العرب والعالم

عصابات المستوطنين تصبغ الزيت بالدم

 


هنالك في موسم الزيتون في فلسطين، ما يذكّر بقول شاعر القضية الفلسطينية محمود درويش: 'لو يعرف الزيتون غارسه لصار الزيت دمعاً' إذ في كل عام، يصعد جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين حربهم على الزيتون، فنشهد حفلات التجريف والإقتلاع السادي التي تطال الأخضر واليابس.
ودأب جنود الاحتلال والمستوطنون على حرق وتكسير أشجار الزيتون قبل أن يرى المزارعون ثمارها، وتحويل الأغصان الخضراء اليانعة إلى حطب قبل الأوان، لتصبح مرثية مترامية الأحزان.
بالنسبة للفلسطينيين، فموسم الزيتون يتجاوز كونه موروثاً شعبياً ومصدر رزق هام، فهو أحد أبرز وأهم مكونات الهوية الوطنية الفلسطينية، ورمزاً للتجذر في أعماق الأرض، والإصرار على الصمود.. إنهم منغرسون كأشجار الزيتون، فلا يكاد الفجر يتنفس، حتى تنطلق العائلات الفلسطينية إلى الأرض الطيبة الحانية، لقضاء أوقات مفعمة بالجزل والعطاء بين أشجار الزيتون، يستظلون بظلها، وينعمون بخيراتها.
ولقطاف الزيتون في فلسطين، رمزية تاريخية، فهو أحد رموز الخصب والخير والبركة.. هنا لمّة العائلة حول الشجرة المباركة، وهناك فرحة صادقة تعلو وجوه 'أصحاب الأرض' والصغار يشاركون على طريقتهم، فيما الكبار يرصدون خير السنة في المعصرة، ويفرحون بـ'البترول الأخضر'.. إنها شجرة مباركة، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.
في موسم الزيتون الفلسطيني، طقوس جميلة وعادات وتقاليد أصيلة، وأجواء حميمية لا تتوفر في غيره، هنا المتعة بين أحضان الطبيعة الخلابة، وهنا الطهي على الحطب.. و'الشاي ع النار'.. وتناول الطعام تحت جذع زيتونة.. ذكريات تعيد الكبار إلى طفولتهم.. المعونة بين الأهل والجيران من أجمل العادات، وأغان يتردد صداها في الأجواء الرحبة، أصوات تتعالى هناك وهناك، والكل منهمك في جمع حبات الخير.. هذا زيتون أخضر لـ'الكبيس' وهذا أسود للعصر، وهنا البهجة برؤية الحصاد في المعاصر، ليتجلى فرح عارم بتدفق 'الذهب الأصفر' في الأواني الخاصة، ومن المعصرة إلى البيت.
زيت مغمّس بالدم
كانت عائلة عودة رياحي من قرية رنتيس شمال غرب مدينة رام الله، تمارس طقوسها المعتادة في قطف ثمار الزيتون، لكن لم تأت حسابات البيدر كما حسابات الحقل، إذ توقفت قسراً، بعد أن هاجمتها عصابات المستوطنين، ومع هبوط الليل، كانت تلك العصابات المنفلتة من عقالها، تقطّع الأشجار، وتشعل النار من تحتها، لتكتب بداية حزينة للموسم، الذي انتهى قبل أن يبدأ.
يروي رئيس مجلس قروي رنتيس ماجد خلف: 'كانت العائلة تقطف ثمار الزيتون، في المنطقة الواقعة على بعد نحو 200 متر من منزلها، وكانت مجموعة من المستوطنين تتربص بها، وفجأة انقضوا على العائلة وهاجموها بالحجارة والعصي، وكانت قوة من جيش الاحتلال على مقربة، ولم تحرّك ساكناً لمنع هذا الاعتداء الهمجي، فأصيب 5 من أفراد العائلة بجروح وكسور ورضوض، وتم نقلهم إلى المستشفيات وجراحهم تنزف'.
