التكشُّف
الخميس / 26 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 16:39 - الخميس 8 أكتوبر 2026 16:39
في عام 2000، توفي مايكل، الأخ الأكبر لآن كارسون، على نحو مفاجئ في كوبنهاغن. استغرق الخبر أسبوعين حتى يصل إلى كارسون، الشاعرة والباحثة في الأدب الكلاسيكي المولودة في كندا، لأن أرملة مايكل لم تعثر على رقم هاتفها بين أوراق زوجها. كان مايكل قد هرب من البيت عام 1978، ولم يتحدث هو وآن طوال السنوات التالية إلا نحو ست مرات. بعد موته، بدأت تجمع دفترا من الذكريات، أو «نقشًا جنائزيًا»، كما تسميه. وهي تسمية غريبة؛ إذ تشير الكلمة عادة إلى عبارة تذكارية تُنقش على لوحة أو شاهد قبر، لكن رماد مايكل نُثر في البحر. الدفتر نفسه هو شاهد القبر؛ وقد نُشر الآن بعنوان «نوكس' (Nox) وتوحي هيئته الرمادية المكتنزة بلوح حجري. وهو أيضًا تأمل شخصي بالغ التأثير في ملامح الغياب.
'نوكس» قطعة فنية بقدر ما هو نص مكتوب. لا تأتي محتوياته بين غلافين، وإنما داخل علبة تقارب في حجمها نسخة من الكتاب المقدس بطبعته «المعيارية الجديدة المنقحة». وفي داخلها نسخة ملونة من الدفتر، مطوية على هيئة أكورديون، تضم صورًا فوتوغرافية وقصائد وأعمال كولاج ورسومًا أُلصقت بصفحاته، ورسالة بعث بها مايكل ذات مرة إلى البيت، إلى جانب شذرات كتبتها كارسون بالآلة الكاتبة. أُنجز استنساخ الدفتر بعناية فائقة، حتى يكاد يستحضر إحساسًا ملموسًا بالأصل المصنوع باليد. يبحث المفجوع دائمًا عن آثار من فقده، وتمنح آثار مادية هذا الدفتر ـ قصاصات بخط اليد، وطوابع، وبقع ـ شهادته قوة إضافية: هذا الإنسان كان موجودًا.
تحتل الترجمة، بوصفها فعلًا لإعادة التسمية، مكانًا حاسمًا في طريقة كارسون لمواجهة الفقد. في الصفحة الأولى قصيدة لاتينية مصفرّة ومغبّشة، هي قصيدة كاتولوس رقم 101، مرثيته لأخيه الذي مات هو الآخر على شاطئ بعيد. ولكي تحصل كارسون على هذا الاصفرار، نقعت الورقة التي طبعت عليها القصيدة في الشاي طوال الليل. تُخصَّص معظم الصفحات اليسرى التالية لمداخل معجمية تعرّف كل كلمة في مرثية كاتولوس. أما الصفحات اليمنى، فتتأمل صعوبة رثاء أخ اختفى من حياة كارسون قبل موته بزمن طويل.
وعلى الرغم من التفاصيل الشخصية التي يضمها «نوكس» ـ وتعني الكلمة باللاتينية «الليل» ـ فهو محاولة لفهم الدافع البشري إلى الحداد بقدر ما هو حكاية عن أخ مفقود. يكتب كاتولوس في القصيدة رقم 101:
كثيرةٌ الشعوبُ كثيرةٌ البحارُ التي
عبرتُها ـ
أصلُ، يا أخي، إلى هذه الطقوسِ الفقيرةِ للدفن
لأمنحكَ الهديةَ الأخيرةَ التي يستحقها
الموت
وأحادثَ (لماذا؟) رمادًا أخرس.
تريد كارسون، صاحبة هذه الترجمة الأمينة إلى حد بعيد، أن تُبقي ذكرى الميت حية، لكنها تتساءل أيضًا لماذا تفعل ذلك؛ لماذا نشعر بالحاجة، كما يقول كاتولوس، إلى مخاطبة الرماد الصامت، إلى جمع بقايا ضئيلة من حضور زال. و«نوكس» هي كذلك إلهة الليل الرومانية، وربما أقدم الآلهة الرومانية، وأمّ النوم والقدر والموت بحسب روايات كثيرة. وفي مرثية كارسون، يصير الليل أشبه بشخصية مراوغة يحاول المفجوع مرارًا أن يتواصل معها. كأن النظر في عيني الليل يتيح فهم العلاقة المتشابكة بين الشخصية والقدر والذاكرة.
تجمع أولى تدوينات كارسون في «نوكس» بين الغنائية والحكمة الموجزة، على نحو يميز كتابتها: «أردت أن أملأ مرثيتي بضوء من كل نوع. لكن الموت يجعلنا بخلاء. لا شيء آخر يمكن إنفاقه على ذلك، نفكر، لقد مات. الحب لا يستطيع تغيير هذا. الكلمات لا تستطيع أن تضيف إليه. مهما حاولت استحضار ذلك الفتى المرصّع بالنجوم الذي كانه، تبقى حكايته بسيطة وغريبة». تلاحظ كارسون القرابة بين المرثية والتاريخ، وتستدعي هيرودوت، أبا التاريخ، ليكون دليلها. وتقول إن هيرودوت عدّ التاريخ «أغرب ما يفعله البشر»، ومن أسباب ذلك أن التاريخ قد يكون «ملموسًا ومستعصيًا على الفهم» في آن واحد. وهذا يصح بالتأكيد على تاريخ أخيها.
كان مايكل صبيًا مضطربًا. كانت الأسرة كثيرة التنقل، وكان يجد صعوبة في تكوين الصداقات، ويحاول دائمًا مصاحبة أولاد أكبر منه سنًا. ثمة صورة له في العاشرة يقف تحت بيت شجرة؛ وقد سحب الأولاد الثلاثة الذين في داخله السلّم وراءهم. لم يكن متفوقًا في المدرسة، بخلاف أخته، وصار يناديها «البروفيسورة» أو «الغبية». وفي مرحلة ما، بدأ يتاجر بالمخدرات، وهرب تفاديًا للسجن، بعدما أقام أيامًا عند كارسون، وخلّف أعقاب السجائر في كل مكان، حتى في المقلاة، «وصفارها إلى أعلى». جاب أوروبا والهند بجواز سفر مزوّر، «باحثًا عن شيء»، وكان يرسل بطاقات بريدية من حين إلى آخر. كتب مرة يخبرها أنه وقع في حب امرأة تدعى آنّا توفيت فجأة؛ وتزوج امرأتين أخريين على الأقل. تُدرج كارسون قصاصة من رسالة كتبتها أمها إلى مايكل، تطلب عنوانًا تستطيع أن ترسل إليه «صندوقًا لعيد الميلاد'.
هذه تفاصيل مؤثرة، لكنها تمنحها لنا بقدر مقتصد. يتنقل «نوكس» بين التحليل والغنائية. حتى العمل المعجمي يتبين أنه معقد ومؤثر على نحو غير متوقع، والمعاجم، في العادة، قلّما تستدر الدموع. تُقرأ المداخل كأنها تراتيل؛ كلمات قد تنطق بها اتقاء للهلع أو الظلام. وحين تدقق النظر، ترى أن كارسون عبثت بالأمثلة اللاتينية، وأدخلت فيها كلمة «الليل»، وصنعت من العبارات المترجمة قصائد نثر صغيرة ذات جو خاص. هذا ما نجده في مدخل كلمة aequora، وصيغتها المفردة aequor، وفي المضاف إليه aequoris، وهي اسم محايد نحويًا:
[AEQUUS] سطح أملس أو مستوٍ، امتداد، سطح؛ رقعة مستوية من الأرض، سهل؛ inmensumne noctis aequor confecimus؟ هل اجتزنا سهل الليل الشاسع؟ سطح البحر، خصوصًا حين يُنظر إليه بوصفه هادئًا ومستوًى، جزء من البحر، بحر؛ per aperta volans aequora: محلّقًا فوق البحر المفتوح؛ مياه نهر، أو بحيرة، أو بحر؛ tibi rident aequora ponti: تضحك لك مياه البحر.
