عبدالسلام حاتموف: العلاقات العمانية الأوزبكية تاريخية.. ونسعى لتأسيس شــراكــة اسـتراتيجـيـة
نشيد بنهج الدبلوماسية العمانية وندعم جهود إحلال السلام في المنطقة
السبت / 28 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 21:51 - السبت 10 أكتوبر 2026 21:51
أكد سعادة عبدالسلام حاتموف سفير جمهورية أوزبكستان المعتمد لدى سلطنة عُمان، أن العلاقات العمانية الأوزبكية تسير نحو مرحلة جديدة من الشراكة الإستراتيجية وسط نمو مطّرد في حجم الاستثمارات المشتركة والتجارة البينية بين البلدين الصديقين، لافتًا إلى أن الفترة القريبة المقبلة ستشهد توقيع اتفاقيات استثمارية جديدة، ستعزز من متانة هذه العلاقات ورسوخها.
وأشاد سعادته في حواره لـ«عمان» بنهج السياسة العمانية الخارجية تجاه قضايا وأزمات المنطقة والدور الذي تؤديه لتوفيق وجهات النظر بين الأطراف وحلحلة القضايا الشائكة عبر الحوار والمفاوضات، مؤكدا دعم جمهورية أوزبكستان الدائم للجهود العمانية لإحلال السلام والأمن في المنطقة والعالم في كافة المحافل الدولية.
كما أشار سعادته إلى التواصل الحضاري والتاريخي بين الشعبين العماني والأوزبكي الممتد منذ العصور الإسلامية الأولى والذي سجل شواهد محفورة في ذاكرة الشعبين الصديقين، مؤكدا على السعي الحثيث من الجانبين لترسيخ تلك الروابط التاريخية.
وفيما يأتي نص الحوار...
سعادتكم، كيف تقيّمون مستوى العلاقات الثنائية بين سلطنة عُمان وجمهورية أوزبكستان، وما أبرز محطاتها خلال السنوات الأخيرة؟
شهدت السنوات الأخيرة اتصالات منتظمة بين أوزبكستان وسلطنة عُمان على مختلف المستويات. وقد منحت زيارة وزير خارجيتنا إلى مسقط عام 2024، وزيارة معالي السيد وزير خارجية سلطنة عُمان إلى طشقند عام 2025، زخما جديدا للتعاون بين البلدين.
كما استمرت المشاورات السياسية بين وزارتي خارجية البلدين الصديقين، من خلال اللقاءات الدورية، حيث عُقدت الجولة التاسعة من هذه المشاورات في مسقط بتاريخ 30 يونيو 2026، وترأس وفد أوزبكستان النائب الأول لوزير الخارجية.
كما يتبنى بلدانا نهجا مشتركا في تسوية النزاعات بالطرق الدبلوماسية، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما جرى التأكيد عليه خلال الجولة الثامنة من المشاورات السياسية التي عقدت في طشقند في سبتمبر 2025.
وأسهمت المبادرات السياسية التي عُقدت بين وزارتي الخارجية، ومنها خطة العمل الموقعة بين الوزارتين، في إرساء أساس سياسي متين للتعاون المستمر.
كما أننا نثمّن ونقدّر جهود سلطنة عُمان في تسوية القضايا والأزمات في الشرق الأوسط؛ وخاصة في استضافة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. وكذلك الدور العماني في تسوية الأزمة بين أنصار الله الحوثيين والأشقاء السعوديين بشأن اليمن.
ونحن نتحدث عن الدبلوماسية وأدوارها في حل الأزمات التي يمر بها العالم، ألا ترى سعادتكم أن دور الدبلوماسية بدا وكأنه يتراجع أو أنه أصبح غير مسموع وبالأخص في الأحداث الأخيرة؟
نعم صحيح، ولكن في نهاية المطاف سوف يعود المتخاصمون إليها. كثير من الدول حاربت لسنوات، ثم عادت لتجلس إلى طاولة المفاوضات. فهذا هو الطريق الوحيد لإنهاء الحروب والأزمات رغم التعقيدات التي تشوبها.
إذن، كيف تنعكس هذه الرؤى السياسية المشتركة بين البلدين في التعاون على الساحة الدولية لدعم جهود إحياء السلام في العالم والعودة للاحتكام إلى مبادئ القانون الدولي؟
إن تقارب مواقفنا يتيح لنا المشاركة الفاعلة في المحافل والمنظمات متعددة الأطراف، بما في ذلك الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، فأوزبكستان تدعم دائما الجهود العمانية لإحلال السلام من خلال التعاون المشترك في المحافل الدولية، وهناك اتصالات مستمرة بين وزيري خارجية البلدين للتنسيق والتشاور وتبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا الراهنة.
كما تسهم الحوارات رفيعة المستوى، بما فيها المناقشات الاستراتيجية بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول آسيا الوسطى، في معالجة القضايا الإقليمية والدولية الملحة، وتعزيز الثقة والتخطيط والبناء.
بالانتقال إلى العلاقات الاقتصادية، كيف تقيّمون سعادتكم العلاقات التجارية والاستثمارية بين أوزبكستان وسلطنة عُمان؟
يشهد التعاون التجاري والاستثماري نموا تدريجيا؛ إذ يواصل حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفاعه، وتتوسع المشاريع المشتركة، فيما تشهد منتديات الأعمال مشاركة فاعلة من كبرى الشركات في البلدين.
وفي مجال الاستثمار، يجري تنفيذ مشاريع مشتركة في قطاعات الخدمات اللوجستية والبنية الأساسية، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان، ومن القدرات الصناعية والموارد البشرية المتنامية في أوزبكستان.
وقد نجحت الشركة الأوزبكية العُمانية للاستثمار في توظيف مئات الملايين من الدولارات في مشاريع تشمل إنتاج الأغذية، وتحديث المراكز اللوجستية، وتطوير قطاع الضيافة في طشقند.
ما القطاعات التي تعتقدون أنها تمتلك فرصا واعدة للتعاون الاقتصادي الثنائي؟
هناك عدة قطاعات واعدة وفرص استثمارية مشتركة نعمل عليها، أهمها الطاقة والمعادن، والخدمات اللوجستية، والزراعة، والأمن الغذائي، والسياحة.
حيث يبحث البلدان تنفيذ مبادرات مشتركة في مجالات التعدين، والنقل والخدمات اللوجستية، وإنتاج وتوريد المنتجات الزراعية والغذائية، وشهدت الفترة الماضية زيارات متبادلة قام بها رجال أعمال من البلدين؛ لبحث الفرص الاستثمارية المتاحة.
كما يشهد قطاع السياحة أيضا نموا ملحوظا، حيث يتزايد عدد السياح الأوزبك الذين يزورون سلطنة عُمان، كما يبدي المواطنون العُمانيون اهتماما متزايدا بزيارة أوزبكستان.
ومن شأن تدشين الرحلات المباشرة لشركة الطيران العُماني بين مسقط وطشقند، اعتبارًا من 3 يوليو 2026، إلى جانب تطبيق نظام الإعفاء المتبادل من التأشيرات، أن يسهم في تسهيل حركة السفر والسياحة بين البلدين.
كيف تنظر أوزبكستان للأهمية الاستراتيجية للموانئ العمانية، وهل هناك مشاريع مستقبلية مشتركة في قطاع الخدمات اللوجستية؟
تمثل الخدمات اللوجستية أحد أكبر التحديات التي تواجه أوزبكستان لأنها تعتبر من الدول الحبيسة، حيث تصل أغلب صادراتنا إلى دول الخليج عبر تركمانستان وإيران، ونعتمد في كثير من الأحيان على ميناء بندر عباس.
وللأسف، وبسبب التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة فقد تعثرت عمليات الاستيراد والتصدير لبضائعنا عبر هذا الميناء، ونأمل أن يتحسن الوضع بعد انتهاء الحرب.
لذلك فإن الشراكة مع سلطنة عمان في هذا القطاع تمثل أهم فرص التعاون الثنائي بين البلدين، وستسعى الشركات الأوزبكية إلى الاستفادة من التسهيلات والحوافز التي تقدمها حكومة سلطنة عمان في الموانئ والمناطق الحرة، وفي هذا السياق فمن المتوقع، الإعلان قريبًا عن إنشاء شركة مشتركة بين عُمان وأوزبكستان في المنطقة الحرة بصحار، تعمل في مجال الخدمات اللوجستية.
في المقابل، تقع أوزبكستان في قلب آسيا الوسطى، وهو ما يتيح للمستثمرين الاستفادة من موقعها لتسويق المنتجات التي يصنعونها أو يصدرونها، وكذلك توزيعها ونقلها بالعبور إلى دول أخرى، مثل طاجيكستان وكازاخستان وقرغيزستان وتركمانستان وأفغانستان. فموقعنا الجغرافي مناسب للوصول إلى أسواق المنطقة والدول الأخرى.
وخلال العام الجاري، وقع البلَدان على اتفاقية استثمارية، في قطاع النقل اللوجستي، حيث اشترت مجموعة أسياد العمانية حصة كبيرة في مركزين ومنصتين لوجستيتين رئيسيتين في أوزبكستان وهما من الموانئ البرية الأوزبكية الاستراتيجية، وبهذا فإن التعاون الثنائي بين البلدين في هذا القطاع، متجه للتوسع والنمو.
أشرتم سعادتكم إلى التسهيلات المقدمة للمستثمرين الأوزبك في سلطنة عُمان. فماذا عن التسهيلات التي تمنح للمستثمرين العمانيين الراغبين في دخول السوق الأوزبكي؟ وهل الفرص متاحة لأصحاب المشروعات الصغيرة والكبيرة على حد سواء؟
نعم، لدينا قانون للاستثمار الأجنبي، وهناك اتفاقيات موقعة بين أوزبكستان وعُمان تتعلق بالاستثمار والضرائب. وتقدم الحكومة الأوزبكية تسهيلات للمستثمرين، وخاصة في المناطق الحرة الموجودة في مختلف محافظات أوزبكستان. بحيث تحصل الشركات الأجنبية الراغبة في إنشاء مصانع أو معامل في هذه المناطق على إعفاءات من ضرائب الأراضي والأرباح، إلى جانب امتيازات أخرى تقدمها الحكومة.
