أعمدة

غالب الظن..

تتعلق المناقشة هنا بزوايا أو أضلع المثلث الثلاثة: الشك، الظن، اليقين، بالترتيب، والمناقشة لا تذهب إلى البعد الديني الذي -غالبا- ما يتضمن هذه الثلاثية في قضاياه المختلفة، ولكنها تذهب إلى حيث المناقشات الدائمة في هذه الزاوية إلى البعد الاجتماعي، وعلاقة الفرد بذاته، التي يعترك معها بصورة مستمرة،

وكأن الحياة ما ولدت إلا لأن يعيش الإنسان صراعا أبديا مع ذاته، في شكها وظنها ويقينها، كما تتعلق المسألة ذاتها بعلاقة الفرد بالآخرين من حوله الذين يشكلون دورا محوريا في هذه المسائل الثلاث، فهذا المعترك الدائم هو الذي يحول بين المرء وعقله، وبين المرء وقلبه، فما بين العقل والقلب سجال مستمر، حيث تلعب بينهما الذات الدور الأكبر، وإن حصل انتصار أحدهم على الآخر،

فذلك ما تسمح به الذات من قناعات، وبالتالي فانتصار العقل على القلب معناه الوصول إلى اليقين، وأما انتصار القلب على العقل؛ فمعناه غالب الظن، وهذا من منظور شخصي أو تقييم معرفي وفق ما يتيسر من رؤية لهذه الفكرة المطروحة.

ومع أهمية الشك باعتباره محددا مهما للمراجعة لكثير من أمور حياتنا اليومية، إلا أنه يبقى يراوح فعله بين اليقين، وغالب الظن، وهذا ما يعطي كلا الركنين أهمية بالغة، فالشك يطرح أسئلة جوهرية، والأجوبة عليها هي التي توصل إلى اليقين،

في كثير من الأحيان، مع أن غالب الظن كذلك لا يستغني عن طرح أسئلة مماثلة حتى تتأصل القناعة، وترتاح الأنفس، وتهدأ المشاعر، وتكون الأمور على صورة بينة لا تتحمل كثيرا من طرح الأسئلة بعد ذلك.

ولا يجب الاستسهال بمرحلة الظن، في مقابل اليقين، فكثيرا من اليقين ليس معناه معفي من التموضع في خانة الظن، ولذلك قيل: «رحم الله امرءًا من نفعه ظنه» ومعنى هذا فحتى في مرحلة اليقين يُطالب من الفرد أن يطرح الأسئلة الشكية، أو الظنية على أقل تقدير، فربما يخالط اليقين شيئا مما خفي ظاهره، فالأحكام لا تبنى كلها على الظاهر،

وهناك مقولة رائعة حديث شريف يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم نصه: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار» - انتهى النص - .

وليس هناك تناقض مخل ببنيان الثقة على كل يقين -إطلاقا- إنما هناك تحرز وتيقن بأن لا يوقع الإنسان نفسه في ظلم الآخر، أو يستحضر أمرا غير واقع، أو يظن بأخيه ظنا يخل بالعلاقة معه، ومما يروى عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: «لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملاً» - انتهى النص - فظنك هنا يقين؛ بأن هذا الإنسان لم يرد لي إلا شرا، بينما «أن تجد لها في الخير محملا» بالنسبة لك أن حدوث الشك، بناء على يقينك السابق، أي الصورة الذهنية المرتسمة عن هذا أو ذاك لممارسات سابقة،

ومع ذلك فلا يعذر الإنسان مهما بلغت درجة القرابة بالآخر؛ أن يضع مسافة بينه وبين هذا الآخر، حتى لا تستغل طيبته، أو سهوه، أو قلة خبرته، وتوظف التوظيف السيئ، فالحياة كما هو ديدنها تضم بين جوانبها الخيّرين والسيّئين، والخيرة والسيّئة؛ هي طبيعة بشرية موجودة عند كل إنسان؛ بلا استثناء، فليس هناك نقاوة بالمطلق، ولا سيئة بالمطلق،

وإنما هناك ترويض للأنفس، ويتفاوت هذا الترويض بين فرد وآخر بناء على البيئة التي يعيش فيها، فهناك بيئات هادئة فلا تحتاج حتى إلى تحقق اليقين؛ فضلا عن غالب الظن، وهناك بيئات مستنفرة تستهلك كل درجات التحقق من الشك، وغالب الظن، واليقين.

وما يشار إليه غالبا أن العلاقة مع الآخرين تحتاج إلى كثير من الثقة الغالبة على الظن، فالله سبحانه وتعالى يقول: (اجتنبوا كثيرا من الظن..) وتقييد هذه الثقة لا يتنافى مع هذا التوجيه الرباني العزيز، حتى تسود الكثير من المحبة بين الناس، ولا تكتسي الحياة بكثير من الشك، وعدم اليقين،

لأن في ذلك مهلكة للّحمة الاجتماعية في تقارباتها الكثيرة بين أفراد المجتمع الواحد، خاصة إذا كان المجتمع يلمس الفرد فيه الكثير من التصالح والتقارب، والتواد، بين أفراده.