احتفاء حضاري بيوم المرأة العمانية
الاحد / 29 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 22:24 - الاحد 11 أكتوبر 2026 22:24
تكتسب المناسبات الوطنية قيمتها الحقيقية من قدرتها على صناعة أثرٍ إنساني يبقى بعد انطفاء الأضواء، لا من وهج الاحتفال وصخب المنصة، ويأتي يوم المرأة العُمانية كل عام محطة لاستحضار إسهامات المرأة في بناء الوطن، وفسحة لإعادة التفكير في معنى التكريم ذاته؛ فالتقدير الأعمق لا يُمنح في كلمات الثناء وحدها، بل في مبادرات تفتح أبواب الأمل مانحة الفرص لإعادة بناء الحياة لمن تعثرت بهن السبل.
وضمن هذا السياق بدأ احتفال سلطنة عمان بيوم المرأة العمانية الذي يأتي بعد أيام مختلفا هذا العام مع مبادرة أطلقتها جمعية الرحمة بعنوان « أفق» لتمنح 100 امرأة سجينة أفقا أرحب بإطلاق سراحهن، متكأ للاحتواء في مجتمع يؤمن بالإنسان ويحتفي بالفرص سعيا للتأهيل وإعادة الإدماج في جسد لم ينبذ مواطنيه يوما، وأرض لا تقبل تهميش أبنائها.
تبرز مبادرة الإفراج عن عدد من السجينات في يوم المرأة العُمانية نموذجا لاحتفالٍ مختلف يحمل بعدا إنسانيا وحضاريا عميقا؛ إذ لا يقتصر على الاحتفاء بالنجاح بل يمتد لاحتضان المتعثر إيمانا بالفرصة الثانية.. رسالة مجتمعية تعكس وعيا جماعيا مؤكدا أن المرأة -مهما واجهت من عثرات- قادرة على استئناف دورها في الأسرة والمجتمع متى ما وجدت ثقة ودعما، ليتحول يوم المرأة العُمانية من مناسبةٍ للاحتفال المؤقت إلى مناسبةٍ لصناعة التحول، ومن لحظة تكريم عابرة إلى مشروع وطني يعزز قيم الرحمة والتمكين والتماسك الاجتماعي.
ولأنني كتبت مرارا عن أشكال الاحتفال المختلفة بعيدا عن التقليد والشكليات أُكبرُ وأقدِّرُ اليوم هذه المبادرة الرائعة من جمعية الرحمة مع التأكيد على أهمية مراحلها المختلفة بداية من الإفراج مرورا بالتأهيل النفسي الاجتماعي وصولا للتمكين المجتمعي الاقتصادي، مشرعة الباب لمبادرات أخرى مرتبطة بالمرأة العمانية، صادرة عن قراءة معمّقة للواقع المعاش وتحديات المرأة فيه، كمبادرة لدعم المرأة اقتصاديا وتعليميا بقروض ميسرة تقدمها مؤسسات حكومية أو خاصة تؤمن بأهمية شراكة المرأة وتفعيل دورها اقتصاديا وحضاريا إسهاما في ضمان فرص أفضل للتعليم والتمكين الاقتصادي.
مبادرة أخرى لدعم المرأة نفسيا وسلوكيا تستهدف النساء المعرضات للهشاشة الاجتماعية متضمنة جلسات استشارة نفسية مجانية، وإرشاد ووساطة أسرية تعزيزا للصحة النفسية ودعما لأمان الأسرة والمجتمع.
مبادرة أخرى لصنع القيادات النسائية عبر برنامج تأهيل منهجي متضمن للتدريب على القيادة وريادة الأعمال، والمهارات المالية والذكاء الاصطناعي، والعمل التطوعي والتمكين المجتمعي.
مبادرة أخرى لبنك الوقت التطوعي تتعهد بها مجموعة من الكفاءات النسائية المختلفة بتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي لبناء قاعدة بيانات خادمة لبنك كفاءات مختلفة التخصصات والمهارات(الطبيبة، المعلمة، المحامية، رائدة الأعمال، الأخصائية النفسية، وغيرها) في كل المحافظات لتخصيص وقت تطوعي؛ دعما تخصصيا للمرأة والمجتمع معززا التكافل المجتمعي مفعلا مبدأ المواطنة التشاركية عمليا، ولا يمنع أن يتضمن هذا البنك كفاءات من الرجال إيمانا بالتكامل والشراكة الفاعلة.
مبادرة أخرى لتوسيع نطاق السهم الوقفي (وقف المرأة) الذي أطلقته وزارة الأوقاف والشؤون الدينية منذ سنوات متجاوزا فكرة التعليم والإرشاد الديني ليشمل دعم المرأة اجتماعيا واقتصاديا في مواجهة تحديات الواقع وعقبات الحياة.
كلها مبادرات تكاملية تقدم نموذجا إقليميا للتنمية الاجتماعية المستدامة في الاحتفال بيوم المرأة احتفالا عمليا بأثر ملموس يقاس بالأرقام والنتائج صانعا من حالة الترقب سبيلا لفك كربة أو إقالة عثرة، احتواء تائه وأمان خائف توجيها لسلوك أقوم وغد أفضل، تحويلا لبوصلة الاحتفال مستقبلا نحو مبادرات مستدامة لتعزيز الاستقرار الأسري ودعم الصحة النفسية، وتوفير الفرص الاقتصادية المجتمعية للنساء وإعادة دمج الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع عوضا عن التركيز على المظاهر الاحتفالية العابرة.
ختاما: إن أجمل ما في الاحتفال تحوله من لحظة عابرة إلى أثرٍ مستدام، تحول باقة الكلمات ومنصات التكريم إلى نافذة أمل تُفتح لمن أغلقتها الظروف، ويدٍ تُمد لمن عثرت خطاها، وفرصةٍ جديدة تعيد للإنسان ثقته بنفسه ومكانه في مجتمعه، هنا تكون مبادرة الإفراج عن السجينات أكثر من مجرد إجراء إنساني؛ إنها إعلانٌ عمليّ بشراكة الرحمة للعدالة، فالأوطان العظيمة لا تكتفي بالمحاسبة عند الخطأ، بل تصلها بالمساعدة على النهوض والاحتواء بعد الخطأ والمحاسبة، إيمانا بتجاوز الأثر العابر إلى استدامة متجاوزة حدود المفهومين الإداري والتنموي إلى مفهوم إنساني يتمثل في القدرة على صنع بصمةٍ تمتد أبدا في أسرة استعادت تماسكها، وامرأة استعادت كرامتها، طفل استعاد حضن أمه ومجتمع ترسخت فيه قيم التسامح والاحتواء، حينها يصبح يوم المرأة العُمانية أكثر من مناسبة وطنية، ليغدو درسا سنويا في معنى الإنسانية وتجسيدا حيا لوطنٍ يؤمن بأن أعظم أشكال التكريم هو منح الإنسان فرصة جديدة للحياة، وأثرا يتطاولُ مثمرا جيلا بعد جيل.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية