أفكار وآراء

إلى متى يستطيع العالم تحمُّل صدمة حرب إيران؟

ترجمة: قاسم مكي

الحرب التي قُصِد بها إسقاط النظام الإيراني بسرعة هي الآن في شهرها الثامن دون أن تبدو لها نهاية في الأفق. ما الذي يمكن أن يتلو ذلك؟ استنتاجي الأوّلي أنه لا يجب إطلاقا التقليل من أثر الغباء البشري أو براعة البشر في إيجاد الحلول. حتى الآن النتيجة بين الاثنين التعادل تقريبا. السؤال: إلى متى سيستمر ذلك؟

في تحليل ساحق وماحق وصف جون ميرشايمر الأستاذ بجامعة شيكاغو الحرب على إيران بحماقة الحماقات الاستراتيجية (استخدم ميرشايمر عبارة «أم الحماقات» مستلهما المفردة العربية «أم المعارك» والتي شاعت أيام حرب العراق- المترجم).

من بين أشياء أخرى -يقول ميرشايمر- دخلت الولايات المتحدة الحرب بدعوى زائفة مفادها أن إيران على وشك الحصول على سلاح نووي.

اعتقدت واشنطن أن القوة الجوية وحدها ستغيِّر النظام. وهو ما لم يحدث أبدا، ولم تكن لديها خطة طوارئ للتعامل مع إغلاق إيران مضيق هرمز. كما فشلت أيضا في تحقيق أيّ من أهدافها الرئيسة الأربعة وهي تغيير النظام والقضاء على قدرة التخصيب النووي الإيرانية، ووضع حد لقدرة صواريخها بعيدة المدى، وإنهاء دعمها لحماس وحزب الله وجماعة أنصار الله.

أحدث إغلاق مضيق هرمز ضررا كبيرا في الاقتصاد العالمي. وقد يُلحِق به المزيد من الضرر. كما تضررت بنية التحالفات الأمريكية في كل مكان. وكل هذا يشكل فقط حوالي نصف القائمة الكاملة للأخطاء؛ فالغباء لافت حقا، وحتى الآن لا يمكننا تخمين الكيفية التي ينتهي بها.

مع ذلك هنالك حجة مضادة؛ قد تكون الحرب حماقة استراتيجية حقا، لكن الضرر الاقتصادي كان مفاجئا في محدوديته.

وكما قال يوهانس اوربيلاينين أستاذ مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز في أغسطس: «اعتقَدَ العديد من الخبراء في البداية أن هذا الاضطراب في إمدادات النفط سيرفع أسعاره إلى 200 دولار للبرميل، ويتسبب في تضخم كبير وركود عالمي، لكن بدلا عن ذلك بلغت أسعار النفط ذروتها عند 126 دولار للبرميل في أبريل 2026». واليوم لا يزال السعر الحقيقي للنفط قريبا من متوسطه على المدى الطويل منذ عام 1972.

كيف يمكن أن يصح ذلك بالنظر إلى ما قاله فاتح بيرول رئيس وكالة الطاقة الدولية في مارس: «يشكل أكبر مهدد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ»؟

الإجابة هي البراعة في إيجاد الحلول. يقول أوربيلاينين: «أولا: قلل التحولُ إلى الطاقة المتجددة اعتماد الاقتصاد العالمي على النفط. ثانيا: أثبتت سلاسل التوريد مرونتها وقدرتها على التكيف. ثالثا: تحرك المنتجون خارج الشرق الأوسط بسرعة لإنتاج المزيد من النفط والغاز الطبيعي. رابعا وأخيرا: غطت عمليات السحب من المخزونات النفطية العالمية باقي الفجوة في الإمداد». المرونة في الخليج حقيقة ملحوظة. كتب محمد السكري وهو دبلوماسي سابق «بنهاية سبتمبر تشير التقديرات الأولية إلى أن صادرات النفط في المنطقة تبلغ تقريبا حوالي 16.3 مليون برميل في اليوم مقارنة بحوالي 19.5 مليون برميل في فبراير بما في ذلك 9.7 مليون برميل تشحن عبر هرمز» هذا إنجاز لافت. مع ذلك يجب ألا تنسوا أننا نستهلك منتجات نفطية، وليس النفط الخام.

لحقت أضرار كبيرة بالمصافي في الخليج. بالإضافة إلى ذلك تنشأ المصافي لتكرير أنواع معينة من النفط؛ لذلك ظهر النقص في منتجاته.

