ترجمة

نهاية التاريخ أم تسارع التاريخ .. كيف نفهم التحديات الراهنة التي تواجه الديمقراطية الليبرالية.. وكيف ننظر إلى المستقبل ؟

 

جيريمي سوري

هل بلغنا «نهاية التاريخ»؟ طرح فرانسيس فوكوياما، المحلل السابق في مؤسسة «راند» الذي لم يكن معروفا على نطاق واسع آنذاك، هذا السؤال الاستفزازي في محاضرة ألقاها بجامعة شيكاغو في فبراير 1989.

وجاءت المحاضرة بدعوة من أستاذه ومرشده آلان بلوم، ضمن سلسلة تناولت الموضوع المتجدد دائما، «أفول الغرب». غير أن فوكوياما قدّم حكما أكثر تفاؤلًا، فأشار إلى انتشار الديمقراطية الليبرالية في أنحاء العالم، وإلى الفشل الواضح للبدائل الشيوعية، خصوصا في الاتحاد السوفييتي، ورأى أن الغرب قد انتصر.

واستنادا إلى التصور الجدلي للتاريخ عند هيجل، الفيلسوف الألماني في القرن التاسع عشر، وألكسندر كوجيف، شارح فلسفته في القرن العشرين، جادل فوكوياما بأن السعي إلى الحرية قاد البشر إلى «دولة ليبرالية حديثة، يُضمن فيها الاعتراف المتساوي والمتبادل بين جميع المواطنين في ظل سيادة القانون الذي يمنحهم حقوقا أساسية».

نشرت مجلة «ناشيونال إنترست»، وهي مجلة صغيرة متخصصة في السياسة الخارجية، محاضرة فوكوياما في صيف 1989. وبعد سقوط جدار برلين في نوفمبر من ذلك العام، بدت كأنها نبوءة. تحدّث فوكوياما عن «انتصار الغرب» و«الاستنفاد التام للبدائل المنظومية القابلة للحياة في مواجهة الليبرالية الغربية».

ووضع اللحظة الراهنة في سياق أعمق: «ما قد نشهده ليس مجرد نهاية الحرب الباردة، أو انقضاء مرحلة معينة من تاريخ ما بعد الحرب، وإنما نهاية التاريخ ذاته؛ أي بلوغ التطور الأيديولوجي للبشرية نقطته النهائية، وتعميم الديمقراطية الليبرالية الغربية بوصفها الشكل النهائي للحكم البشري». وفي مقابلة لاحقة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، أوضح فوكوياما: «ببساطة، لا أرى أي منافسين للديمقراطية الحديثة».

دوّت هذه الكلمات كالمفرقعات في أنحاء العالم. سارعت وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية والفرنسية واليابانية إلى تلخيص المقال والبحث عن صاحبه. وبين عشية وضحاها أصبح شخصية مشهورة، وظهر في مجلتي «نيوزويك» و«تايم». وحرص كبار الباحثين في تخصصات شتى على رفض حجته، وهو أصدق دليل على تأثيرها.

وربما كان الأكثر إثارة للدهشة أن أحد أكشاك الصحف في واشنطن أفاد بأن نسخ مجلة «ناشيونال إنترست»، بتخصصها الأكاديمي الجاف، التي تضمنت المقال الأصلي، كانت «تتفوق في مبيعاتها على كل شيء، حتى المطبوعات الإباحية». صنع المقال لفوكوياما مكانته بوصفه مثقفا عاما ظل حاضرا في النقاش لعقود.

في مذكراته الصادرة حديثا، «في عالم الإنسان الأخير»، لا يتوقف فوكوياما طويلًا عند افتتان الجمهور بمقاله عن «نهاية التاريخ»، إلا ليشكو: «على مدى العقود الثلاثة الماضية، سُئلت عدة مرات في الأسبوع عما إذا كنت أرغب في التراجع عن حجتي». ويؤكد أن السائلين، الذين يفترضون أنه كان ساذجا ومخطئا حين صاغها، نادرا ما «قرأوا أكثر من عنوان مقالي أو كتابي». وهم يتجاهلون معظم المقالات والكتب التي لا تُحصى، والتي كتبها منذ لحظة «نهاية التاريخ».