ويعلق أحد سكان القرية ذاتها: 'الاحتلال يستهدف تاريخنا ووجودنا، وفي كل عام نشهد حرباً مسعورة على شجرة الزيتون، المستوطنون يعملون على اجتثاثها من جذورها.. والاحتلال يرى في هذه الشجرة شاهد حي على جرائمه، باعتداءاته المستمرة على الفلاحين وسرقة محاصيلهم' ويضيف: 'المستوطنون أقاموا 'معصرة' بين قريتي رنتيس ودير بلوط، ومن يغامر وينجح في الوصول إلى أرضه، يكون عرضة للضرب ومصادرة تعبه ومحصوله، وهناك تواطؤ واضح لجيش الاحتلال في تسهيل مهام المستوطنين'.
وفي قرى رنتيس والمغير ودير إبزيع ودير أبو مشعل وبورين وأوصرين ومادما وتل وغيرها من قرى الضفة الغربية، يصطبغ الاحتلال موسم الزيتون بدماء مزارعيه، فيتعرضون لاعتداءات يومية دامية من قبل قطعان المستوطنين، خصوصاً في المناطق التي تحيط بها المستوطنات.
لم يهنأ الفلسطينيون بموسم الزيتون، بعد أن أصبحت حياتهم في خطر، وهم يواجهون الرصاص والقنابل الغازية مع كل صباح، لكن لا مفاضلة بين أرواحهم وزيتونهم.. 'نفديها بأرواحنا' قال المواطن ياسر الحاج من قرية المغيّر شرق رام الله، مضيفاً: 'ربما نفقد البهجة بموسم الزيتون، بفعل اعتداءات جيش الاحتلال ومستوطنيه، لكننا لن نفرّط في أرضنا ولا زيتوننا، وحتى لو تلون زيتنا بالدم'.
موسم المجازر..
هنالك أسباب عدّة، تعزز عداء الكيان الإسرائيلي للزيتون، فتجعله يصرّ على اجتثاثه من الأرض الفلسطينية، وكلمة السر في ذلك أنها شجرة معمّرة، تعاقبت عليها كل الأقوام التي مرت على فلسطين، وظلت راسخة ومتجذرة.
ومن هنا فلا غرابة، في أن يرتكب جيش الاحتلال أفظع المجازر وأبشعها بحق الشعب الفلسطيني خلال موسم الزيتون بالذات، فمن مجزرة قبيا 14 أكتوبر 1953، مروراً بمذبحة كفر قاسم 29 أكتوبر 1956، وتالياً مجزرة الأقصى 8 أكتوبر 1990، حيث اعتاد جنود الاحتلال والمستوطنون، على أن يخلطوا زيت الزيتون الفلسطيني بالدم، في سادية إجرامية تستهدف البشر والشجر والحجر.
والاحتلال عندما يشن حربه المستعرة والمستمرة على الزيتون، فإنما يستهدف الوجود الفلسطيني، وهذا ما يفسر هجومه الشرس على كل ما هو أخضر، واقتلاعه أكثر من مليوني زيتونة، للإنتقام من هذا الشاهد الحي، على جرائمهم وتزويرهم.
لقد اعتاد الفلسطينيون على أن يكون موسم الزيتون عرساً ريفياً تقليدياً كبيراً، يحتفل به الصغير والكبير، وتجتمع عليه العائلة تحت جذع الشجرة المباركة، لكن في هذا العام امتلأ المزارعون بالهواجس، وصار القطاف شكلاً من أشكال التحدي والصمود، وفي حقول الزيتون يسقط الشهداء والجرحى، ليتعمّد الزيت بالدم، لكن الفلسطينيين لن يقتل فيهم جبروت الاحتلال إحساسهم القوي بالحياة، وإصرارهم على الإبقاء على ديمومتها.
وربما المشهد القاتم هذا لا يقتل تجذّر الفلسطيني بأرضه، ولا يربك علاقته مع شجرة الزيتون المباركة، فالفلسطينيون مصرون على البقاء والحياة، والإنتصار على أعداء الزيتون، الذين يزعجهم قول الفلسطينيين 'باقون.. ومنغرسون كأشجار الزيتون'.. أما المستوطنون فتتجلى فيهم مقولة درويش 'عابرون في كلام عابر'.