أفكار وآراء

نموذج القيادة المرتكزة على الذكاء العاطفي

لم يعد النجاح في القيادة يعتمد فقط على الذكاء العقلي (IQ) أو الخبرة التقنية، بل يتطلب قدرة أعمق واكثر إنسانية في القيادة، وهو ما يطلق عليها الذكاء العاطفي (Emotional Intelligence) .

ويعرف الذكاء العاطفي بأنه القدرة على إدراك واستخدام وفهم وإدارة وتحليل العواطف والتعامل معها على الصعيدين الشخصي والمهني.

يمكن للأشخاص ذوي الذكاء العاطفي العالي التعرف على مشاعرهم ومشاعر الآخرين، واستخدام المعلومات العاطفية لتوجيه التفكير والسلوك، والتمييز بين المشاعر المختلفة وتوصيفها بشكل مناسب. وقد أظهرت الدراسات المختلفة أن الأشخاص ذوي الذكاء العاطفي العاطفي العالي يتمتعون بأداء وظيفي أعلى، وكذلك بمهارات قيادية أفضل.

بعد فترة من تراجع شركة مايكروسوفت تولى ساتيا ناديلا في عام 2014 منصب الرئيس التنفيذي وأول شيء فعله لم يكن إطلاق منتجات جديدة أو إعادة هيكلة الشركة، بل أطلق حملة داخلية بعنوان «الاستماع أولا».

كان يحضر اجتماعات مطولة مع الموظفين فقط ليستمع إلى قصصهم وتجاربهم. هذا المثال على الذكاء العاطفي القيادي ساعد على إعادة تشكيل ثقافة الشركة لتقوم على التعاطف والفهم، والنتيجة أن مايكروسوفت أصبحت مرة أخرى من أنجح الشركات في العالم. ما فعله ساتيا ناديلا في مايكروسوفت لم يكن استثناء، بل نموذج لما يفعله أي قائد ذكي عاطفيا. فالقيادة تبدأ من الداخل؛ فيجب أن يعرف القائد مشاعره قبل أن تتحكم به.

من هنا يظهر الفارق الجوهري بين قائد يفرض الطاعة وقائد يلهم الولاء بلمسه للقلوب، فيدفع موظفيه للعمل عن اقتناع.

في مثل هذه الظروف يبرز الذكاء العاطفي كعامل حاسم، فهو الذي يحافظ على تماسك الفريق، ويخلق بيئة عمل يشعر الناس فيها بالأمان والانتماء رغم كل التحديات.

وتعرف بعض المؤسسات ثقافتها من خلال قيمها المؤسسية ومؤشرات الاندماج الوظيفي، أو من خلال التعريف برسالة المؤسسة؛ إلا أن الثقافة المؤسسية هي أعمق من كل هذه الجوانب فهي تجربة نفسية تشكلها مشاعر الموظفين من خلال أحاديثهم مع زملائهم من خلال قصصهم من خلال مشاعرهم الإيجابية أو السلبية التي تنتج عن التعامل اليومي عند أداء المهام والواجبات مع القادة والزملاء والمراجعين والسلوك القيادي الذي يمارس عليهم في مختلف المواقف والظروف.

وقد أكد الاتحاد الأمريكي للصحة النفسية في دراسة عام 2003 أن معدل الاحتراق والضغوط وترك العمل يقل كثيرا عندما يشعر الموظفين بأن هناك تعاضدا وتعاطفا وعدالة في القرارات المؤسسية. إن المؤسسات الذكية عاطفيا تتعامل مع المشاعر كبيانات، يتم تحليلها للوصول إلى فهم أعمق لتجربة الموظفين في المؤسسة بعيدا عن سطحية المقاييس والمصفوفات الأخرى، وهذا يساعد على بناء وعي ذاتي مؤسسي يساعد على التأقلم والنمو وزيادة معدلات الإنتاجية والتنافسية.