يذكّر فوكوياما قراء مذكراته بأن مقاله الأصلي اختُتم بنبرة متشائمة، رغم شيوع قراءته بوصفه نصا يحتفي بالانتصار. فقد توقع استمرار الصراع بين الدول، خصوصا حول النزاعات الإثنية والقومية. وأشار كذلك إلى أن «الإرهاب وحروب التحرر الوطني» ستستمر.

والأهم أن فوكوياما أقر بأن انتصار الديمقراطية الليبرالية سيجلب «زمنا حزينا جدا. سيحل الحساب الاقتصادي، والحل المتواصل للمشكلات التقنية، والانشغال بالبيئة، وتلبية المطالب الاستهلاكية المتطورة، محل النضال من أجل الاعتراف، والاستعداد للمخاطرة بالحياة من أجل غاية مجردة تمامًا، والصراع الأيديولوجي العالمي الذي استنهض الجرأة والشجاعة والخيال والمثالية».

وفي الكلمات الأخيرة من المقال الذي صنع مسيرته، عبّر عن «حنين» إلى العقود القريبة من الصراع التاريخي، وعن خوف من «الملل» في المستقبل.

اختار فوكوياما لكتابه الصادر عام 1992، الذي حقق مبيعات كبيرة، عنوان «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، ليتوسع في تلك المشاعر. وفي مذكراته الجديدة، يلخص كيف استند إلى تأملات فريدريش نيتشه القاتمة لتحليل ما قد تكون عليه حياة الكائنات الفاترة الهمة التي ستأتي.

مع انتصار الديمقراطية الليبرالية، بلغ البشر، في نظر فوكوياما، حال «الإنسان الأخير»: «كائن بلا اعتزاز بنفسه أو سعي إلى أن يصبح أفضل مما هو عليه، يكتفي بالملذات الصغيرة والرفاه المادي». وغدوا متخمين ومدللين؛ إذ «أنتجت المجتمعات الليبرالية السلام والازدهار على نطاق لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية، وأزالت بذلك الحاجة إلى المخاطرة الشخصية».

يبدو أن الوفرة والانغماس في الترف يستنزفان معنى الحياة، كما توقع نيتشه. ويلاحظ فوكوياما أن الناس يبحثون عما يثير حماستهم: «الصراع من أجل الصراع ذاته هو ما يحدث حين نكون عند نهاية التاريخ، حين يكون العالم في حال جيدة بالفعل، ولا تكون هناك قضايا كبرى تستحق المخاطرة بالحياة من أجلها. نرى هذا اليوم لدى أقصى اليمين وأقصى اليسار على السواء».

يستشهد فوكوياما بأعمال الفيلسوف السياسي ليو شتراوس الغنية، وبكتاباته عن العدمية الألمانية، لتوضيح تكرار ما يراه سخطا شعبيا على المادية الجوفاء. لاحظ شتراوس أن الفاشيين أرادوا قضية أخلاقية أسمى من السلام والانفتاح والتسامح، ومن كل ما جاءت به الديمقراطية الليبرالية.

وكتب أن «الحياة الأخلاقية تعني الحياة الجادة» لدى من يضيقون بالاستقرار الممل. «وحدها الحياة في مثل هذا المناخ المشحون، وحدها الحياة القائمة على وعي دائم بالتضحيات التي تدين لها بوجودها، وبأن التضحية بالحياة وبكل خيرات الدنيا ضرورة وواجب، هي الحياة الإنسانية حقًا».

ويكثّف فوكوياما ملاحظة شتراوس في تشخيصه القائل: إن «المجتمع الليبرالي لا يطلب منا أن نخاطر بحياتنا من أجله»، لكن «بعض الناس يريدون أن يكون في وسعهم المخاطرة بـ«حياتنا وثرواتنا وشرفنا المقدس» من أجل قضية أسمى».