أحد الأمثلة الملحوظة وقود الديزل الذي قاد النقص فيه دونالد ترامب حتى إلى التفكير في خطة (تم التخلي عنها الآن) لوقف الصادرات الأمريكية، لكن هنالك منتجات أخرى شهدت أسعارُها ارتفاعا أكبر من ارتفاع خام النفط خصوصا الغاز الطبيعي والكبريت.

رغم ذلك ظل الاضطراب في إمدادات النفط وأسعاره واقتصاد العالم بشكل عام تحت السيطرة، وكان ذلك مفاجئا تماما.

فيما يتعلق بالاقتصاد ككل يقول نورييل روبيني في «بروجيكت سنديكت»: إن ذلك يعود في جزء كبير منه إلى ازدهار الاستثمار الذي أطلقه الذكاء الاصطناعي.

لكن المهم لعافية اقتصاد العالم ليس مستوى الاستثمار، بل معدل نموه، كما هي مهمة أيضا المساهمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي نفسه في نهاية المطاف.

يقينا في لحظة ما سيتباطأ الاستثمار، أما المساهمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي (أو في الواقع خصائصه التي تنذر بحلول كارثة) من الذي يعلمها على وجه اليقين؟

توجد مصادر أخرى للهشاشة أحدها القدرة على إدارة الدَّين العالمي في وقت يشهد ارتفاعا في أسعار الفائدة.

فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة في مرمى النيران، وهنالك خطر خاص يواجه البلدان التي تطغَى الديون قصيرة الأجل على دينها العام. فهذه البلدان نتيجة لذلك لا تحظى بحماية تذكر من أثر ارتفاع التضخم على أسعار الفائدة.

أحد الأسئلة الكبرى إذن هو: هل ستستمر المواجهة بين الغباء والبراعة في إيجاد الحلول؟ إذا استمرت يجب على الأقل أن تظل صدمة الطاقة تحت السيطرة.

لكن لا يمكن اعتبار ذلك تحصيل حاصل؛ فالوضع الحالي ليس أقله السحب من المخزونات، ولا يمكن أن يستمر إلى الأبد.

كما لا يمكن أن يتواصل كبح الصين اللافت للطلب المحلي؛ فإذا توقفت هذه الأشياء قد يقفز سعر النفط إلى مستويات أكثر إثارة للاضطراب.

السؤال الأكبر هو: إلى أين ستمضي هذه الحرب نفسها؟ هل يعتبر رئيس الولايات المتحدة انتهاء الانتخابات النصفية فرصة لإطلاق العنان لنزعته العدوانية؟ سيتحول ترامب حينها إلى «بطة عرجاء» بحيث قد يعتقد أن الوقت مناسب لكي يتفرّغ لهؤلاء الإيرانيين المشاغبين. (البطة العرجاء مصطلح يوصف به الرئيس الأمريكي الذي شارفت رئاسته على الانتهاء، أو عندما يفقد نفوذه السياسي لخسارة حزبه الانتخابات النصفية - المترجم).

إذا حدث ذلك إلى أي حد قد تتمكن إيران أو ترغب في المضي في تدمير البنية التحتية النفطية لجيرانها؟ اللافت على أية حال الكمياتُ الكبيرة من النفط الخليجي التي ما زالت تتدفق. هل ستتوقف مرة أخرى؟

من ناحية أخرى؛ هل يستطيع الكونجرس بتشكيلة ما بعد الانتخابات النصفية وقف مثل هذه الجهود (أو هل يَقْدِم على وقفها)، أم سيضجر ترامب من المسألة برمَّتها، ويترك العداوات تخفت وتتحول إلى وقف (على مضض وربما غير رسمي) لإطلاق للنار؟

هنالك ميزة للطغاة العشوائيين، وهي أنهم يمكن أن يسأموا بسهولة. وأنا لا أتخيل أن ترامب لا يزال يجد متعة في الحرب مع إيران، بل يصعب عليه حقا الاعتقاد بأنها انتصار عظيم؛ فهو بعد كل شيء، كما يقول ميرشايمر، لم يحقق أيا من أهدافه. لقد تم التنكيل بإيران، لكن نظامها يبدو آمنا، وكذلك نفوذها في المنطقة.

من المؤكد أن ترامب سيجد من المغري أن يعلن الانتصار، ثم يمضي قدما، وسيكون الشعب الأمريكي سعيدا بذلك.

مارتن وولف كبير معلقي الاقتصاد بصحيفة الفاينانشال تايمز