حرب غزة: في غضون ثلاث سنوات تغير العالم
الاحد / 29 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 22:24 - الاحد 11 أكتوبر 2026 22:24
ترجمة: أحمد شافعي
قبل السابع من أكتوبر سنة 2023 كان عالم، وبعده عالم آخر. يصدق ذلك بالنسبة لغزة، وبالنسبة لإسرائيل، وبالنسبة للشرق الأوسط الأوسع، ولغيرهم أيضا. ولا تكون جميع مفاصل التاريخ واضحة في وقتها. وبعد مرور ثلاثة أعوام على بدايتها، ومرور عام كامل منذ الاتفاق على وقف مفترض لإطلاق النار، لا يزال من المحال تجاهل هذه اللحظة المفصلية.
ولا تحكي صورتا ما قبل وما بعد إلا قسما من القصة. ويبرز تحديث لخرائط جوجل تم إطلاقه الأسبوع الماضي ما ألحقته ثلاث سنوات من الهجوم العسكري الإسرائيلي المتواصل بغزة؛ إذ تبين صور الأقمار الصناعية كيف أن بلدات كاملة تقلصت إلى محض ركام، وأن مساجد ومستشفيات كانت ظاهرة للأعين قبل ثلاثة أعوام، وباتت الآن أثرا بعد عين. في الوقت نفسه بات ساحل -كان ذات يوم خاويا- يغص بالخيام. وهكذا يكون المنظر بعد محاولة لتدمير شعب.
بالنسبة لإسرائيل أيضا ثمة ما قبل وما بعد؛ فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان قد غرس إحساسا بالأمن، بل وبالمنعة؛ فإذا بالسهولة التي نفذت بها حماس هجمتها التي أسفرت عن مصرع ألف ومائتي إسرائيلي منهم مئات الشباب في حفل موسيقي تدمر هذا الاعتقاد إلى الأبد.
وبعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر تغيرت كل من إسرائيل وغزة حتى لم يعد بالإمكان التعرف على صورتيهما القديمتين، لكن عواقب هجمة حماس ورد إسرائيل الوحشي -الذي أسفر عن مصرع ثلاثة وسبعين ألف فلسطيني منهم واحد وعشرون ألف طفل- استشرت إلى أبعد من ذلك كثيرا.
فبذريعة حماية حدودها شنت إسرائيل حروبا وهجمات عسكرية في المنطقة كلها مرسلة قواتها إلى سوريا لتضم فعليا أجزاء من جنوبي لبنان، وتستعمل هناك التكتيكات التي استعملتها في غزة، وبدأت مع الولايات المتحدة حربا لا سبيل إلى الانتصار فيها على إيران استشرت بدورها إلى صراع إقليمي ترك أثره على جميع دول الخليج الست.
وأطلقت حرب إيران شرارة صراع بين الحوثيين في اليمن والمملكة العربية السعودية أدت خلال الأسبوع الحالي إلى اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان وتركيا مجتذبة بلدين آخرين إلى العاصفة. وفي الجهة الأخرى من البحر الأحمر ينخرط بعض أطراف الصراع في حرب بالسودان، ويندلع صراع طازج في إثيوبيا.
أكثر من عشر دول في قارتين تشتبك الآن في عدد متصاعد من الحروب التي تشارك فيها أطراف متداخلة ومصالح كثيرة متنافسة.
لكن أمرا آخر أشد خطورة قد تغير؛ فقد حلت القوة العسكرية صراحة محل حكم القانون الدولي على هشاشته التي كنا نعرفها فيه. في عام 2022 وجَّه قادة غربيون -يشكلون تحالفا معارضا بحق لغزو فلاديمير بوتين الشامل لأوكرانيا- نداءات أخلاقية قائمة على انتهاك القانون الدولي. وفي غزة شجعوا إسرائيل ودعموها، حتى حينما اتضح أن القواعد تنتهك. ولم يغب ذلك النفاق عن الأنظار، لا في جنوب العالم وحده، ولكن بين ملايين كثيرة من المواطنين في الغرب.
لقد شهدنا هذا وهو يحدث في حينه. برغم فرض الحظر على الصحفيين الدوليين عرف كل من معه هاتف ما كان يجري في غزة منذ أولى أيام الرد الإسرائيلي. ونشر مئات الصحفيين الفلسطينيين أخبار قصف المستشفيات والمدارس، وقصف المقاهي والآبار، وأعمال القتل في نقاط توزيع الطعام، ووفيات الأطفال والرضع. ولم يسبق أن أذيعت جرائم الحرب على الهواء مباشرة، دونما توقف في كل ساعة من ساعات النهار على العالم كله.
غيرت غزة أيضا طريقة خوض الحروب؛ فإسرائيل كانت رائدة في استعمال الذكاء الاصطناعي في اختيار الأهداف، فسارع ذلك من توجهنا إلى مستقبل لسنا مستعدين له.
أتيح وقوع ذلك كله في وقت كان لا يزال بوسع الغرب فيه أن يذهب إلى أن «النظام الدولي القائم على القواعد» موجود. وقد يكون دونالد ترامب قد دمره، لكننا لا يمكن أن ننسى أن تفكيكه بدأ في ظل حكم جو بايدن؛ فبايدن هو الذي ضمن استمرار تدفق الأسلحة إلى إسرائيل دونما انقطاع. وبايدن هو الذي أصر على استعمال حق النقض لمنع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الداعي إلى وقف إطلاق النار، وبايدن هو الذي هاجم المحكمة الجنائية الدولية حينما سعت إلى إدانة نتنياهو بجرائم حرب.
