ثقافة

ارتدوا القفازات

 

آن كارسون

ترجمة: أحمد شافعي

هي إذن حياتك. ها هي بين يديك، لعلها طريق، شريط، خط منقوط، خريطة، وافرضي أنك في الخامسة والعشرين، وأنك تتخذين بعض القرارات، تفعلين أمورا، تنتكسين انتكاسات، انتصارات، تصبحين شخصا، سائقة أتوبيس، أستاذة للغويات الهندوأوروبية، قرصانة، خبيرة تجميل، وتمر سنوات، في أسرة أو بلا أسرة، سعيدة أو غير سعيدة، ويأتي يوم فإذا بك تستيقظين وأنت في السبعين. وتنظرين أمامك فإذا بمدخل أسود. وها أنت تلاحظين أن المدخل قائم دائما، على الحافة، نظرت إليه أم لم تنظري. هو موجود في أغلب اللحظات، في أغلب اللحظات، ثمة في قاع الكأس رواسب من المدخل الأسود. وتسألين نفسك أغيرك من الناس يرونه أم لا يرونه. وتسألين الناس. ويقولون لا. وتسألين لماذا. ولا يمكن أن يجيبك أحد.
قبل دقيقة كنت في الخامسة والعشرين. ثم مضيتِ قدما ونلتِ الحياة التي أردتِها. ويوما نظرتِ من الخامسة والعشرين إلى الوراء وثمة كان، المدخل الأسود، ينتظر.
عندما قيل لي إنني مصابة بمرض باركنسون كان أحد أعراضه بالذات هو الأشد إحراجا لي إذ اختل خطي في الكتابة. كنت أجد لذة في الكتابة في الدفاتر، فتراكمت أرفف منها، يوما بعد يوم، وعاما تلو عام. والآن تلتوي الخطوط المستقيمة أو تتهشم أو تمضي في كل وجهة، والحروف اللينة تتقلص إلى بقع، ويفقد الخط المائل انسياب زاويته الأنيقة، فالأمر كله حرج في حرج، حتى لأمحو فقرات كاملة من فرط العار.
من الصعب وصف عار الخط الرديء أو إيضاحه.
الخط الرديء قبح. عديم الأصالة. أعني أنه ليس منك.
باركنسون مرض يطفئ في جميع خلايا المخ جينات بعينها، ولا يعرف أحد سببا لذلك. كثير من الحركات الجسدية، والمعرفية، تتعطل بسببه أو تتشوش.
في كتابه (الدماغ الذي يغير نفسه)، يكتب نورمان دويدج:
تحتوي كل خلية في جسدنا على جميع جيناتنا، ولا تكون جميع هذه الجينات عاملة ولا معبرة. وعند تشغيل جيم، ينتج بروتينا جديدا يغير تركيب الخلية ووظيفتها. وتعرف هذه العملية بالنسخ لأنه عند تشغيل الجين، يجري 'نسخ' المعلومات المتعلقة بإنتاج هذه البروتينات، أو تجري 'قراءتها' من الجين نفسه.
فالمخ أيضا له خط يده. وهو يعتمد على بروتين معين. يمكن أن أتخيل مخي المسكين وهو يبسط كلتا راحتيه كمدا إذ يرى بروتين الخط الجيد وقد تبدد أو اختلط.
لدى الدخول إلى منطقة الحطام. الأيدي متشابكة في الأيدي. المسارات البيولوجية تتداخل والمسارات المجازية. أهذا مربك؟ نعم هذا مربك.
يا له من فارق.. ذلك الذي بين خط كيتس في الرسائل أو مسودات القصائد و'نسخه الجميلة' المعدة للناشرين أو الأصدقاء. أدرس هذا الفارق. أقول لنفسي إنما الأمريقوم على التركيز والانتباه، فأقلب الصفحة، وأنتبه [لما أكتبه]، أحاول من جديد. إنما أنا مخطئة. ها هي الحياة تنزلق مرة أخرى إلى الهمجية.
