ثقافة

عبد الرحيم يوسف مترجم آن كارسون: وجدت في الثقافة الإغريقية حبها الأثير

 

منذ أن أعلنت الأكاديمية السويدية فوز الكندية آن كارسون بجائزة نوبل لعام 2026، بدأ القراء والمثقفون في البحث عن أعمالها. الغريب أنه بخلاف قصائد ونصوص متفرقة لها على المواقع الإلكترونية لم تُترجم لها سوى ثلاثة كتب، كلها بعيدة عن الشعر، الأول رواية 'سيرة ذاتية للأحمر'، ترجمة مأمون الزيدي، والثاني كتاب نقدي بعنوان 'اقتصاد ما لا يضيع'، ترجمة علي مزهر، والثالث دراسة بعنوان 'إيروس: الحلو/ المُرّ'، تعريب عبدالرحيم يوسف.
كتاب 'إيروس..' يُظهِر ولعها الكبير بالثقافة الإغريقية، ولهذا قصة، ففي المدرسة الثانوية ببلدة 'بورت هوب'، عرضت عليها معلمة اللغة اللاتينية أليس كوان، التي تتقن اليونانية أيضاً، أن تُدرِّسها لها خلال استراحات الغداء، وقد أتقنتها فعلاً بعد مدة، وظهر تأثيرها العميق على أفكارها ولغتها ونظرتها للشعر.
المترجم المصري عبد الرحيم يوسف انبرى لترجمة هذا الكتاب، بعد أن وصله عرض من إحدى دور النشر، فقد وجدها فرصة كبيرة بالنسبة له أن يترجم عملاً لاسم أدبي كبير وغير متداول بكثرة أو لا تحظى أعماله بترجمات كثيرة إلى العربية، خاصةً مع غلبة الأدب الرائج والخفيف فيما تعرضه عليه دور النشر. يقول: 'أجد متعة في ترجمة الأدب الرائج طبعاً لكنها متعة الإثارة والأثر العابر للدهشة وبراعة الصنعة. لكن مع كتابات أدباء مثل آن كارسون يكون الأمر مختلفاً وتكون المتعة متعة الأفكار والتساؤلات العميقة التي تمس شيئاً جوهرياً لدى المهتم سواء بالأدب كصنعة أو الأدب كأثر. وقد راقني الكتاب وأثر فيَّ كثيراً أثناء ترجمته رغم صعوبته، وكتبت في مقدمتي للعمل أن الشاعرة والناقدة وأستاذة اللغويات الكندية آن كارسون تعرض في دراسة شيقة ومتعمقة لتمثلات إيروس -إله الحب والرغبة عند الإغريق- في الأدب. لكنها لا تفعل هذا من منطلق الرصد والتجميع، بل انطلاقاً من أسئلة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه، أسئلة حلوة ومرة مثل إيروس تماماً. أسئلة عن طبيعة الحب ذاته، عما يريده العاشق من معشوقه، وعما يريده المحب من الحب، ومن الزمن.
تصل علاقة كارسون بالثقافة الإغريقية إلى حد الهوس ببساطة لأنها مجال دراستها، كما يفسر عبد الرحيم يوسف، فآن كارسون متخصصة في الكلاسيكيات، في الأدب واللغة اليونانية القديمين، وكتاب 'إيروس..' هو إعادة صياغة لأطروحة الشاعرة الكندية وكاتبة المقالات والمترجمة والمتخصصة في الكلاسيكيات لنيل درجة الدكتوراه التي قدمتها عام 1981'.