وقد أكدت دراسة أجرتها شركة ماكينزي عام 2005 أن المؤسسات التي تستطيع دمج مبادئ الذكاء العاطفي في نموذجها لإعداد القادة تكون متفوقة في أدائها مقارنة بقريناتها من المؤسسات لأنها تشجع الشفافية والتعاضد والتعاطف وتبني الثقة مما يساعدها على التكيف الإيجابي للتعامل مع الضغوطات التي تنتج من مؤشرات إدارة الأداء والتنافسية والتميز.

تشكل السياسات والإجراءات مثيرا مهما لعواطف ومشاعر الموظفين، وعندما تنسجم هذه العواطف مع غايات وتطلعات الموظفين يمكننا حينها أن نصف الثقافة المؤسسية بالانسجام والتماسك.

وقد أشارت دراسة أجرتها شركة ديليوت العالمية عام 2005 إلى أن مشاعر الموظفين تلعب دورا كبيرا في تشكيل الثقافة المؤسسية في وقت أسهم فيه الذكاء الاصطناعي والأتمتة في تغيير طرق الأداء للوظائف والأعمال، وبذلك تحولت الثقافة المؤسسية من ممارسات القوة الصلبة المتمثلة في استخدام القوانين واللوائح لتحقيق التحكم الإداري إلى استخدام القوة الناعمة المتمثلة في التواصل والاتصال مع عواطف الموظفين ومشاعرهم، ومحاولة إدماجهم وكسب مشاركتهم وولائهم الوظيفي.

إن بناء مؤسسة ذكية عاطفيا مرتكزة على نموذج الذكاء العاطفي يتطلب وعي القادة بذاتهم ومشاعرهم، وفهم وتفهم للمشاعر والعواطف المختلفة لفرق عملهم وموظفيهم، وتوجيه ذلك الوعي للتعامل مع تلك العواطف والمشاعر بشكل إيجابي وعقلاني.

إن هذه العوامل الناعمة في القيادة المرتكزة على نظام تشغيل مرتكز على المشاعر كوسيلة لفهم السلوك للوصول إلى أداء أحسن لا يكون بديلا للاستراتيجيات والهياكل، إنما يدعمها، ويضمن اتساق القرارات والسلوكيات القيادية مع تطلعات الموظفين ورغبات متلقي الخدمة والمجتمع.

نعم؛ تشكل الثقافة المؤسسية من خلال المشاعر التي تصدر من القادة ويرصدها موظفوهم، وعندما تفهم المؤسسات كيفية إدارة هذه الأنماط من المشاعر والعواطف تحقق انسجاما استراتيجيا بين الرسالة التي تصدر منها وتجربة موظفيها التي تعبر عن تفاصيل الرحلة اليومية لما يقوم به الموظف وإحساسه بالطريقة التي يدار بها، وتدار بها مساراته الوظيفية والتدريبية في بناء يوازن بين الحقوق والواجبات.

كل ذلك يجعله موظفا ممتنا لجهود مؤسسته وقيادته لتجعله سعيدا ومحفزا لبذل الجهد في سبيل بنائها وتطويرها.

إن الذكاء العاطفي ليس نموذجا نظريا، بل هو ركيزة أخلاقية ونفسية في الإدارة الحديثة؛ فالقائد الذي يدير بذكاء العاطفة وذكاء العقل يستطيع أن يحقق أهداف المؤسسة دون أن يفقد إنسانيتها.

فالقيادة ليست سلطة بل خدمة ومسؤولية. وحين يدرك القائد أن النجاح لا يقاس بعدد الأوامر والقرارات التي أصدرها، بل بعدد القلوب التي ألهمها وأسهم في تغييرها للأفضل من خلال أثره الإيجابي عليها. عندها نكون قد انتقلنا من القيادة التقليدية إلى القيادة الواعية الذكية.

في النهاية؛ القيادة الحقيقية ليست أوامر تُلقى، ولا تقارير تكتب، بل أثر يترسخ في النفوس.

القيادة هي تأثير للقلوب قبل العقول. والقائد الناجح هو الذي يعرف أن القلب والعقل ليسا خصمين في القيادة، بل حليفان في صناعة النجاح. فالقائد لا يصنع الاتباع، بل يصنع القادة بالثقة والاحترام والتعاطف.

د. خالد الحمداني كاتب عماني