لم تعد الحياة جميلة.
الخط علامة من داخل نفسي أضعها خارجي، وغالبا ما تكون ذات رؤية للعرض، للحكي، للإخبار. تحمل ما يطلق عليه جيرالد مانلي هوبكنز 'الأفق الجواني' (ملاحظة: يقصد هوبكنز أشياء كثيرة بـ'الأفق الجواني' ولا أعرف عن ذاته وشعريته ما يكفي لأحسن طرحه هنا، لكن دفاتر دابلن تلك...يا إلهي!)
إذا كانت كتابتك تميل يمينا فأنت شخص خاضع بشدة لتأثير أبيك، أما المسوفون فحرف الـ I في كتابتهم يميل يسارا، إلخ. وعلم الخط هو دراسة خط اليد بوصفه مفتاحا لتحليل الشخصية. ويصعب القول بأنه ليس بالمفتاح الجيد.
اختلال الخط: مخيف كأنه صورة لانهيارٍ في الإدراك، وهو أيضا أثر تدريجي لمرض باركنسون. غموض، ونسيان، وتفكك، وفجوات وشقوق، وإبطاءات، وتوقُّفات. حينما يتكلم النقاد عن 'الأسلوب المتأخر' عند بيتهوفن أو بودلير، هل يقصدون ما على الورق أيضا من علامات لعلها مفتاح إلى فهم هواجس العقل؟
في حدود الخط، يمثل فن ساي تومبلي Cy Twombly استثناء. فلوحاته تطرح كلمات مكتوبة باليد على نحو يجتنب طرح أي مفاتيح إلى نفسه أو شخصه أو حالته الداخلية. خربشات خبط عشواء، خرقاء بليدة كريهة ـ فاليد لا تخص أحد، أو هي تخص الجميع، أو هي أسطورية، أو هي محض بقعة من أثر شخص كتبها من قبل. علامة لا تنطوي على شخص. فما من عار.
يبدو أن علماء الأعصاب الآن يعتقدون أن المخ مرن، وأن أنشطة بعينها قادرة على تنشيطه، بتوليد خلايا عصبية جديدة أو باستبدال المفقودة أو الخاملة أو البطيئة. يوصَى في هذا المقام بالملاكمة. لذلك أحضر دروسا في الملاكمة ثلاث مرات في الأسبوع. جميع الحاضرين في الدرس مصابون بمرض باركنسون، بدرجات مختلفة من الضرر. في نقطة معينة من كل حصة (بعد تمارين الإطالة، والملاكمة الظلية، والتدريبات، وتمارين القوة) يصيح المدرب: 'ارتدوا القفازات'. فنسارع إلى الخزائن طلبا لقفازاتنا. ارتداؤك قفازك الأول أمر يسير. أما ارتداء الثاني فيقتضي عونا. يصيح المدرب 'لا تستعملوا أسنانكم'. وإليكم معلومة مثيرة للاهتمام: يستحيل استحضار المدخل الأسود على من ينهمك في ارتداء قفاز ملاكمة.
الرعشة، ما الرعشة؟ اختلاجة خارجة عن السيطرة لأحد الأطراف، وصفها الجراح والصيدلي الإنجليزي جيمس باركنسون في عام 1817 بأنها من أوائل الأعراض الملحوظة في من يعانون مما أطلق عليه 'الشلل الرعاش'.
حينما أحاول إنتاج حركة معقدة من قبيل سلسلة (واحد-اثنان-أربعة-خمسة) في الملاكمة (أي لكمة يسارية، لكمة يمينية متقاطعة، لكمة يمينية خطافية، لكمة يسارية صاعدة) يمكنني أن أشعر بخلايا مخي وهي تكافح وتكد. نعم يمكنني أن أشعر بها. والآن تظنون بي الجنون. آسفة، الأمر مختلف من الناحية العصبية.