الطريف أن آن كارسون تقول إنها تعمل مُدرِّسة لليونانية القديمة وآدابها كي تكسب الرزق. يعلق عبد الرحيم: 'المتابع لحواراتها بالمناسبة وكثير منها متاح في فيديوهات على الإنترنت سيلمح خفة دم هادئة تجعل الحضور يضحكون فيما هي تتحدث بهدوء وبطريقة عادية جداً. لكني أرى مثلاً في كتابها إيروس سؤالاً لا ينبع فقط من شغف بالدراسة للكلاسيكيات، بل من شيء حقيقي وبسيط، وهذا السؤال هو: ما الحب؟ ما هو ذلك الشيء المؤلم والممتع، الحلو والمر، الذي يجعل حياتنا حالَ وقوعنا في الحب مذبذبة بين فرح غامر وحزن مقيم؟'.
في كتاب إيروس، بحسب عبد الرحيم، تتأمل آن كارسون ضمن ما تتأمل -من أعمال أدبية وفلسفية كثيرة- آراء الشاعرة اليونانية سافو والفيلسوف اليوناني سقراط عن إيروس والحب والرغبة. تقول الحائزة على نوبل: 'من شهادة عشاق مثل سقراط أو سافو يمكننا أن نتبيَّن كيف ستبدو الحياة في مدينة بلا رغبة. يجد كل من الفيلسوف والشاعرة نفسيهما يصفان إيروس بصور الأجنحة ومجازات الطيران، لأن الرغبة حركة تحمل قلوباً مشتاقة من هنا إلى هناك، دافعة العقل في قصة. في مدينة بلا رغبة لا يمكن تخيل مثل هذه الرحلات الطائرة. تظل الأجنحة مقصوصة'. يعلق عبد الرحيم: 'أكاد أجزم من هذا المقطع ومن الكتاب ككل أن آن كارسون كانت تتعامل مع أطروحتها بروح باحثة عاشقة وحائرة تحاول أن تجيب بنفسها عن أسئلة شخصية جداً عن الحب، وأسئلة حقيقية عن الحياة في المجتمع المعاصر وموقع الحب منها، وقد شكَّلت هذه الثقافة المتمثلة في دراستها وبالذات في أطروحتها للدكتوراه كما يرى عدد من نقادها حجر الأساس لإصدارتها التالية، وصاغت أفكارها حول الرغبة التي ستسيطر على إنتاجها الشعري لاحقاً، ورسَّخت أسلوب كتابتها المحاكي لنماذج الأدب اليوناني الكلاسيكي'.
يرى عبد الرحيم أن عالم آن كارسون الشعري كبير، يتسع ليضم الشعر الغنائي والنثر الخالص أو ما سمَّاه البعض بالرواية الشعرية، في هذا الإطار الذي يعتبر الشعر مساحة مفتوحة لاحتواء العالم، نجد قصائدها تتسع لتضم تجاربها الشخصية الخاصة جداً وقراءاتها الأدبية شديدة الاتساع والتي لا تقتصر على الأدب اليوناني القديم فقط، ففي كتابها 'إيروس..' ثمة إحالات كثيرة لشعراء وكتاب معاصرين أو من القرن التاسع عشر أو من العصور الوسطى وليس فقط من الأدب الكلاسيكي اليوناني. هكذا نجد في قصيدة لها أشبه بالمعلَّقة عنوانها 'المقال الزجاجي' ما يشبه السيرة الذاتية لفترة من حياتها مصحوبة بمقاطع من رواية 'مرتفعات ويذرينج' وتأمل الكاتبة لعلاقتها بإميلي برونتي مؤلفتها، وفي قصيدة أخرى مثل 'سفر إشعياء' تعيد كارسون كتابة وتأمل القصة الدينية من منظور جديد، وهكذا يتسع عالمها الشعري والفكري ويتأبى على التنميط.
تعرف عبد الرحيم على آن كارسون من خلال حوارات ومقالات وقصائد متفرقة قرأها في دوريات أدبية مختلفة، ويقول إنها اسم معروف منذ سنين لدى المهتمين بالأدب وهي مرشحة دائمة لنوبل منذ عدة سنوات، وإنه ترجم بعض قصائدها مؤخراً، ويتمنى أن يكمل ترجمة دواوين كاملة لها، وأن يكون فوزها بنوبل فرصة لمزيد من الترجمات لأعمالها.