بريد القراء

صراعات لا جدوى منها.. والأرقام تثبت

 

لا أخفيكم أنني لم أهتم مطلقًا بأمر الجامعة التي سأدرس بها بعد انتهائي من المرحلة الثانوية وانطلاقي لمرحلة جديدة من الاكتشاف والمعرفة، وأنني لم أهتم بكيف تبدو وما إنجازاتها خلال السنوات المتوالية؛ فكل ما يهمني التخصص الذي سأدرسه، كما يردد البعض آنذاك. وأكاد أجزم أنه لم يستطع النوم طيلة الأيام الماضية قبل أن يصدر فرز القبول الموحد 2026 أولى صيحاته.


كلها عبارات تتكرر سنويًا، وهو أمر قُضي بليل عند الجميع. ولا ضير في ذلك؛ فهذا أمر مهم لتتخيل ماهية الحياة الجامعية التي ستعيشها، وكيف ستنسجم مع قوانينها ومتطلباتها.


ما إن أعلن القبول الموحد قراره حتى أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تضج بالتصاميم: 'لله الحمد من قبل ومن بعد... تم قبولي بجامعة السلطان قابوس في تخصص التمريض'، 'قد كان حلمًا لا أظن دنوه، لكن فضل الله كان عظيمًا، تم قبولي في جامعة أكسفورد بتخصص الآداب الإنجليزية'.


بشارات القبول تملأ البيوت والحارات، وتبريكات لا نهائية تمتد من أقصى مسقط العامرة إلى أقاصي صلالة الأصيلة.


ثم تبدأ بعض الجامعات بتقديم حافز نقدي يتفاوت في القيمة للطلبة المقبولين ضمن فئة الاختيار المرن، في محاولة منها للتميز عن غيرها من الجامعات.
ومع بداية أول أسبوع جامعي تتوافد القنوات والإذاعات العُمانية المختلفة، من الوصال، وهلا أف أم، وإذاعة مسقط، ليسألوا الطلاب عن مشاعرهم وما تطلعاتهم خلال السنوات القادمة، فيبدأ الطلاب بالتعبير عن آرائهم: 'أشعر بالفخر بأن جامعتي الأولى محليًا، وأنا متحمسٌ لهذه التجربة'.


ويجيب آخر: 'هذه جامعة أحلامي، وقد سعيت كثيرًا لأكون هنا'.
'أمسك اليوم ببطاقتي الجامعية بالتخصص الذي أحلم به منذ الطفولة'.


ثم ما إن يُنشر المقطع حتى يحصد أعلى المشاهدات، ربما ليس لإعجابهم الكبير بلباقة الطلاب وهم يتحدثون وشمسُ الغدِ تملأ محياهم، ولكن لتحوّل التعليقات إلى حلبة منافسة ومفاوضاتٍ لمن يجدر به البقاء ومن عليه أن يغادر في أسرع وقتٍ ممكن دون نقاش.
تكفي جملة واحدة لتشعل عشرات التعليقات: 'الأولى محليًا يا أخي، حُسم الأمر منذ عامين، حاول أن تجدد اشتراكك'.


وتتحول المفاضلة الأكاديمية في لحظات إلى مباراة جماهيرية، وكأن قيمة الجامعة لا تكتمل إلا إذا انتصر أبناؤها في معركة التعليقات.
'جامعتك سُحب منها الاعتماد الأكاديمي، ولا يحق لك أن تتكلم'. ولك عينٌ أن تتحدث!
وجدالات لا نفع منها ولا فائدة، بل هي كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، لكن دعنا من كل ذلك.

ماذا تقصد عندما تميز جامعتك عن غيرها؟ ومن أي ناحية هي الأفضل؟ هل في مبانيها، أم تخصصاتها، أم فرص خريجيها، أم ببساطة التجربة التي عاشها شخص واحد داخلها، واستنتجت ذلك من خلال يومياته الجامعية التي ينشرها كل يوم عبر حسابه الشخصي؟
دعني أخبرك شيئًا، وسأكون منصفةً بعيدًا عن انتسابي لأي حرم جامعي بأي شكل من الأشكال. فأنا هنا سأتحدث عن أرقامٍ وإحصائيات، وليس لي يدٌ في هذا الموضوع.


في تصنيف Times Higher Education World University Rankings 2026، جاءت جامعة نزوى -جامعتي- ضمن الفئة 401–500 عالميًا، لتكون بذلك أعلى جامعة عُمانية تصنيفًا في هذا الإصدار. وفي المقابل، جاءت في المرتبة الثانية محليًا في تصنيف QS World University Rankings 2026.


حسنًا، يبدو أن انتمائي كان أسرع مني. لكن هذا لا يعني تناقضًا بالضرورة؛ فلكل تصنيف منهجيته التي يعتمد عليها.


قد تتغير المواقع والأرقام، لكن ذلك لا يعني أن مكانة الجامعة تتغير بين ليلة وضحاها، وإنما يتغير المقياس الذي ننظر من خلاله إليها.
التصنيف العالمي لا يستطيع أن يصور للطالب كل شيء عن تجربته الجامعية. لا يستطيع أن يخبره كيف سيكون أول يوم جامعي له! أو مدى ملاءمة تخصص معين لطموحه، أو كيف سيشعر داخل الحرم الجامعي.


كل تجربة مختلفة عن الأخرى، ولا نستطيع أن نحكم على جامعة بأكملها من خلال تجربة شخص واحد. قد يجد طالب أن جامعته هي المكان الأفضل والملاذ الذي حقق فيه كل طموحاته، بينما يراها طالب آخر من زاوية أخرى تمامًا.


لذا، دعك من القيل والقال، وعش حياة جامعية راقية، واترك المقارنات خلفك؛ فبعض الصراعات لا رابح فيها سوى الضجيج.