عُمان وخيارات السلام
السبت / 28 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 21:43 - السبت 10 أكتوبر 2026 21:43
عُمان دولة صادقة مع نفسها حين تختار السلام، وصادقة مع غيرها حين تدعو إليه. ووراء هذا الموقف المبدئي خبرة طويلة بمعنى أن تدخل الحرب تفاصيل حياة الناس اليومية حينها يرحل الأبناء إلى غير رجعة ولغير سبب أو مبدأ مقنع دائما، أما من يبقون على قيد الحياة فإن حياتهم تتوقف فلا تعليم ولا صحة ولا عمل ولا أفق لأي مستقبل. من يعرف هذه الكلفة أو جربها لا يتعامل مع الحرب على أنها ردة فعل أو ثارات قبلية، إنه يدرك ما فيها من انقطاع لحياة البشر وتأجيل لما يحتاجون إليه كي يعيشون بكرامة وأمان.
تنطلق دعوة عُمان إلى الحوار بين الفرقاء من معرفة بطبيعة المنطقة وحساباتها، فهي تقع قرب ممرات حيوية، وتربطها بدول العالم علاقات تتيح لها التواصل مع أطراف مختلفة، حتى حين تتعثر قنوات الاتصال. وهذا الموقع يضع على عاتقها مسؤولية دقيقة؛ إذ يتطلب الحفاظ على ثقة هذه الأطراف صبرا وحسن تقدير. وتظهر قيمة هذا الجهد في تجنب التصعيد وتهيئة الطريق أمام الحلول.
غير أن السياسة الخارجية لا تتحرك في فراغ، فهدوء عُمان في الخارج يستند إلى قدر من الثقة داخلها وإلى صلة تجمع المواطن بالدولة على أساس المواطنة. وما يلفت في المجتمع العُماني هو أن هذا الانتماء الوطني يتقدم على الهويات الفرعية، وأن التنوع لا يتحول في حياة الناس إلى حواجز تفصلهم. لا يعني ذلك أن المجتمع بلا خلافات أو تحديات؛ فهذه من طبائع الحياة العامة، لكن معناه أن الخلاف يبقى قابلا للنقاش داخل إطار أوسع من الخصومة والانقسام.
وتظهر صلابة المجتمع في الطريقة التي يدير بها اختلافه، وفي شعور أفراده بأن لهم مكانا في وطنهم وصوتا في قضاياه، وحين تنشأ هذه الثقة يصبح النقاش جزءا من حيوية المجتمع وقدرته على فهم ما يتغير حوله. ومن هذا المعنى يستمد الاستقرار العُماني قيمته السياسية؛ فهو رصيد يحمي تماسك الداخل، ويمنح مواقف البلاد في الخارج صدقية أكبر.
رغم ذلك فإن المجتمعات مهما كانت قوية وصلبة إلا أنها جزء من هذا العالم وفي مرمى تأثيراته وتحولاته وتمر بأحداث استثنائية وتفتح بعض الأسئلة ومساحات للحوار والمراجعة. لكن الاستثناء يبقى في سياقه الضيق ولا يمكن أن يتحول إلى وصف شامل للمجتمع، كما لا ينبغي أن يُعزل عن ظروفه وعن التحولات التي تجري في العالم. إن كثيرًا من الأحداث التي تجري في مجتمعنا تستحق قراءة متأنية بعيدا عن عجلة وسائل التواصل الاجتماعي ورخاوة طرحها. ومن المهم هنا أن نقول إن قوة وتماسك المجتمع في عُمان تتجلى في القدرة على مواجهة التحديات دون أن تفقد الجماعة/ المجتمع ثقته بنفسه وبتاريخه وبقيادته.
وهذا التماسك رصيد سياسي أيضا، فكلما شعر المواطن بأن له مكانا في وطنه ازدادت قدرة الدولة على صون استقرارها والتحرك في محيطها بثبات. وكلما حافظت عُمان على علاقاتها مع العالم، واتسعت مساحة الحوار داخل المجتمع، اكتسب موقفها الداعي إلى خفض التصعيد صدقية إضافية.
عرفت عُمان ما تخلّفه الحروب في حياة الناس، من خسائر تمتد آثارها إلى أجيال، لذلك يأتي تمسكها بالحوار من إدراك أن القرار السياسي يمسّ حياة المجتمعات ومستقبلها. ويجد هذا النهج ما يسنده في الداخل، حيث تمنح المواطنة أبناء عُمان إطارا جامعا، ويتيح الاستقرار لهم أن يناقشوا قضاياهم بقدر من الثقة. بذلك تتصل مصداقية الموقف العُماني في الخارج بصلابة الحياة المشتركة في الداخل.