الرثاء للموتى بعد الغياب
الخميس / 26 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 19:47 - الخميس 8 أكتوبر 2026 19:47
متلازمة الحضور والغياب في الحياة ليست مرتبطة بعمر معين أو بعارض صحي أو بحادثة ما، لكنها قدر لا مفر منه، فعلى امتداد الأيام أجد أن ثمة حراكًا يحدث فجأة في وسائل التواصل الاجتماعي، يأتي بعد تداول واسع لنبأ يخبرنا بغياب شخصية مؤثرة في الحياة العامة.
هذا الرثاء يأتي من كل 'صوب وحدب'، يثني على من رحل، كلمات تُذكر في حقه، وفيض من المشاعر يُسكب في محبرة الشعور بالفقد والخسارة التي تُمنى بها الساحة التي أعطى فيها الكثير من وقته وجهده، فيما يحرص بعض المتابعين على فتح بعض الآفاق المخفية عن تلك الشخصية التي جاء موعد رحيلها، وسلمت أمانة الروح إلى خالقها في السماء.
في نظري أن ثمة علاقة وطيدة 'ما بين الغياب والحضور'، وأن هناك وقتًا لا يُحتسب من العمر بينهما، وما يهمني كثيرًا هو التسلسل 'الزماني' قبل وبعد الغياب، ماذا يبقى، وماذا يندثر؟!
إذا كان ذكر الشخصيات بعد رحيلها يأتي من مقياس الشعور النفسي بأهميتها وقربها منا، فإن امتداد الزمن يجعلنا في مفترق طريقين 'ما بين التذكر والنسيان' وامتداد الزمن بينهما ونهايته، إما بسبب انكماش الذاكرة وفقدان قوتها بعد انقطاع حبال الوصل بالفراق الأبدي، أو إغلاق صفحات الماضي أمام مشاغل الحياة التي احترقت شموعها الوضاءة.
عندما نقف عند قبر شخص نودعه، عندها لا نتذكر الماضي بقدر ما نقف على الحاضر، فالمعنى وحده ملحمة وجودية تصارع كل خفقات قلوبنا، في وقت ندرك أن الغياب من سنن الحياة، لكن مع المصيبة تُحجب عن عقولنا بعض الأمور التي عرفتنا بها الحياة، فهيبة المكان وحضوره في مشهد الوداع أفقدتنا عنوةً فصولًا من ارتباطنا بالشخصيات التي دفناها بأيدينا قبل هذا النهار.
بعد أن نعود من مساكن الأموات إلى مجالس العزاء، تبدأ مرحلة أخرى غير التي كنا فيها قبل ساعات، في الكراسي المصفوفة حيث يتقابل المعزون بعضهم مع بعض، يفتح بعض الجالسين نوافذ الماضي والمواقف العالقة في الذاكرة، بعضها ما تم تسجيله في المدى القريب، وأخرى تعود إلى الماضي البعيد.
بعضنا يتذكر كيف ارتبط عن قرب بمن غاب عن سماء الدنيا، وآخر يسر إلى الجالس إلى جواره متحدثًا عن مواقفه التي لا ينساها، وآخر يدعو له بالرحمة، وآخر لا يزال مصدومًا غير مستوعب لما يدور حوله، وكأنه يعيش حلمًا سيستفيق منه في وقت لاحق.
ثم يظل الحديث متداولًا، لكن سرعان ما يأخذ منحى البطء في التذكر والترحم، ثم تبدأ مواضيع أخرى من الحياة تُطرح، ثم تنتهي أيام العزاء ويتفرق المعزون.
بين عنابر المستشفيات وأماكن العمل، ودعنا أعزاء على قلوبنا، لم نكن نعلم بأنهم كانوا يلملمون حقائبهم وصورهم المبعثرة في عقولنا، وأن الذاكرة سوف تفقد فصولًا من حياتهم.
بعض الذين يرحلون، هول الأمر يصيبنا بصدمة نفسية وذهول يجعلنا لا نصدق ما يقال لنا، نسأل أنفسنا: كيف حدث ذلك، والأصوات لا تزال بيننا منذ لحظات؟
ومهما كان ألم الغياب ثقيلًا، فإن كل نوايانا تذهب نحو عدم الاستسلام لنسيان المكان الذي جمعنا بالأصدقاء والأحبة، حتى وإن بدأت الزوايا خالية من مرتاديها، رغم أن ثمة ناقوسًا يدق في الذاكرة يُدعى 'النسيان'.
عندما يرحل عزيز علينا نحو البعيد يظل بصوته وحضوره بمثابة قلاع محصنة في صدورنا، أما الزمان فهو الذي يطوي بعضًا من صفحات هؤلاء الذين فقدناهم يومًا ما، ولن نستطيع أن نعيد ما قد ذهب نحو الغياب منهم.
والتسلسل الزمني يزداد عمقًا، بعد شهر واحد وربما أكثر بقليل، ثم سنبدأ بإدراك بعض الحقائق، ومنها أننا كبشر أضعف مما نتصور، هؤلاء الذين تمنينا أن نبقي عليهم، وأن ننتصر على صروف الدهر، وقعوا وقوعًا حرًا في غياهب النسيان والبعد عن مجالات التفكير أو التذكر، وكأن حضورهم أصبح في ركن سحيق من النفس والذاكرة، بعض الشخصيات تتحصن ذكرياتها في نقطة لا يمسها سوء، لكن تبقى بعيدة عن الحضور في ظل الغياب.