رواد "الحرب الكلامية" في الأزمات..هل صنعوا فارقا !
الجمعة / 27 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 19:04 - الجمعة 9 أكتوبر 2026 19:04
على مدى التاريخ، كانت الحروب واحدة من المنعطفات الخطيرة التي تشكلت أحداثها في ذاكرة التاريخ الإنساني والوجداني في حياة الشعوب، وأمام نيران البنادق، وأصوات الصواريخ والقنابل على رؤوس الأبرياء، سعت بعض الدول إلى حيلة أخرى، لوقف الانهيار النفسي والعسكري، معتمدة على نوع آخر من المواجهة، وهو ما يعرف بـ 'الحرب النفسية والإعلامية'، خاصة عندما يحتدم القتال وتتسارع الخطى نحو البحث عن هدنة أو مخرج يخفف من الضغط الذي تتعرض له الجيوش في الميدان، والمدنيين في مدنهم وقراهم.
وقت النزاعات المسلحة، يصبح المتلقي في حالة انتظار لمعرفة ما يدور في الميدان، لذلك تسعى بعض الدول إلى السيطرة على العقول 'المنتظرة'، وتوجيه الرأي العام الذي لا يقل أهمية عن السيطرة على الأرض.
فكل كلمة محسوبة، وكل حرف ينطق وقت الحرب يتحول إلى سلاح استراتيجي له أهميته في تحقيق بعض المكاسب السياسية والعسكرية المحددة سلفًا بعناية فائقة.
وعبر التاريخ، هناك شخصيات برزت قديمًا وحديثًا، شغلت أذهان الناس بتصريحاتها المتتالية، والنماذج التي سنذكرها ليس من أبواب السخرية بقدر ما هو توصيف لحدث ما أحدث جدلًا كبيرًا وحالة من التباين في الآراء.
ومن بين الشخصيات التي لا تنسى، الأمين العام الثامن للأمم المتحدة 'بان كي-مون'، الذي تولى منصبه بين عامي 2007 و2016، والذي يعتبر من الشخصيات المحورية والأكثر ارتباطًا بحديث الناس، لدرجة أن البعض كان يطلق عليه مجازًا 'أمين عام القلق'.
فقد دأب بان كي-مون طوال فترة ولايته التي استمرت 10 سنوات على استخدام عبارة 'يعرب عن قلق بالغ' أو 'قلق عميق' في معظم بياناته وتصريحاته المتعلقة بالأزمات والحروب حول العالم.
وعلى الضفة الأخرى، تجلت شخصية أخرى، بأسلوبها وخصوصيتها، فكان وزير الإعلام العراقي الأسبق، محمد سعيد الصحاف، أحد أبرز الشخصيات العربية التي لمع نجمها أثناء الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، حيث كان الصحاف يمثل تجربة فريدة من نوعها في التصريحات النارية تجاه الغزاة، وربما يعد النموذج الأبرز والأكثر شهرة في التاريخ السياسي المعاصر.
ومن لم يكن متابعًا لما كان يحدث في تلك الحقبة الزمنية، نعرفه بأن شخصية 'الصحاف' تحولت إلى ظاهرة إعلامية عالمية تجاوزت حدود الحرب العسكرية، فقد كان يجسد أسلوبه الفريد في فن إدارة الخطاب السياسي شيئًا مختلفًا عما كنا نسمعه في تلك الفترة الزمنية.
كما كانت المعلومات التي كان يدلي بها الصحاف تعد نوعًا من الحرب النفسية للطرف الآخر، ورد فعل تجاه المشاعر والمخاوف التي كانت تحيط بسكان العراق في تلك الفترة العصيبة، وربما كانت تصريحاته تثير اهتمام الناس لانتقائه مفرداته بعناية تامة، وهذا سر آخر جعل من كلمة 'العلوج'، على سبيل المثال، حاضرة في وجدان جيل كامل من الشباب ليس في العراق وحدها، وإنما في كثير من دول العالم.
وفي العصر الحديث، جاء نموذج آخر نعايشه في وقتنا الراهن، فالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي -الذي دخلت الحرب في بلاده عامها الخامس مع روسيا- واحد من الشخصيات الأكثر حديثًا، فزيلينسكي يداوم على إلقاء خطاباته اليومية عبر الفيديو لتوثيق صمود أوكرانيا، ورفع المعنويات للجنود في ساحة القتال، وأيضًا تهدئة السكان من المستقبل المظلم الذي يمكن أن تذهب به الحرب إذا طالت أكثر من ذلك.
فقد دأب الرئيس الأوكراني على أن يخاطب شعبه وقادة العالم منذ أن اشتعلت الحرب في الأشهر الأولى من 2022.
على الضفة الأخرى هناك نموذج أخير، ولا يفرق كثيرًا عن السابقين، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعد أحد أكثر الشخصيات السياسية إطلاقًا للتصريحات في التاريخ الحديث، سواء عبر المؤتمرات الصحفية اليومية، أو اللقاءات التلفزيونية، أو عبر حساباته على منصات التواصل الاجتماعي.
والشخصيات الآنف ذكرها وغيرها، لم تكن تصريحاتهم تلامس الجانب السياسي فقط، وإنما هناك مجالات كثيرة كالرياضة والفن والعلوم.
إذن 'الحروب الكلامية' عبر الزمن لها روادها الذين يخضعون إلى مراقبة لصيقة من الشعوب، وأثروا بكلماتهم الارتجالية، سواء كانت 'صدقًا أو تضليلًا'، في تشكيل قناعات جديدة، وربما كانت بمثابة 'مسكن ألم' لوقت مؤقت، لأن أغلب ما قيل من معلومات لم تكن دقيقة مائة في المائة، وأحيانًا غير صحيحة وليست موثقة بالبرهان، ولكن يكفي أنها كانت تعطي بارقة أمل نحو يوم جديد يتوقف فيه نزيف الدماء.