أعمدة

في الزِّنزانة الأمريكيَّة «3- 4»

تدبرت أمري بعد لأي في إجراء مكالمتين واحدة مع «...» والأخرى مع إسماعيل ناشف الذي أخذت رقمه من دفتر الهواتف في الشقة عبر بحث «...» عنه. عدت إلى الجحر وغفوت («شبه أغمي عليَّ» ربما كانت عبارة أقرب إلى الدِّقة) لساعة أو نحو ذلك. كنت لا أعرف الزمن، فقد صادروا ساعاتنا، وليس من مصدر لمعرفة الوقت سوى التَّخمين أو اختلاس النَّظر إلى ساعة الشرطي أثناء الحديث معها، فالسلطة وحدها من يملك الزمن، ولذلك فإنها تقذف الناس في عدمه الرهيب، وتستمتع بالنظر إليهم وهم يدورون في الفراغ. كان شعوري بعدم وجود أي انتظام في زمن البشرية -قسرا وليس اختيارا- فظيعا. ما يحدث في هذا العالم صدى للصَّوابيَّة السياسيََّة (political correctness) التي تفتقت عبقرية الطبقة المتوسطة بها هنا، فقد أصبحت قيادة السيارة تحت تأثير الكحول أسوأ أخلاقيّا، بسبب تلك «الصَّوابيَّة» العتيدة، من ارتكاب جريمة قتل مع سبق الإصرار والتَّرصد: أن تشرب وتقود السيارة فأنت شخص سيئ (bad guy)، هذا الديدن العجيب في الثنائيَّة الأخلاقيَّة الأمريكيَّة، وغير صائب سياسيّا (politically incorrect).

عند الظهر أخذونا إلى دور أسفل وكبَّلوا أيادينا في مجموعات يتكون كل منها من خمسة أو ستة أشخاص. اقتادونا كما الخرفان (بهذا باحت صيحة الشرطي وهو يأمرنا بالتَّحرك ممثلا دور راعي القطيع) إلى قاعة محكمة في أحد أدوار المبنى، وجاء القاضي بعد طول انتظار. أخذ هذا يسرد التُّهم الموجهة ضدنا، وكان بيننا بعض النساء اللائي عُزلنَ في ركن خاص من القاعة. التهمة الموجهة ضدك يُباح بها علانية أمام آخرين لا تعرفهم، فيتاح لهم بذلك أن يدخلوا إلى بيتك، وتاريخك، وذاكرتك، وتفاصيل حياتك، ليعرفوا عنك ما لا تريد أن يكون معلومات عامة: عنف منزلي، سرقة، تأخر في دفع مستحقات ماليَّة، عادات كحوليَّة سيئة، إلخ. يأتي هذا استكمالا لمصادرة أي فضاء خاص من وجودك: لا الجسد جسدك، ولا التاريخ تاريخك، ولا الذاكرة ذاكرتك، ولا الحياة حياتك، ولا الأخطاء أخطاؤك، ولا البيت بيتك، ولا أنت كائن في الزمن (سوى زمن السُّلطة طبعا). كل شيء تملكه السُّلطة، تعرفه، ولديها إثباتات وأدلَّة بخصوصه، وتستعمله ضدك بكل أريحيَّة.

سألني القاضي عمَّا كانت لدي أي أسئلة، فأجبت أنني لا أعرف من القانون الأمريكي شيئا، وأنني لا أدري أيَّة خطوات عليَّ اتخاذها، وأنني لا أفهم ما الذي يجري لي هنا لأن لا أحد يكلف نفسه عناء تعريفي بحقوقي وواجباتي، وأنني مفصول تماما عن كل الإجراءات التي تدار من قبل آخرين لتحديد العقبى والمآل. لم يكن مطمحي أن أترك انطباعا بالمظلوميَّة لدى القاضي، بل كان كل ما أريد هو عدم قضاء ليلة أخرى هنا. أخبرني القاضي أن الكفالة الشخصيَّة المطلوبة مني هي ألف دولار، غير أنه لم يعبأ بأسئلتي الأخرى، وانتقل بسرعة إلى ملف القضيَّة التَّالية.