وفي مواضع أخرى، نجد عبارات توضيحية تتظاهر بشرح كلمة، لكنها تتحدث في الحقيقة عن أخي كارسون: «يُدخل الليل من العينين والقلب»، أو «زاد ليلُ الأخ حزنه أكثر مما زاده الأخ نفسه'.
إذا بدا هذا كله ترتيبًا محكمًا ومعقدًا، بل مصطنعًا، فهو كارسون في أصفى صورها. لطالما كان عملها تمرينًا على بث الحياة في كليشيهات السيرة الذاتية، بإمرارها عبر معرفتها الواسعة بالأدب الكلاسيكي، وظرفها الذي تلقيه بوجه جامد وتقوّض به نفسها. «سأفعل أي شيء لتجنب الملل. إنها مهمة عمر بأكمله». تفهم كارسون التجربة الشخصية من خلال الفلسفة والكتابات الروحية بقدر ما تفهمها من خلال لغة علم النفس والحياة الباطنية. وتظل بين الكاتبة والقارئ مسافة ذات طابع طقسي. وبحكم تكوينها في الدراسات الكلاسيكية، اعتادت الانتقال بين الحكايات وأساليب التعبير؛ على المتخصص في هذه الدراسات أن يتعلم مفاهيم أو مواقف ضاعت على مر السنين، وأن يعيد بناءها، كما يعيد بناء جسر متداعٍ، قبل أن يستطيع عبور الهوّة.
بنى شكسبير مسرحياته الكبرى على حبكة مزدوجة، تتقابل فيها حبكة رئيسية مع أخرى فرعية. أما كارسون، فتبني قصائدها الغنائية السردية بالتثليث، أو بما سمّته ذات مرة «زاوية ثالثة للرؤية». في كتابها المركّب «نقض الخلق» (Decreation)، الصادر عام 2005، تكتب: «المضلّعات ذات الأضلاع التسعة لا تنفع. / لكن المثلث حقّ!». تتقابل كتابتها عن سيرتها دائمًا مع حكاية أخرى؛ ففي أحد أشهر أعمالها، «المقالة الزجاجية» (The Glass Essay)، الذي ظهر عام 1995، تروي امرأة حطّمها انتهاء علاقة عاطفية كيف عادت إلى البيت لترى أمها، وتتأمل حبيبها السابق وقصائد إميلي برونتي معًا. وينعكس اهتمامها بصرامة برونتي على فهمها لانكسار قلبها. لقد جُرّدت من كل شيء حتى لم يبقَ إلا ذاتها الجوهرية، وعليها الآن أن تجد في الفن سبيلًا إلى بعض التعافي.
تنطوي طريقة كارسون على ضرب من المزج بين القديم والجديد؛ إنها تتقدم بوضع الأشياء جنبًا إلى جنب، أكثر مما تتقدم بصنع الاستعارات. وما تحصل عليه هو حركة الذهن في مجملها، أكثر مما هو ذلك الطلاء البرّاق للصورة المصيبة. وعلى الرغم من وصفها بالشاعرة، فإنها تكتب النثر بقدر ما تكتب الشعر على الأقل. ومع ذلك، يبدو الشعر وحده متسعًا بما يكفي لأسلوبها القائم على القطع وإعادة التركيب، والذي لا يشبه إلا نفسه. إنها تؤثر أسطرًا تتصادم فيها كلمات يمكن أن تؤدي عمل الأسماء والصفات معًا، مثل «سماء صلبة غير مضاءة بيضاء»، أو تندمج حتى في كلمة واحدة، مثل «لاتجاوُزية» (overtakelessness)، من دون عون علامات الترقيم الضابطة. وهكذا تصبح القراءة فعلًا من أفعال الترجمة، وتستعيد اللغة غرابتها. وتحب كذلك أن تقدم المعطيات السردية بنبرة تقريرية محايدة، كما قد يحدث في سيناريو فيلم. تبدأ «المقالة الزجاجية» هكذا:
أسمعُ طقطقاتٍ صغيرةً داخل حلمي.
يقطرُ الليلُ من صنبوره الفضيّ
على طول الظهر.
