أفكار وآراء

هل يمكن أن تنتهي عزلة إسرائيل؟

ترجمة: أحمد شافعي

تزداد عزلة إسرائيل عمقا. في الأشهر الأخيرة قالت لوكسمبورج -وهي مركز إصدار سندات إسرائيل في أوروبا-: إنها سوف تتوقف عن إقرار بيعها. وأعلنت بريطانيا حظرا على استيراد السلع المصنعة في مستوطنات الضفة الغربية، وأعلنت عن عقوبات على كل من يمولها أو يربح منها. وانضمت إليها في ذلك كندا وفرنسا، وعبرت تسع بلدان أوروبية عن تأييدها لهذه الخطوة، وللمرة الأولى تقبلت دول مجموعة السبع فكرة معاقبة الإسرائيليين.

ويرجو الكثيرون من الإسرائيليين وأنصار إسرائيل في العالم أن تؤدي الانتخابات المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر إلى حكومة جديدة، وأن تبطئ الانزلاق إلى المزيد من العزلة.

وبوسع قيادة جديدة أن تخفف عزلة إسرائيل بشكل مؤقت، لكن هل من الممكن حدوث تغيير أعمق؟ يتوقف هذا على ما تفعله الحكومة التالية حيال تصعيد عنف المستوطنين، والضم الفعلي للضفة الغربية، والأزمة الإنسانية في غزة. بناء على حملاتهم لم يبد أي من المرشحين الساعين إلى الحلول محل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استعدادا لإجراء تغييرات تتجاوز محض الرجوع إلى سياسة إدارة الصراع. والإبقاء على الوضع القائم يزيد إمكانية أن تواجه إسرائيل نفسها العقوبات، وليس المستوطنات فقط.

يرجع الساسة الإسرائيليون العقوبات إلى تدخل أوروبي في الانتخابات، وإلى تصاعد معاداة السامية وحملات التأثير ذات التمويل الجيد التي تردد أنها تستهدف تقويض البلد. ومن المؤكد أن هذا قد يكون صحيحا، لكنه ليس سوى جزء من القصة.

على مدار عقود تعاملت إسرائيل رسميا مع احتلال الأراضي الفلسطينية بوصفه وضعا مؤقتا سوف يحل في نهاية المطاف من خلال المفاوضات، وحاولت جاهدة أن تتفاوض في أوسلو وفي كامب ديفيد وفي أنابوليس، وظلت العملية تفشل المرة تلو الأخرى. والإسرائيليون والفلسطينيون كلاهما مسؤولون عن هذه الإخفاقات بتأجيلهم مسألة كيفية تقاسم الأرض.

والمجتمع الدولي في الغالب أقام موقفه على الفرضية نفسها، وهي الفرضية القائلة أنه برغم عدم شرعية المستوطنات فإن الاحتلال نفسه مقبول طالما اعتبر مؤقتا. وكانت الإدانات المعهودة كافية.

لكن بعد الحرب في غزة، وفور أن توقفت إسرائيل عن معاملة وضع الضفة الغربية باعتباره قابلا للتفاوض، توقفت أوروبا عن معاملة موقفها هي الأخرى باعتباره قابلا للتفاوض.

وبدا أن قرارا متعلقا بأرض تقع شرق القدس وتعرف بـ E1 هو النقطة الحاسمة؛ فعلى مدار سنين كان يجتنب إقامة أي مستوطنة في هذه المنطقة؛ لكي لا تقطع الضفة الغربية إلى قسمين، وتحول دون وجود كيان فلسطيني متصل. في الماضي كانت تجري مناقشة مستوطنات هذه المنطقة، والتخطيط لها، والتهديد بإقامتها، وإرجائها، ولم يجر بناؤها قط. وفي أغسطس تقدمت حكومة نتنياهو خطوة بخطط للبناء هناك.

وقال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش علنا: إن القصد من هذه الخطط هو دفن فكرة الدولة الفلسطينية.

جاءت هذه الخطوة بعد زيادة هائلة في بناء المستوطنات والبؤر غير الشرعية في الضفة الغربية، وجاءت مع قيام إرهابيين يهود يحظون بحصانة من الحكومة بتصعيد وتيرة وضراوة الهجمات على الفلسطينيين الأبرياء المقيمين في الضفة الغربية، وبعد أن تحدث وزراء الحكومة صراحة عما يرقى إلى تطهير عرقي. وأرغمت خطوة منطقة E1 كثيرا من الحكومات الغربية على الكف عن التظاهر.

أوضحت بريطانيا أن حظرها لا يستهدف إسرائيل لكن المستوطنات، لكن أثره سوف يمتد إلى قطاع الأعمال في إسرائيل نفسها؛ لأن البنوك وشركات المقاولات والشحن لا تفرق بين الأراضي. والأخطر على إسرائيل أن إجراءات جديدة يمكن أن تستهدف إسرائيل كلها. فالعقوبات نادرا ما تبقى محدودة، والضغط ينزع إلى توسيعها لا إلى رفعها.

وفي ضوء التهديدات بتعليق الامتيازات التجارية المخولة لإسرائيل بأكملها، وضغط حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات لم يعد هذا الخطر محض افتراض.

في الوقت نفسه تنجرف واشنطن. لم تأمر إدارة ترامب إسرائيل بإيقاف خطوة منطقة E1، لكن يتردد أنها لم تضغط على بريطانيا للتراجع أيضا. ودعم إسرائيل يتضاءل في الكونجرس؛ فالديمقراطيون الراسخون في الولاء لإسرائيل يرفضون دعم مبيعات الأسلحة لإسرائيل بسبب خوفهم من عدم استعمالها بما يتوافق مع القانون الأمريكي والدولي، أو هم يطرحون إجراءات لفرض عقوبات على النشاط الاستيطاني.

وفي أوساط الجمهوريين بدأ جناح شعبوي في كسر دعم الحزب التلقائي المستمر منذ عقود لإسرائيل، وهو يدعو إلى قطع المساعدات لها أو فرض شروط عليها.

ويتزايد إحساس الإسرائيليين والمدافعين عنهم بالقلق من هذه التطورات، لكن أغلبهم لا يزالون يتعاملون مع التهديدات وكأنها شيء يمكن تجاوزه بدلا من منعها. وهم يدعون إلى تغيير الحكومة ثم التأهب: بإقامة مصدات مالية، وتعميق التكامل مع الولايات المتحدة في الأنظمة الدفاعية والمالية واتباع خطط طوارئ مماثلة للتي تتبعها إسرائيل مع التهديدات العسكرية. وهذه الإجراءات مهمة في ذاتها، لكنها لن تكون كافية.

لقد تبنى الإسرائيليون الروح الإسبرطية روح التحدي والاكتفاء الذاتي، لكن الحقائق لا تُنكر. وإسرائيل بحاجة إلى العالم أكثر مما تود الاعتراف به؛ فهي تعتمد على حلفائها في توفير الغطاء الدبلوماسي، والأسلحة، والتجارة، والتكنولوجيا، والشراكات البحثية التي تديم بقاء اقتصادها وأمنها.

وعند إسرائيل الكثير مما يمكن أن تقدمه لشركائها أيضا؛ فبالنسبة لأوروبا المهددة من روسيا والمضطرة لتقليص اعتمادها الاستراتيجي على الولايات المتحدة في مجالي الدفاع والتكنولوجيا، تستطيع إسرائيل بما لها من وضع أن تسهم في سد هذه الفجوة. وبالنسبة لواشنطن الساعية إلى تقليص وجودها في الشرق الأوسط، تظل إسرائيل شريكها الأكفأ والأكثر استعدادا (عندما تكبح جماح نزعتها لإشعال الفتن الإقليمية). وفي ظل الضغط الذي تمارسه إيران وحلفاؤها يتبين من تقارير تبادل المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية بشأن التهديد الحوثي مدى أهمية إسرائيل.

ولعل هذه القيمة هي السبب في أن الحظر في الوقت الراهن يستهدف المستوطنات فقط، وليس إسرائيل كلها. ولهذا السبب إذا تبنت حكومة جديدة نهجا جديدا، لا محض خطاب جديد؛ فمن المفترض أن يسهم ذلك في تعزيز مكانة إسرائيل. وسوف يتطلب هذا من أبرز منافسي نتنياهو اتباع أجندة مختلفة تماما عن التي يتبنونها حاليا. من هؤلاء المنافسين، يقترح أفيجدور ليبرمان حل السلطة الفلسطينية، وإلغاء اتفاقيات أوسلو، وتسليم إدارة شؤون الفلسطينيين اليومية في الضفة الغربية إلى الأردن مع احتفاظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية الشاملة.

أما نفتالي بينيت المرشح بالاشتراك مع يائير لابيد فإنه يدعو إسرائيل إلى ضم أجزاء من الضفة الغربية، ومنح الباقي للفلسطينيين على سبيل «الحكم الذاتي» لا على سبيل السيادة.

وفي حوار هذا الأسبوع قدم غادي إيزنكوت خطة متواضعة لإدارة أفضل للصراع، وتخفيف الضغط على الفلسطينيين، لكنه استبعد الدولة الفلسطينية. وفي حين أن الشعارات الانتخابية تعكس في الغالب ما يعتقد المرشحون بأنه سيكسب الأصوات الآن أكثر مما تعكس ما سيفعله أي منهم لو أنه في السلطة. لكن لا شيء في تصريحاتهم، ولا في سجلهم في الحكومات السابقة، ولا في افتراضاتهم الساذجة بإمكانية إصلاح الضرر الدبلوماسي، ما يمنح سببا وجيها لتوقع تغيير جوهري عن خطاباتهم الانتخابية.

ولن يكون التغيير سهلا؛ فتغيير مسار مستمر منذ خمسة عقود في ظل توجه شعبي إلى اليمين ومؤسسة أمنية متورطة بشكل متزايد في مشروع الاستيطان يمثل مهمة شاقة. فكبح عنف المستوطنين وحده، وما هو بالقضية السياسية المعقدة، يتطلب أكثر من محض اعتقالات دورية للعناصر الفاسدة؛ فهو يستوجب سحب كتائب الاحتياط المثقلة بالمستوطنين من مهامها في الضفة الغربية، وإيقاف التمويل والأراضي التي تدعم البؤر الاستيطانية غير القانونية. ويستوجب أيضا حكومة إسرائيلية مستعدة للتعامل مع عنف المستوطنين باعتباره فشلا في الحكم، لا محض مشكلة علاقات عامة.

والتاريخ يمنحنا بعض أسباب التفاؤل؛ ففي أواخر سبعينيات القرن الماضي صار مناحيم بيجن، وهو من كبار المتشددين في حزب الليكود أول زعيم إسرائيلي يقيم سلاما مع دولة عربية؛ حيث أعاد سيناء إلى مصر لتحقيق ذلك، وكان إسحاق رابين جنرالا متشددا يسعى إلى السلام عندما اغتيل، وصمم أرييل شارون مشروع الاستيطان قبل أن يقوم بإخلاء المستوطنات وسحب إسرائيل من غزة.

خالف كل منهم حدسه وقواعده الشعبية عندما رأى أن ثمن عدم القيام بذلك أكبر. وهذا هو الخيار المتاح الآن. حكومة تكبح عنف المستوطنين، وتجمد ضم الأراضي، وتعيد فتح أفق لسيادة فلسطينية، فقد تبدأ استعادة الكثير من المكانة والأسواق والتحالفات التي أضاعتها إسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية.

لعقود طويلة تصرفت إسرائيل كما لو أنها الأم في رواية ديفيد جروسمان «حتى نهاية الأرض»، فتلك الشخصية تجوب الجليل هربا من خبر يبلغها بوفاة ابنها المحتملة، وكأن عدم الاستماع إلى الخبر يحول دون وقوعه.

لكن مهما بلغ بإسرائيل المشي والتجوال فلن تزول المسألة الفلسطينية. ولقد سعت الحكومة الحالية إلى تسوية الأمر نهائيا بطمس فكرة المسألة الفلسطينية إلى الأبد.

لكن هذه الحكومة قد تكون الحكومة التي نبشت القضية، وحولتها إلى قضية داخلية في دول العالم، ولم تترك للحكومة القادمة خيارا سوى التعامل معها في نهاية المطاف.

شيرا إفرون هي رئيسة قسم السياسات الإسرائيلية في مؤسسة راند وزميلة بارزة لها

الترجمة عن نيويورك تايمز