لهذا البحث الإنساني عن غاية أسمى ما يسنده. أتذكر طلابي وجيراني وأفراد عائلتي الذين كانوا متحمسين للتضحية من أجل بلدهم في الأيام والأسابيع التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن. شعر كثيرون منا بأنهم أكثر انتماءً إلى أمريكا في ظل تلك المأساة وما استنهضته لدى المواطنين.

ومثل غيره، انجرف فوكوياما مع تلك الموجة من المشاعر التي جمعت الناس. يصف مخاوفه من الإرهاب، وإحساسه بأن «الولايات المتحدة كانت غافلة عن واجبها». ووقّع فوكوياما، الذي كثيرا ما يُعد محافظا جديدا ذا ميول ليبرالية، على دعوات إلى الإطاحة بالطاغية العراقي صدام حسين: «لم تكن لديّ تحفظات تُذكر على استحسان إزاحة دكتاتور متعطش للدماء من السلطة».

غير أن فوكوياما سرعان ما نأى بنفسه عن مؤسسات يمين الوسط التي كانت الأعلى صوتا في الدعوة إلى الحرب العالمية على الإرهاب.

ويؤرخ قطيعته مع هذا الموقف بحدث محدد، هو حفل العشاء الذي أقامه «معهد أمريكان إنتربرايز» في فبراير 2004، بعد أقل من عام على الغزو الأمريكي للعراق. يروي فوكوياما كيف كان نائب الرئيس ديك تشيني ومثقفون عديدون يبتهجون بالعنف الذي أطلقوا له العنان. أعلنوا انتصارهم وصواب موقفهم الأخلاقي، وادّعوا حقا جديدا في تكرار ما فعلوه في أماكن أخرى.

ويقول فوكوياما إنه شعر بالنفور من النزعة المناهضة لليبرالية ومن الكذب اللذين طبعا تلك اللحظة: «أُمضيت الأمسية في معهد أمريكان إنتربرايز احتفالًا بما رُوّج له بوصفه الانتصار العظيم الذي حققته إدارة بوش، في وقت كان العراق ينزلق بسرعة إلى حرب أهلية ضارية، وكان جنود أمريكيون يتعرضون بانتظام للتفجير بعبوات ناسفة على جوانب الطرق».

أدرك فوكوياما أن «أصدقائي هؤلاء، الذين عرفتهم منذ زمن طويل، قد انفصلوا عن الواقع». كانت حمى الحرب قد استبدّت بهم. وقاده نقده لنزعة المحافظين الجدد إلى الحرب، الذي أفرد له كتاب «أمريكا عند مفترق طرق»، إلى مراجعة سياسات محافظة أخرى سبق أن دافع عنها، منها رفع القيود التنظيمية عن القطاع المالي ومناهضة الدولة.

في العقود التي تلت ذلك، كرّس فوكوياما جهده لفهم الدور الأساسي للدولة الحديثة القوية في إرساء النظام، وتنمية الازدهار، وضمان الأمن. يأسف للهجمات التي يشنها دونالد ترامب وآخرون على «الدولة العميقة»، ويحذّر مما يسميه «إعادة إضفاء الطابع الشخصي على الدولة»؛ وهي العملية التي تستأثر فيها القبائل والعائلات وغيرها من الجماعات المرتبطة بوشائج خاصة بالموارد، وتدمّر بذلك مؤسسات الدولة الكفؤة التي تتسع للجميع.

وهذه العودة إلى السياسة القائمة على العصبيات أو علاقات الزبائنية هي بالضبط ما يسعى السلطويون المعاصرون إلى تحقيقه.

يُظهر هذا التحليل التناقض الكامن في صلب كتابات فوكوياما منذ «نهاية التاريخ». تعتمد الديمقراطيات الليبرالية التي انتصرت في الحرب الباردة على مؤسسات بيروقراطية كبيرة، يعمل فيها خبراء مدرَّبون، لإدارة كل شيء، من التجارة والنقل إلى المال والتعليم والرعاية الصحية والطاقة والعمل الشرطي.