في الرابعة فجرًا أصحو. أفكر
في الرجل الذي
رحل في سبتمبر.
هذا هو المعادل الأدبي للعادة المعاصرة المتمثلة في إظهار درزات الثياب.
تنجذب كارسون إلى موضوعات الرغبة والحرمان ـ وقد سمّت دراستها عن بول سيلان والشاعر اليوناني القديم سيمونيدس الكيوسي «اقتصاد ما لم يُفقد» (The Economy of the Unlost) ـ وإلى النزوع إلى الابتعاد عن «الذات». قال ت. س. إليوت إن الشعر يتطلب «هروبًا من الشخصية»، ويبدو أن كارسون تأخذ هذا القول بجدية، لكنه يصير عندها اندفاعًا قهريًا إلى التطهّر يشبه اندفاع المصاب بفقدان الشهية العصبي أو القدّيس. كتبت في «ماء صافٍ' (Plainwater)، عام 1995: «لن تعرف أبدًا بما يكفي، ولن تعمل بما يكفي، ولن تستخدم المصادر وأسماء الفاعل والمفعول بغرابة كافية، ولن تعرقل الحركة بقسوة كافية، ولن تغادر الذهن بسرعة كافية». والكتاب خليط غريب من المقالات و«الأحاديث القصيرة» والقصائد الطويلة ذات المقدمات التي تتخذ مظهرًا علميًا زائفًا، من النوع الذي قد يكتبه شخص متشبع بغيرترود شتاين والنظرية الفرنسية. وتبدأ سلسلة «حياة البلدات» بملاحظة تقول: «البلدات هي وهمُ أن الأشياء تتماسك، كمّثراي، شتاؤك'.
كتبت كارسون على نحو مؤثر عن سيمون فايل وهي تموت من التجويع الذاتي، وعن مارغريت بوريت، المتصوفة الفرنسية التي أُحرقت عام 1310 بتهمة الهرطقة لكتابتها كتابًا عن الحب الإلهي. وكتبت: «الشاعر شخص يأكل إلى مائدة الآخرين نفسها. ـ لكنه يشعر عند نقطة ما بنقص». «يستفزه إدراكُ غيابٍ في ما يراه الآخرون حاضرًا مكتملًا ومُرضيًا». وفي «نقض الخلق»، تسأل: «حين تُسأل امرأة في حال الوجد: ما الذي يجرؤ الحب على أن يدعو الذات إلى فعله؟ ستجيب: يجرؤ الحب على دعوة الذات إلى أن تخلّف نفسها وراءها، وأن تدخل في الفقر». وفي عمل كارسون، يُصوَّر هذا الفقر بوصفه ضربًا من غنى غير متوقع. أن تترك الذات وراءها يعني أن تتحرر من العبودية لحدودها؛ وهو شكل من أشكال القوة والتسامي معًا. وكما كتبت في «مقاطع، أجناس، إغواءات' (Stanzas, Sexes, Seductions):
شعري الشخصيّ فشلٌ
لا أريد أن أكون شخصًا
أريد أن أكون عصيّةً على الاحتمال
من حبيبٍ إلى حبيبٍ، خُضرةُ الحبّ
ما يستعصي على الاحتمال لا يمكن تحويله إلى استعارة؛ فكلمة «استعارة» في أصلها اليوناني تعني «الحمل عبر» أو «النقل إلى ما وراء». إنه أكبر من اللغة، ولا يخضع للقوى العاصفة لإيروس.
كان كتابها الأول، «إيروس المرّ الحلو» (Eros the Bittersweet)، دراسة أكاديمية متفردة وفوّارة في التصور اليوناني ـ كما نجده عند سافو وأفلاطون ـ لإيروس بوصفه شكلًا من «النقص» يمنح اللذة والألم معًا. وهندسة الرغبة، التي نعدّها عادة طريقًا باتجاهين ـ أحبك؛ تحبني ـ هي في الحقيقة دائرة مثلثة تجمع المحب والمحبوب وما يقع بينهما. «يريد المحب ما لا يملكه... كل رغبة بشرية تتوازن على محور من المفارقة، قطباه الغياب والحضور، وطاقتاه المحركتان الحب والكراهية... من ذا الذي يرغب في ما لم يغب؟ لا أحد. كان اليونانيون واضحين في هذا'.