لنفترض أن الرعشة ناجمة عن كهرباء تسري في طريق عصبي بسرعة لا تروق لي ولا يمكنني أن أتحكم فيها. على سبيل المثال، حينما أغسل أسناني بالفرشاة، وهو ما أفعله بذراعي الأيمن، حيث أعاني الرعشة في اليد اليمنى، تتحرك الفرشاة صعودا وهبوطا بسرعة وحشية، مصطدمة بالشفتين واللثة. ولكن للمسار العصبي مستوى معينا من الحركة. فإذا ما ركزت وغيرت الخطة ـ عبر تحريك ذراعي صعودا وهبوطا ـ يمكن أن أقاطع التيار وأوقف الرعشة. التركيز مفتاح. عليّ أن أفكر في الحركة نفسها.
اكتشف رجل يدعى جون دي بيبر شيئا شبيها في معالجته لمشكلاته في المشي. فهو يعالج مشكلاته في المشي بالمشي: خمسة عشر ميلا في الأسبوع على ثلاث مرات كل منها خمسة أميال بسرعة أربعة أميال في الساعة. وأربعة أميال في الساعة وتيرة أسرع مما يروق لي في المشي بشكل طبيعي. يستوجب هذا كفاحا. عليَّ أن أولي الانتباه للحركة. بمعنى أن الحركات التي قد يقوم بها شخص آخر آليا تستوجب مني أنا انتباها واعيا. ومن خلال تقنية الحركة الواعية هذه، استطاع بيبر أن يمكِّن نفسه من ترويض الرعشة وغيرها من الأعراض الحركية. لعله أصيب بباركنسن في الثلاثينيات من عمره (وإن لم يجر تشخيصه في حينه) وهو الآن في التسعينيات. ويعيش حياة مزدهرة تماما.
كمن تعدّل وضعها أمام تيار لا يكف عن السحب: تنبئني الكتب بأن أولي انتباها واعيا مستمرا بأفعال من قبيل المشي والكتابة وغسل الأسنان إن شئت أن أمنع تلف خلايا مخي العصبية أو أؤخرها. ويصعب العيش في كفاح مستمر. يصعب العيش داخل كلمة 'التدهور' بما يعني أنني مهما كافحت لا أفوز.
بالطبع كل الناس تكافح طوال العمر. ولا أحد يفوز على الفناء. لكن ثمة فارق بين الكفاح من أجل تعلم اليونانية القديمة مثلا أو استعمال المكنسة الكهربائية والكفاح من أجل بذل انتباه ميكروسكوبي إلى كل تفصيل في حركة جسدية. ومن خلال دراسته لأسلوبه في المشي في كتابه (مرض باركنسون معكوسا) يحلل بيبر أسلوبه إلى تسع فئات عمل وستة أهداف ينصب عليها الانتباه في كل خطوة يخطوها. أرأيتم؟ رجل حاد.
كانت كتابة هذه المقالة في دفتر بقلم حبر جاف تجربة مضنية. قد يكون الخط مقروءا بنسبة 60%. ولكنني لا أجد في هذه الخربشة أي تحرر على طريقة تومبلي من ضنى الكليشيه أو قيود الذات. فاليد يدي للغاية. وهي بصراحة، بغيضة.
لكن، دعونا نكن لطفاء في النهاية. والاستشهاد ببارت قد يخفف النبرة.
في وصفه لفظاظة يد تومبلي، يشير بارت إلى خفتها، وميلها تدريجيا إلى محو ذاتها والتلاشي في غلالة من البراءة. ويعجبه الدافع إلى 'الربط في حالة واحدة بين ما يظهر وما يختفي وعدم الفصل بين نشوة الحياة والخوف من الموت، وإنما إنتاج أثر واحد: لا هو إيروس ولا هو ثانتوس، وإنما الحياة-الموت، في فكرة واحدة، وإيماءة واحدة'ـ أم رعشة؟
نشرت هذه المقالة في ذي لندن رفيو أوف بوكس ـ 15 أغسطس 2024