بعض هذه المؤسسات مركزي ومقره واشنطن، مثل الاحتياطي الفيدرالي وإدارة الضمان الاجتماعي، وبعضها الآخر لامركزي، مثل الجامعات البحثية الأمريكية ذات المستوى العالمي، والشركات التي تتمتع برؤوس أموال ضخمة. أتاحت كفاءة هذه المؤسسات وإنجازاتها للديمقراطيات الليبرالية أن تزدهر، في حين فشلت الأنظمة البديلة. لم يستطع الاتحاد السوفييتي المنافسة، ولا الصين قبل إصلاحات دينغ شياو بينغ.

لكن البيروقراطية مملة وعلاقاتها غير شخصية، والخبراء كثيرا ما يكونون نخبويين وبعيدين عن حياة المواطنين العاديين. يتلقون مكافآت سخية على عملهم، ويتخذون قرارات بعيدة الأثر لا يستطيع إلا قليلون فهمها فهما كاملًا.

ورغم أن «البشر الأخيرين» أفضل تغذية وأكثر أمنا، فإنهم يستاؤون من المؤسسات التي تتعامل معهم على نحو غير شخصي، لأنها تبدو كأنها تحرمهم الاختيار والحرية. يحدد الاحتياطي الفيدرالي كلفة القرض العقاري للأسرة، ويحدد بذلك ما إذا كنت تستطيع شراء المنزل الذي تريده. وتقرر مكاتب القبول في الجامعات مَن تقبل، وبالتالي ما إذا كان ابنك سيدخل صفوف النخبة أم لا. يكتب فوكوياما أن «انقساما» ينشأ داخل الدولة الديمقراطية الليبرالية المزدهرة، يفصل أصحاب السلطة ومن تتاح لهم سبل الوصول إليها، عمن يشعرون بالعجز والإذلال. تنتج هذه المجتمعات الثروة والاستقرار، لكنها «تُسطِّح آفاق البشر».

يفسر فوكوياما صعود السلطوية بوصفه رد فعل على هذه الأوضاع. ويكتب أن «التراجع الديمقراطي تدفعه قوى ناشطة لا تريد أن تكون من «البشر الأخيرين» الذين يُجرون تعديلات طفيفة على البيت الذي بُني لهم عند نهاية التاريخ».

ويدين فوكوياما المتمردين الذين هاجموا مبنى الكابيتول الأمريكي في 6 يناير 2021، باعتبارهم مثالًا على هذه الظاهرة: «أشخاص من الطبقة الوسطى لديهم وظائف جيدة»، دفعتهم مشاعرهم بأنهم موضع ازدراء وتجاهل، وبأنهم تُركوا خلف الآخرين، إلى «تقمص دور ثوار مسلحين». أتاحت تلك المشاعر تحويلهم إلى «مخدوعين جُنّدوا لإرضاء غرور محتال نرجسي واحد». خاطبت ديماغوجية ترامب مظالم أناس أحسنت الديمقراطيات الحديثة خدمتهم، لكنهم ظلوا عالقين داخلها.

لا تقدم مذكرات فوكوياما إلا نصائح قليلة بشأن الخروج من هذا الاضطراب. في الكلمة الختامية لكتابه، يدعو إلى استبدال «تقديس الإجراءات» ببرامج وقيادة تُشعر الناس بالاحترام. ويستند إلى أبحاثه عن الثقة ليصف بعض المؤسسات المدنية، ومنها المدارس والكنائس، التي يمكن أن تساعد على بناء هويات وطنية ليبرالية.

ويختتم بالتعبير عن التطلع الشائع إلى تحسين الديمقراطيات الليبرالية الناقصة: «سيرغب الناس في مواصلة النضال من أجل قضايا عادلة، حتى إن لم يستطيعوا أن يوضحوا بصورة كاملة ما سيكون عليه مجتمع عادل تماما». ولا يتجاوز هذا كثيرا إبداء القلق والتلويح بكلام فضفاض عن «الجماعات الصغيرة» و«المؤسسات الوسيطة»، على نحو كان شائعا يوما لدى يمين الوسط.

