بريد القراء

في الوقت" بدل الضائع".. ماذا يتبقى من فرص ؟

 

'إنها العائلة، إما أن تصنع إنسانًا أو كومة عقد' ليف تولستوي.
لسنا في المستطيل الأخضر نتصارع على الاستحواذ على كرة واحدة بينما يزف الوقت سريعًا، أو ننتظر أن تأتي إحدى الفرص الذهبية التي تخرجنا من مأزق الخسارة.


أغلب مخاوفنا البشرية في الحياة تأتي من 'فقدان الوقت'، فالوقت ليس مجرد حالة مرتبطة بالأحداث، ولكن أحيانًا ترتبط بالمصير، خاصة عندما نعجز عن تعويض الخسائر بفقدان القدرة على العطاء أو العودة إلى حالة القوة بعد الضعف.


هكذا تبدو الصورة قاتمة لمن وصل إلى مرحلة متقدمة من العمر ولم يستطع أن يكون أسرة تعينه على ما تبقى من عمره في الحياة، الحزن وحده لا يكفي لغلق جراح لن تندمل أبدًا.


من المصائب التي لا يحسب لها الحسبان أن 'الوقت الذي ينقضي سريعًا دون إنجاز أي شيء يزعزع من صدورنا كل معاني الاستقرار النفسي والعاطفي'، كل هذا يحدث عندما نهتم بأشياء وننسى أشياء مهمة، ومنها 'نسيان الذات'، وتأجيل الواجبات والأساسيات لوقت بعيد، ثم نصل إلى مرحلة متأخرة نكتشف بأن العمر قد مضى ولم يتبقَّ أي أمل لتكوين 'أسرة'!.


يمضي قطار العمر، ومعه تضعف كل حواسنا، فنصبح أشخاصًا آخرين غير الذين كانوا منذ فترة، ومع تقدم العمر نقف عند قارعة الطريق في انتظار نظرة حانية من الغير لعلها تكون سببًا في البقاء لوقت أطول أمام رياح التغير.


أحد الذين سافر أبناؤه حدثني بأن البيت الذي كان يعج بالصراخ والحركة بعد وقت قصير أصبح لا يطاق الجلوس فيه، كل شيء 'صامت'، المكان خاليًا من أي حركة يستأنس بوجود أحد إلى جانبه.
تذكر حالة الانفعال التي كان يبديها لوقف إزعاجهم المتكرر، إلا أنه بعد خروجهم أصبح المكان 'موحشًا جدًا'، أصبح يتمنى عودتهم سريعًا، فكيف إذا كان الإنسان يعيش منفردًا بين جدران الغرف الخالية من الأرواح!.


لهذا دائمًا يقال: 'العائلة ليست مجرد محطة عابرة في طريق الناس، وإنما هي الموطن الذي تستقر فيه النفوس وتسعد بوجودها معهم.'


ولكن، لماذا أصبح تكوين العائلة أمرًا مهمًا في الحياة؟، ومتى نحس بأننا نفتقد الدفء الأسري؟.


ربما بعضنا وجد بيته خاليًا لا حياة فيه بعد رحيل أطفاله إلى مكان آخر -كما هو حال من ذكرنا سابقًا-، لمجرد وقت قصير شعر بالضجر والفراغ.
يسرد شخص آخر تجربته مع الفراغ الذي تركه أبناؤه بعد أن فقدهم في حادث سير مروع، قال: بعد رحيلهم بقيت أشياؤهم في مكانها: أسرتهم خاوية، وملابسهم تتوزع بين الأماكن، وأكواب الشاي تُركت على الطاولة، كل شيء أصبح صامتًا بغيابهم عن البيت، لا شيء يدعو إلى الحياة، لم أحس بوجع في حياتي كفقدان الأسرة!.


بالمقابل، تبنى بعض الأصدقاء فكرة عدم 'تكوين عائلة في وقت مبكر من حياتهم' لأمور تتعلق بالمسؤولية والارتباطات وغيرها، ولكن سرعان ما يتغير الأمر مع الوقت، فتبدأ فكرة الاستقرار والتعايش الأسري مع تقدم العمر.


لذا نقول: سيدرك يومًا من تقدم به العمر، بأن الوحدة والفراغ ربما يكونان أمرين يشعرانه بنوع من التعاسة، فالصمت الذي تألف معه لوقت طويل سيتغير لونه وطعمه ورائحته، فصمت الأماكن سيكون بمثابة 'موت بطيء' يتقص منه على تفويته الفرص الماضية.


بعض الأشخاص انتبه إلى نفسه متأخرًا، وكما يسمى في عالم الساحرة المستديرة 'الوقت بدل الضائع'، في هذا الوقت تشتد فيه الأعصاب، ويصاب كل من يعيش هذه النقطة برجفة القلوب والخوف من المجهول.
لذلك يحاول البعض أن يبحث عن أشياء تبعده عن 'العزلة'، وسيلة تنقله نحو ضفة أخرى غير التي كان يسكن فيها منذ زمن.


فكرة الزواج حتى وإن جاءت متأخرة فهي ليست خطأ بقدر ما هي تصويب لمسار يظل مفتوحًا رغم كل العقبات، قد تكون الخيارات المتاحة 'شحيحة'، لكنها تكفي بأن تصنع فارقًا في حياة الإنسان.
نحن كبشر علينا أن ندرك بأن لكل مرحلة عمرية ظروفها الخاصة، وأيضًا هناك أشخاص لديهم من الأعذار والمسببات التي تجعلنا لا نلقي اللوم عليهم، لكن تبقى العائلة جزءًا أصيلًا من حياة الإنسان على الأرض، فبدونها لن يشعر الشخص بأنه متآلف مع الحياة عندما يتقدم به العمر.


دائمًا الحقائق تكون صادمة، والمخاوف تزداد كلما كبر الإنسان في العمر، فكل شخص منا لديه ما يشغله عن الآخر، ولذلك قضى كثير من الناس حياتهم بمعزل عن شريك لحياته، وانتهى به الأمر وحيدًا.
نحن لا ننفر من فكرة التريث واختيار الأنسب، لكن علينا أن نوعي بأن الأسرة هي من تجلب لك أشياء لن تستطيع أن تأتي لوحدها خارج إطار العائلة، مع أنه ليست كل الأسر سعيدة، ولكن لكل منها شأن يغنيها عن الغير.