إن المناخ الاستثماري الذي توفره أوزبكستان استطاع استقطاب العديد من الاستثمارات ورؤوس الأموال الأجنبية، حيث ارتفع حجم الاستثمارات المستقطبة من 3 مليارات دولار في 2017 إلى 43 مليار دولار في 2026، وهو ما يعني نموا بأكثر من عشرة أضعاف.
ما تقييم سعادتكم لمستوى التعاون الثقافي والعلمي بين البلدين الصديقين؟
لا يدرك الكثيرون أن العمانيين والأوزبك يرتبطون بروابط تاريخية وثقافية قديمة تمتد حتى العصور الإسلامية الأولى، فقد زار عُمان المؤرخ والدبلوماسي والعالم الإسلامي عبد الرزاق السمرقندي، الذي أوفده حاكم هرات، التي كانت في ذلك الوقت خاضعة لحكم الدولة التيمورية، في مهمة دبلوماسية إلى الهند.
حيث غادر هــــرات في شهر يناير، ووصل إلى عُمان في شــهر مايو عام 1442م. وأثناء رحلته إلى الهند، واجهت السفينة التي كان يستقلها بعض المشكلات، ولذلك أمضى أربعة أشهر في عُمان خلال فصل الصيف.
وقد كتب عن شدة حرارة الصيف في عُمان، كما تضمن كتابه «مطلع السعدين ومجمع البحرين» معلومات عن عُمان، استفاد منها لاحقًا عدد من الرحالة خلال رحلاتهم إلى عمان.
كما يجمعنا أيضا القائد العماني المهلب بن أبي صفرة؛ الذي كان واليًا على خراسان في عصر الدولة الأموية، والطبيب العماني الصحاري ابن الذهبي الذي كان تلميذًا لابن سيناء في بخارى.
فنحن مرتبطون تاريخيًا، ونسعى دائما إلى الارتقاء بالعلاقات الثنائية وتعزيزها باستمرار.
ففي السنوات الأخيرة شهدت العلاقات الثقافية بين البلدين الصديقين تطورًا متسارعًا. وتمثل مكتبة معهد البيروني في طشقند، التي أُنشئت بدعم من سلطنة عُمان، رمزًا للصداقة بين بلدينا وللتقدم العلمي المشترك.
كما أكمل هذا العام أكثر من 40 معلما وطالبا أوزبكيا برامج تدريبية في مركز السلطان قابوس، وشارك دبلوماسيون أوزبك شباب في دورات تدريبية ناجحة أُقيمت في مسقط، كما حضر دبلوماسيون عمانيون دورات في طشقند.
وخلال الفترة المقبلة، سننظم في سلطنة عُمان أياما ثقافية، ومعارض، وعروضا فلكلورية، ومعارض سياحية.
ومن شأن توسيع التبادل الثقافي والتعليمي أن يعزز التواصل بين الشعبين، ويؤسس لقاعدة راسخة لعلاقات ثنائية مستدامة.
كما أعتبر أن من أهم المجالات التي ينبغي التركيز عليها تعزيز الروابط بين أجيالنا القادمة، وتهيئة أساس متين لبناء علاقات الصداقة والتواصل فيما بينهم.
وانطلاقًا من هذا التوجه، فقد تم في أبريل 2025 تنظيم زيارة عشرة طلبة من المدرسة الخاصة «Nova School» في طشقند إلى المدرسة الخاصة «My School» في مسقط، وذلك في إطار برنامج للتبادل الثقافي.
وعلى مدى أسبوع كامل، تعرف الطلاب الأوزبك عن قرب على نظام التعليم في سلطنة عُمان، وشاركوا في فعاليات ثقافية مشتركة.
كما زاروا المعالم التاريخية والمتاحف في مدينتي مسقط ونزوى.
وكان من أجمل ثمار هذه الزيارة أن تمكّن الأطفال الأوزبكيون من بناء علاقات ودية مع أقرانهم العُمانيين. فالصداقة التي تنشأ في سنّ مبكرة غالبًا ما تكون أكثر صدقًا ونقاءً، وقد تتحول إلى صداقة حقيقية تستمر لسنوات طويلة.
هل تودون سعادتكم قول كلمة أخيرة حول مستقبل العلاقات العمانية الأوزبكية نختم بها هذا الحوار المثري؟
إن تعزيز شراكتنا يتطلب جهودا منسقة على مختلف المستويات، وذلك من خلال تحفيز الاستثمارات المشتركة بين البلدين الصديقين، وتنظيم فعاليات ومنتديات دورية لرجال الأعمال وأيضا تنفيذ برامج بحثية مشتركة وتوسيع التعاون الثقافي.
وهو ما سيمكّن بلدينا من استثمار فرص جديدة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتعزيز التعاون القائم على المنفعة المتبادلة، والارتقاء بالعلاقات الأوزبكية العمانية إلى مرحلة جديدة من الشراكة.