إذا كان فوكوياما محقا، فنحن بالفعل نحدّق في هاوية نيتشه، ولا توجد خطوات واضحة يمكن اتخاذها لبناء حياة سياسية ديمقراطية ليبرالية ذات معنى لملايين الساخطين. قد يكونون مستفيدين من النظام، لكنهم ليسوا فاعلين يملكون القدرة على التأثير.

لم تعد لديهم الحماسة التي كانت لهم يوم واجهوا بدائل، وكانت تضحياتهم ضرورية وتمنحهم إشباعا وجدانيا. يصاحب المللَ شعور بالعدمية؛ وقد حلّ تقمص الأدوار، الذي تستثيره وسائل التواصل الاجتماعي، محل السير في صفوف حركة تناضل من أجل العدالة.

يتعثر هذا التحليل القاتم، الذي بدأ مع مقال فوكوياما الشهير، في افتراضاته التاريخية. لم تكن هناك نهاية للتاريخ في 1989، ونحن بعيدون جدا عن الإنسان الأخير. ما أخفق فوكوياما وكثير من المحللين الآخرين في إدراكه هو أن انهيار الشيوعية في أواخر القرن العشرين لم يضمن قط انتصارا دائما للديمقراطية الليبرالية أو الرأسمالية.

بعد هزيمة الاتحاد السوفييتي، كيّفت الأنظمة التي بقيت، في روسيا المستقلة حديثًا، وفي الصين التي حكمها خلفاء ماو، وفي أماكن أخرى، أنظمتها السياسية لتصبح أكثر انسجاما مع المثل الغربية، حفاظا على بقائها، لا استسلاما أيديولوجيا.

وإدراكا منها أنها لم تعد قادرة على المنافسة، سعت إلى دخول الأسواق الدولية، والاستفادة من الأفكار الأجنبية، واستقدام رأس المال. طالبت شعوبها بمزيد من الديمقراطية، لكن ذلك لم يكن تطلعها الأساسي. ظل الناس الذين طالت معاناتهم يتوقون إلى حياة أفضل، وظلوا يؤمنون بأن التعددية السياسية، أي مزيدا من التاريخ لا أقل، ستوصلهم إليها.

ولا بد من القول إن انفتاح المجتمعات بعد 1989 أسهم في تيسير أزمات مطلع القرن الحادي والعشرين كلها، من الإرهاب العالمي إلى الحروب الفاشلة في الشرق الأوسط والانهيار المالي. أتاحت الأسواق الأقل خضوعا للتنظيم، وحرية السفر الأوسع، انتقال الأموال والأسلحة والأيديولوجيات المتطرفة بسرعة.

بدأ قادة سلطويون، أو طامحون إلى الحكم السلطوي، يظهرون في مجتمعات كثيرة، لأن أعدادا كبيرة من المواطنين اعتقدت أن الديمقراطية الليبرالية لا تؤدي وظيفتها، لا لأن الناس شعروا بالملل أو بقلة الاحترام، كما يجادل فوكوياما.

حين خسر ملايين الناخبين منازلهم ووظائفهم وصحتهم بسبب قرارات اتبعت منطق الأسواق المفتوحة، والحدود المفتوحة بحسب اعتقادهم، أرادوا حماية يضمنها رجل قوي يغلق أبواب هذا الانفتاح. هنا ظهر فيكتور أوربان، ونايجل فاراج، ومارين لوبان، وجايير بولسونارو، وبالطبع دونالد ترامب.

قدّمت هذه الشخصيات السلطوية بديلًا أيديولوجيا حقيقيا للديمقراطية الليبرالية، وإن كان فظا. تبنّت تعريفات للمواطنة تقوم على الدم والأرض، ورفضت التعددية والاندماج. وصفت لوبان، على سبيل المثال، وجود السكان المسلمين في فرنسا بأنه «احتلال»، ووعدت بإعادة البلاد إلى نموذج الأسرة التقليدية.