ولطالما كان دعم الولايات المتحدة لإسرائيل قويا في الإجمال ولا شك فيه، لكن حتى الرؤساء الجمهوريون كانوا يفهمون أن لهم تأثيرا على أفعال إسرائيل، وكانوا مستعدين لاستعماله.
فقد أوقف رونالد ريجان صفقة أسلحة سنة 1981 بعد أن ضمت إسرائيل مرتفعات الجولان. وبعد سنة من ذلك أوقفت إدارته تزويد إسرائيل بأسلحة عنقودية بعد أن استعملتها حكومة مناحم بيجين في مناطق مأهولة بالسكان خلال غزو لبنان.
وفي عام 2002 كان قتل خمسة عشر فلسطينيا في غزة كافيا لأن يعلن كولن باول -وزير الخارجية الأمريكي إذ ذاك- مراجعة استعمال إسرائيل للأسلحة الأمريكية.
حظيت إسرائيل أيضا بغض الطرف من جميع أعضاء مجموعة السبع بما فيها البلاد التي تديرها أحزاب وسطية أو منتمية إلى يسار الوسط. فقد أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني أولاف شولتز، ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، ورئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز، عن دعمهم لإسرائيل في البداية.
وليس من فضل متواضع إلا لأنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة الذي تعرض لانتقادات لاذعة؛ فبعد مرور أقل من ثلاثة أسابيع على السابع من أكتوبر وصف رد إسرائيل بـ«العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني»، وطالب بوقف فوري لإطلاق النار.
وما من بصيص أمل للمستقبل إلا في فهمنا المشترك لما جرى خلال السنوات الثلاث الماضية، وما يعنيه لبلاد كثيرة تبدلت فيها أجواء السياسة.
قبل أن يتولى أندي بورنهام رئاسة الوزراء اعتذر عن تعامل حزب العمال في أولى أيام الصراع. لدى المملكة المتحدة الآن رئيس وزراء كان من الساسة الغربيين القلائل الذين دعوا إلى وقف إطلاق النار بعد أسابيع من السابع من أكتوبر.
ويشير إقدام إد ميليباند على وصف أعمال إسرائيل في الضفة الغربية وصفا دقيقا بأنها «تطهير عرقي» إلى تغيير في الموقف يمكن أن يفضي إلى عمل دولي منسق ضد إسرائيل.
في الولايات المتحدة تهاوى دعم إسرائيل إلى أدنى المستويات. وبالنسبة لمن يريد أن يكون رئيسا في عام 2028؛ ما من طريق ذي مصداقية إلى البيت الأبيض لا يتعلق بدعم القضية الفلسطينية. ومع ذلك لا يمكننا ببساطة أن نغمض ونتمنى وقوع تغيير في أمريكا يرد العالم ردا سحريا إلى ما كان عليه في السادس من أكتوبر سنة 2023.
ولا يمكننا أن نتظاهر أن الحقبة السابقة حقبة تستحق أن نتمنى الرجوع إليها. فهل دخلنا عالما جديدا في السابع من أكتوبر، أم غاية الأمر أننا انتبهنا إلى العالم الذي كنا فيه وحسب؟ في السنوات الثلاث السابقة على هجمة حماس شهدت الحربان القائمتان في تجراي والسودان تكرار العديد من النزعات نفسها.
في تجراي، وهي الجزء الشمالي الأقصى في إثيوبيا، أدت حرب بين الحكومة المركزية والجبهة الشعبية لتحرير تجراي إلى مصرع ستمئة ألف نسمة. ووقعت مجازر وحشية وتجويع قسري واستعمال منتشر للمسيرات بلا أدنى محاسبة. وفي السودان استهدفت المسيرات المستشفيات، وتعرضت النساء للاغتصاب، ولقي الأطفال مصرعهم رميا بالرصاص، ومرة أخرى شاهدنا ذلك. ومرة أخرى لم تكن لشيء من ذلك عواقب.
غير أن غزة سرّعت بلا شك من هذه النزعة، وسوغت غير الأخلاقي؛ فالحروب التي نشبت، ثم خرجت عن السيطرة، وجذبت العديد من البلاد والفاعلين إلى فلكها، لا يمكن إيقافها بيسر.
وثمة زخم لهذا الصراع، وتصلب في المواقف؛ إذ يستوجب كل عدوان جديد ردا عليه. وحينما تتوافر الحصانة من العقاب، ولا يكون من ثمن يدفعه المسئولون، تقل كثيرا الخيارات المطروحة. وحينما تمر جرائم الحرب دونما عقاب فلا يمكن إلا أن تتزايد. وهكذا تخشى أسرة في أديس أبابا من صوت مسيرة تتحطم في منزلها. ويهجر الناس قرية في لبنان، فتصبح بيوتها حطاما، وأرضها خرابا. وتصبح وظيفة عادية في مطار الرياض مقامرة يومية مميتة. ويتضرع طاقم بحارة ذوي أجور متدنية إلى بارئهم وهم يعبرون مضيق هرمز. وتتقلص أحلام ملايين الأبناء من الجامعة أو الشهرة أو الثروة إلى محض البقاء على قيد الحياة القاسية.
وفي غزة مليونان من البشر مكدسون في الخيام محرومون من القدر الكافي من الطعام والمياه، ولا يزالون يعيشون في ظل حكم حماس القاسي وخطر الموت اليومي على يد قوة عسكرية لا تخشى تبعات شيء. هذا هو عالمنا الآن. وعلينا أن ندرك ذلك إذا لم يتغير شيء.
ـ ستيف بلومفيلد هو محرر أوبزرفر الدولي السابق.
الترجمة عن الجارديان