بألم ومرارة شديدين قال أحد الموقوفين السود -وقد كان مسنّا بعض الشيء- إنه سبق أن دفع الغرامات المطلوبة (في الشأن المرفوع ضده قانونيّا)، فجادله القاضي قليلا بقصد دحض دعواه قبل أن يصيح به «اخرس»! (shut up!). وكانت قيمة الكفالة الشخصيَّة المطلوبة من أمريكي أسود آخر ثمانية عشر ألف دولار، بزفرة أعقبها صمت تقول: لو كان لديَّ هذا المبلغ لما كنتُ هنا لما انتهى بي الأمر إلى هذا المكان في المقام الأول، بل ربما كنتُ أعمل قاضيا.

سمحوا لنا بالخروج من الزنازين عند آخر الظهر (حسب تقديري)، لكن الشرطي قال بغطرسة سينمائيَّة إنه لو حدث و«لم يعجبه» صوت عالٍ فإنه لن يعاقب صاحب ذلك الصوت لوحده، بل إنه سيعيد جميع الموقوفين إلى زنازينهم قبل انتهاء وقت الاستراحة عقابا للمُقَصِّر. ليس لعربدة السُّلطة من حد ما لم توقَف، وإن لم توقف فإن الجنون نفسه لن يكفيها، وعنذاك سيكون الوقت متأخرا جدا لعمل أي شيء. ما من «تنازل» قدَّمته السُّلطة طوال تاريخها الشَّنيع إلا وكانت قد اضطرت لتقديمه بسبب المقاومة.

جاءوا بعد ذلك بعربة الغداء. ومرة أخرى، كان الطعام موضوعا في أكياس ورقيَّة صغيرة داخل كيس قمامة أسود. ليست تلك مصادفة لونيَّة، كما أن طبيعة الوجبة لم تكن غريبة عن مصدرها الرمزي أيضا. أخذونا عصرا إلى طابق أدنى (حين يريدون أن يأخذونا إلى أي مكان فإنهم يشيرون بأصابعهم كما لو كان الأمر متعلقا بقطيع من كلاب أليفة، ولا يقولون شيئا). وفي ذلك الطابق الأدنى أخذوا بصماتي وصوروني من الأمام والجانب. اعتبارا من هذه اللحظة، أصبحت مجرما ذا تاريخ، والصور هي الشَّاهد. الصور تأتي هكذا دوما. ألم تكن هذه هي أولى أغراض الاستخدامات البوليسية للتصوير الفوتوغرافي في بريطانيا، مثلا؟ كانت كفاي ملطختين بحبر البصمات الأسود. أشار الشُّرطي إلى محلول تنظيف وورقة كلينكس غليظة، فنظفت يدي، لكن لزوجة السائل وبقايا الحبر كانت لا تزال على يدي. طلبت منه أن أغسل يدي بالماء فرفض. طلبت إجراء مكالمة هاتفيَّة فرفض. عدنا إلى الزنازين، وجاء شرطي وصاح بأن هذا هو الوقت الوحيد الذي يسمح فيه بتوزيع أقراص المسكِّنات، وأنه لن يعطي أي مسكِّن لأي شخص إن لم يطلبه الآن. أذهلني أن الجميع سواي طلبوا أقراص المسكِّنات؛ فاستنتجت أن معظمهم يعاني من أوجاع أو أعراض أمراض، وأن هذه المسكِّنات هي العلاج الوحيد المتاح في هذا الضِّيقِ المريض.

صاح الشرطي نفسه من جديد بأن هذا هو الوقت الوحيد المُجاز لتوزيع لفافات ورق الحمَّام، غير أن من أراد ذلك عليه أن يجلب الأسطوانة الكرتونيَّة للورق من الزنزانة دليلا على نفاد الورق. هرعت إلى الزنزانة التي لم يكن على أسطوانتها الورقيَّة سوى القليل الذي لا يكفي لأن ينظِّف المرء نفسه لمرَّة واحدة، وأحضرتها إلى الشرطي الذي رفض إعطائي لفَّة جديدة قائلا إن ما لدي يكفي. حين حاولت أن أثنيه ردَّ مبتسما بسخرية: «لماذا؟ كم مرة تنوي أن تفعلها»؟ ثم أردف بما معناه أننا ربما كنا نستخدم الورق «لأغراض أخرى»، مضيفا إلى سوقيَّته ضحكة فاجرة. لم أعلِّق على ما قال، بل اكتفيت بالنَّظر إلى عينيه بثبات وحدَّة، بثبات وحدَّة، بثبات وحدَّة، حتى اختفى من ناظري تماما.

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني