ثقافة

أسطورة "الشهد والدموع"!

 

(1)
ما زلت على قناعتي بأن 'رواية الأجيال' التي ازدهرت ونمت وشهقت بإبداعها على يد نجيب محفوظ في أواسط القرن الماضي (راجع حلقات مرفأ قراءة الأسابيع الماضية) قد انتقلت إلى الدراما التلفزيونية على يد الراحل الكبير أسامة أنور عكاشة؛ وقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن بواكير أعماله وعن تلمسه طريق البدايات والريادة؛ خلال الفترة من مطالع سبعينيات القرن الماضي وحتى نهايتها (1971-1979).
كان العمل الأول البازغ 'البروفة العظيمة' لكتابة دراما أجيال تلفزيونية (مكثفة) في المسلسل ذائع الصيت 'الشهد والدموع' الذي كتبه أسامة أنور عكاشة وعرض الجزء الأول في عام 1983 في ست عشرة حلقة، ثم عرض الجزء الثاني في عام 1985 في عشرين حلقة.
كان ظهور هذا المسلسل إعلانا مدويا على ميلاد كاتب للدراما التلفزيونية ليس له نظير، وكانت إعلانا كذلك عن مولد هذا الجنس الفني الإبداعي، وانتقاله من الوسيط المقروء فقط (رواية الأجيال) إلى الوسيط المرئي (المسلسل التلفزيوني).
الصلة أو العلاقة بين الكاتبين أوضح وأبرز من أن تخفي أو لا يلحظها ملاحظ أو مدقق؛ فأسامة أنور عكاشة يعد تلميذا نجيبا لنجيب محفوظ في مجال الكتابة التلفزيونية، وقد استلهم عنوان مسلسله 'الشهد والدموع' من جملة في افتتاحية رواية 'ميرامار' التي كتبها نجيب محفوظ ونشرت في عام 1967، يقول محفوظ في عبارته 'قلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع'.
استقى أسامة أنور عكاشة مجازية التعبير واتخذه لافتة عريضة أو عنوانا لافتا لمسلسله الذي تدور أحداثه خلال الفترة من نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 وحتى نصر أكتوبر المجيد في 1973.
(2)
يؤطر الناقد الفني القدير محمود عبد الشكور السياق التاريخي والفني للمسلسل الذي عرض مع مطالع الثمانينيات بقوله: 'عندما عرض الجزء الأول من مسلسل 'الشهد والدموع' في عام 1983 من كتابة أسامة أنور عكاشة، ومن إخراج إسماعيل عبد الحافظ، وفي ست عشرة حلقة فقط، حقق نجاحا ساحقا نقديا وجماهيريا، وعندما عرض الجزء الثاني في عشرين حلقة فقط في عام (1985)، لم يعد هناك شك في أننا أمام عمل كبير يؤرخ به في عالم الدراما التلفزيونية، ودخل مؤلف العمل والمخرج فئة أخرى أتاحت لهما أن يقدما عملهما المشترك الأشهر فيما بعد 'ليالي الحلمية' بأجزائه الخمسة'.
يلتفت هنا محمود عبد الشكور وبذكاء شديد إلى الصلة الوثيقة أو العلاقة الملتحمة بين العملين الأشهر في مجال الدراما التلفزيونية ذات الأجزاء التي أسميتها 'دراما الأجيال' على غرار 'رواية الأجيال' باتساع نطاقها الزمني، وامتداد أحداثها بين أجيال عدة، وتعدد الشخوص وتنوعها وتعقد الصراع وتشعب مساراته.. إلخ.
يرى عبد الشكور أن 'الشهد والدموع' -بجزأيها- لم تكن أبدًا بعيدة عن 'ليالي الحلمية' بأجزائها الخمسة (المسافة الزمنية بين عرض آخر حلقة في الجزء الثاني من 'الشهد والدموع'، والحلقة الأولى من ليالي الحلمية كانت فقط سنتين!)؛ لأنه، وفي حقيقة الأمر، فإن العملين كانا معا شهادة الدراما الأمينة والصادقة على التغيرات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية المصرية (ويمكن القول بكثير من
الاطمئنان العربية أيضًا) على مدار ما يزيد على نصف القرن، وذلك من خلال علاقات وتفاصيل اجتماعية وعائلية وأسرية، وهو ما حققه عكاشة على نطاق أكثر اتساعًا في ملحمته الخالدة 'ليالي الحلمية'..
(3)
يكشف لنا الناقد القدير بعض التفاصيل المثيرة عن كواليس كتابة وعرض 'الشهد والدموع'؛ ويخبرنا بأنه بحسب مصادر كثيرة، لم يكن مقررا أن يكون المسلسل في جزأين، ولكنه كتب كمسلسل متصل يعرض لمرة واحدة وفقط، ولكن مشكلات إنتاجية جعلت صناع المسلسل يكتفون بعرض ما تم تصويره في صورة جزء أول عُرض في 1983.
كان النجاح الذي حققه هذا الجزء يفوق التخيل أو الوصف أو التقدير! وربما لو لم يحقق هذا الجزء النجاح الساحق الكاسح، لتعثر تنفيذ بقية الحلقات!
ويستدل عبد الشكور على فكرة أن المسلسل من البداية كان مقررًا له أن يكون مسلسلا طويلا متصلا وفي جزء واحد فقط؛ هو أن أسامة أنور عكاشة قد قرَّر -منذ البداية- أن يجعل من حكاية الصراع بين الأخوين حافظ وشوقي 'شهادته الدرامية' على تغيرات مصر والعرب في القرن العشرين، وهي الشهادة التي قدمها من قبل في أعماله، ولكن في صورة تغيرات جيله مثل زمن الانفتاح، وسيطرة المادة على القيم..
بينما أتاحت حكاية ولدي الحاج 'رضوان الحلواني'، واللذان يحملان اسمي أكبر شاعرين عربيين عرفتهما الثقافة العربية في الثلث الأول من القرن العشرين، أن ينطلق عكاشة بسلاسة عبر سنوات طويلة، وفي أبعاد زمنية أعمق، وأن يتعامل مع عدة أجيال، كما فعل نجيب محفوظ بالضبط في عمله الأكبر (الثلاثية).
الصراع بين حافظ وشوقي، وبين زينب ودولت، وهما شخصيتان من أقوي النماذج النسائية في أعمال عكاشة، يبدأ من خلال شخصية وأخلاقيات كل طرف، ولكننا سرعان ما نكتشف في النهاية أنه يعبر بالأساس عن نوعين من المصريين: أهل البلد الذين لم تهزمهم التغيرات، والذين تمسكوا بقيم الطبقة الوسطي، وأهل الفهلوة والجشع، الذين صعدوا بانتهاز الفرص، وساهمت التغيرات الاقتصادية في صعودهم، وينحاز عكاشة بالطبع إلى أسرة شوقي، وإن كان يبتعد تمامًا عن التنميط، فيقدم أولاده كبشر، بل إن أحد أبنائه يتحول إلى شخصية حاقدة مؤذية وشريرة، كما يدين عكاشة ما فعلته زينب بنشر الكراهية وصولًا إلى الانتقام.
وفي المقابل، يدفع حافظ ثمن ما فعل، ويفقد كل شيء، ويكتشف حقيقة سراب الجشع المادي، ويكتشف أيضا مغزى عبارات جعفر (والد زينب)، بأن 'كل حاجة.. منه له'، عكاشة ليس ضد المال في حد ذاته، ولكنه ضد أن تفقد نفسك في جمعه، هو مهتم باكتشاف وتحليل ما يتنازل عنه الناس، بسبب حلم الثراء السريع، وتسليم حافظ بعبثية ما فعله، هو تسليم بأمر واقع، وبهزيمة ساحقة، وبانتصار لشقيقه شوقي بعد وفاته، وهي نهاية أخلاقية تماما.
(4)
وأخيرًا، فقد كان من عوامل النجاح الكبير والساحق للمسلسل اختيارات الممثلين الذين أصبحت أدوارهم في المسلسل، هي شهادة ميلاد نجوميتهم مع التمثيل والأداء التشخيصي؛ ومن منا ينسى دور يوسف شعبان أو عفاف شعيب أو القديرة نوال أبو الفتوح، أو محمود الجندي.. إلخ.
كل الفنانين -من كل الأجيال- لعبوا أدوارًا لا تُنسى، وارتبطت الشخصيات بهم حتى يوم الناس هذا، حتى عندما توفي الفنان القدير أحمد الجزيري، لعب دوره القدير أيضًا الفنان عبد المنعم إبراهيم، و'جعفر' هذا الذي لعبه الممثلان هو صوت 'ضمير' المسلسل، وحامل القيم التي يؤدي انتهاكها إلى تفكيك الأسرة، وانتقال الصراع إلى الجيل التالي..
ولأن 'جعفر' لا يستطيع أن يتعايش مع انقلابات المجتمع، فقد أصبح منفردا متوحدا معتزلا في عالمه الخاص، وإن لم يتوقف أبدًا عن نصح ابنته زينب، وجد المصريون، والمشاهدون العرب في كل مكان، وجدوا في الشخصيات الحية نماذج إنسانية مصرية، وجدوا الواقع أمامهم بكل تفاصيله وتحولاته، وأدركوا أن 'الشهد والدموع' (العبارة التي نوهنا في صدارة هذا المقال بأن أسامة أنور عكاشة قد استلهمها من السطور الأولى لرواية 'ميرامار' لمحفوظ على لسان عامر وجدي) ، هو بيد الإنسان كفرد وكجماعة: القيمة التي يلخصها الناقد القدير عبد الشكور بقوله: 'اختياراتك تحدد ما تحصده نعيمًا أو ألما، والحياة اختبار دائم، ومأساة أولاد رضوان ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، فمن تختار أن تكون: حافظ أم شوقي؟'..