول من ذي الحجة، وعدم السماح للحافلات العُمانية بدخول المشاعر المقدسة.
وفي ترتيبات موسم 1447هـ، أوضحت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية أن الحافلات العُمانية تنقل الحجاج إلى محطتين بحسب مسار الوصول، ثم تستكمل حافلات سعودية مرخصة نقلهم إلى مكة والمشاعر. وبذلك تشمل الرحلة البرية مرحلة انتقال إلى حافلات أخرى، تحتاج إلى تنسيق نقل الحجاج وأمتعتهم.
ويربط البرهومي اختيار الجو أيضا بارتباطات العمل والظروف الأسرية التي تدفع بعض الحجاج إلى تفضيل المغادرة المتأخرة. ويمنحهم السفر بالطائرة مرونة أكبر في الموعد، بحسب تجربته. وفي الموسم نفسه، شملت تسهيلات النقل الجوي التي أعلنتها وزارة الأوقاف السماح بتسيير رحلات الحجاج عبر الناقلات الوطنية حتى الخامس من ذي الحجة، وإضافة الطائف إلى وجهات الوصول، وخيار المغادرة من مطار صحار للشركات الراغبة. وتزيد هذه الخيارات مواعيد ومسارات السفر المتاحة للشركات. ويظل عدد أيام الإقامة، إلى جانب وسيلة النقل، مؤثرا في حساب كلفة البرنامج.
ولتقريب أسعار البرنامجين، راهنت الشركة على توقيت شراء التذاكر. يقول البرهومي «قمنا بحجز تذاكر طيران في أوقات مختلفة وبأسعار تناسب الحاج وقريبة من تكلفة البر، مما جعل الحاج ينتقل طواعية للسفر جوا عندما رأى الفرق بسيطا مقارنة بمشقة السفر برا'.
وبحسب البرهومي، كانت أبرز شكاوى حجاج البر تتعلق بطول الطريق، والانتظار في المراكز الحدودية، وقلة الخدمات وكثرة الإجراءات. وبعد انتقال شركته إلى الجو، لاحظ ارتفاع رضا الحجاج عن الرحلة. وهو تقدير يورده من واقع تجربة الشركة، دون أن تتضمن شهادته أرقاما للمقارنة.
والحوقاني، الذي تتيح رخصة شركته العمل بالمسارين، يفضل الجو أيضا. وعن السفر برا يقول 'لا أذهب بالبر بسبب المشقة والتعب والإرهاق'. ويخص كبار السن بالحديث عن فائدة اختصار الطريق، فيما يربط الهاشمي اختيار الوسيلة بظروف كل حاج وقدرته المالية.
خدمات تخفف تعب الوصول
يقول السيابي إن حملته تستخدم حافلات حديثة ومكيفة، بمقاعد مريحة، تتسع عادة لنحو 45 إلى 50 حاجا. وتشمل ترتيبات الرحلة مراعاة راحة السائقين، وحمل قطع غيار احتياطية، والتنسيق مع ورش متنقلة وشركات نقل سعودية لتوفير حافلة بديلة عند الحاجة. كما تستعين الحملة بسائقين لديهم إلمام بالجوانب الميكانيكية. ويقول السيابي إن هذه الاستعدادات تهدف إلى التعامل مع الأعطال والطوارئ، ويضيف أن الحملة تنظم الراحة عند الوصول لتخفيف أثر ساعات الطريق. ويؤكد أن تجهيز الحافلات وتنظيم التوقفات يساعدان على تخفيف الإرهاق، في رحلة تتأثر مدتها بالمسار وإجراءات العبور.
وفي السفر الجوي، تنشأ بعض المتاعب بعد الهبوط، خصوصا عند انتظار الحقائب أو تأخر وصولها. اختار الهاشمي إرسال أمتعة حجاجه برا بشاحنة مستأجرة، حتى يسافروا بحقائب اليد ويجدوا بقية أغراضهم في مقر السكن.
لكن ما يذهب إليه السيابي لا يعدو إلا محاولة لتخفيف التحديات الكبيرة التي تواجه الحاج المسافر برا خاصة عندما تتعطل الحافلة في وسط الطريق في موسم ما زال الحج فيه يوافق فصل الصيف.
الحراصي، الذي جرب الجو أيضا، يفضل الطائرة لما وجده فيها من راحة واختصار للمسافة. ولم يغير رضاه عن الحافلة حكمه على مشقة الطريق البري. أما الفهدي، فيبقى اختياره مرتبطا بالسعر الذي كان أحد أسباب اختياره الطريق البري.
يقول الفهدي «إذا كانت التكلفة متقاربة، فأفضل أن تكون الرحلة بالطائرة'.