ورفض السلطويون أيضا التجارة الحرة، وهي إحدى ركائز الليبرالية. رفع ترامب الرسوم الجمركية وأشعل حروبا تجارية، حتى مع كندا، ودعا إلى الحمائية بوصفها أفضل سبيل لتنمية الاقتصاد الأمريكي.

وفي الصين، أغرقت الحكومة في عهد شي جين بينغ المجتمع بالمراقبة المادية والرقمية، وأزالت كل حماية للخصوصية الفردية. النموذج السلطوي في العقد الأخير بديل متماسك وفعّال، إلى جانب عدائه لليبرالية؛ إنه التعصب القومي، أو ما سماه الألمان السياسة القومية العرقية، «فولكيش». ذلك ما آلت إليه نهاية التاريخ.

خيبة أمل المواطنين الذين رأوا يوما في الإصلاحات الليبرالية إمكانات تبعث على الحماسة هي قصة تمتد خمسة وثلاثين عاما، من 1989 إلى نحو 2024. إنها استمرار للحبكة الرئيسية للتاريخ، الصراع من أجل الشرعية السياسية، وبعيدة كل البعد عن أن تكون نهاية له.

لم تحتكر الديمقراطية الليبرالية الشرعية في أي وقت، وقد تراجعت مكانتها بشدة منذ أن اشتهر فوكوياما بالقول خلاف ذلك. وتراجعت في السنوات الأخيرة شرعية بعض السلطويين أيضا، بعدما بدأوا حروبا لا يستطيعون كسبها، وألحقوا الضرر باقتصادات بلدانهم. الناس في كل مكان غير راضين عن السياسة التي ورثوها، ويبحثون عن أفكار وأحزاب وقادة بديلين.

هذا البحث التاريخي عن شيء جديد، عن منظومة معتقدات سياسية قد تحقق بالفعل ازدهارًا أوسع، وعن شخص يملك من القوة ما يكفي لتحقيق هذا الهدف، يوضح أننا أبعد ما نكون عن «الإنسان الأخير» عند نيتشه. لا يعاني الناس في أنحاء العالم من الملل؛ إنهم يتوقون إلى العثور على شخصيات تساعدهم على الحصول على وظائف ذات معنى، والعيش بصحة جيدة، وبناء مجتمعات نابضة بالحياة.

تتسم مذكرات فوكوياما بالذكاء، لكن أكثر ما يمنحها جاذبيتها أنها نافذة على الحقبة التاريخية التي بدأت بمقاله وانتهت مؤخرا. كان عصر فوكوياما زمنا سعى فيه المؤمنون بالديمقراطية الليبرالية والرأسمالية العالمية، المفرطون في الثقة بأنفسهم، إلى الهيمنة.

تعاملوا باستعلاء مع المخالفين، وتجاهلوا البدائل، واستثمروا موارد مفرطة فيمن يقلّدون نموذجهم، واثقين بأن النخب والناس العاديين في بلدان شتى يعيشون كما يعيشون هم، ويحملون الآمال نفسها.

منح فوكوياما هذه الرؤية المعيبة للعالم أكثر صيغها رسوخا في الذاكرة، وروّج لها بوصفه مثقفا عاما ذائع الصيت. وعندما تمرد الناس الذين زعم هو وآخرون أنهم يسعون إلى النهوض بهم، ازداد المؤمنون بتلك الرؤية تشبثًا بحججهم الأساسية، كما يفعل فوكوياما في مذكراته.

لعل هيجل كان سينصحنا بأن نستعد، عوضا عن نهاية التاريخ والإنسان الأخير، لبداية جديدة للتاريخ تنبثق من صدام الديمقراطية الليبرالية والسلطوية في القرن الحادي والعشرين. وإذا بقيت المجتمعات الحرة، فلن تكون شبيهة بما كانت عليه، أو بما بدت عليه، في ١٩٨٩.