في كتبها اللاحقة، ولا سيما «ماء صافٍ»، و«زجاج، سخرية، وإله» (Glass, Irony & God)، عام 1995، و«سيرة ذاتية للأحمر» (Autobiography of Red)، عام 1998، و«جمال الزوج» (The Beauty of the Husband)، عام 2001، طوّرت كارسون اهتمامها بالجنس والهوية والتحوّل عبر الوجد، في سرديات غنائية كثيرًا ما بدت شديدة الخصوصية. وفي كثير من أقوى نصوصها، مثل «لمجرد الإثارة: مقالة عن الفروق بين النساء والرجال»، وهي سلسلة من الشذرات النثرية ظهرت في «ماء صافٍ»، يبدو أن الأصوات المتكلمة مشغولة بالتقارب المقلق بين نشوة الجنس التي يختبرونها بوصفها محوًا للذات، ونشوة السامي التي تفتح لهم آفاق الرؤيا. يصف «لمجرد الإثارة» رحلة تخييم مع عالم أنثروبولوجيا يحب الجنس، ولا يحب الزواج، وتسميه الراوية «إمبراطور الصين». إنه تأمل في الوحدة والنوع الاجتماعي، ثري الكتابة وحاد الحواف، يضم وصفًا قويًا ـ «نعبر بخشخشة حقول الذرة الشبحية في إنديانا عند الثالثة فجرًا» ـ وتساؤلات فلسفية ساخرة ـ «التخييم اقتصاد جذري. نستخدم العالم مكانًا، وضوءَه للخوف» ـ وكلامًا جنسيًا فاحشًا ـ «اجعلني فتاك العاهر». في عملها تقشّف قد يبدو يونانيًا، ربما لأن ألوانه العاطفية تُرسم بهذا الحضور الجسدي الكثيف، وربما لأن مخيلتها غير مألوفة إلى هذا الحد. يروي «سيرة ذاتية للأحمر»، مثلًا، طفولة غيريون وصباه التعسين، وهو فتى صغير «ووحش أحمر مجنّح أيضًا». ويُعرف غيريون في الأسطورة بوصفه الوحش الذي قتله هرقل في مهمته العاشرة. مأخوذًا بهرقل، يتساءل غيريون، كما يتساءل كثير من العشاق المأخوذين بمن يحبون: ماذا يحدث إذا أحببت الشخص الذي سيدمّرك؟ إنه سؤال قديم، لكنه يكتسب بين يدي كارسون حيوية مشهد جسدي:
يستلقي هرقل كقطعةِ حريرٍ ممزّقةٍ في حرِّ الزرقة قائلًا
غيريون أرجوك. الانكسارُ في صوته
ذكّر غيريون لسببٍ ما بدخول حظيرةٍ
أولَ الصباح
حين تضربُ الشمسُ رزمةَ قشٍّ طريٍّ ما زالت مبتلّةً من الليل.
ضع فمكَ عليه غيريون أرجوك.
فعل غيريون. كان طعمُه حلوًا بما يكفي. أتعلمُ الكثيرَ في هذه السنةِ من حياتي، فكّر غيريون.
تتعقد موهبة كارسون الفريدة في إحياء موضوع الرغبة القديم بفعل نزعة ما بعد حداثية إلى المحاكاة والتركيب والتشظي. يضم «سيرة ذاتية للأحمر» مقابلات مختلقة، وفي مواضع أخرى تشير إلى أرتو ولينين بألفة. ويتساءل منتقدوها، بل بعض المعجبين بها، لماذا تحتاج إلى تكديس هذا القدر من الحطام الشكلي في سردياتها البلورية الصافية. وهو سؤال وجيه؛ فأعمالها الأضعف قد تبدو غارقة في زوائدها وزخارف الطريقة التي تُقدَّم بها. لكن السؤال لا يرد في «نوكس». اهتمت كارسون دائمًا بمناطق من التجربة يتعذر الاقتراب منها مباشرة، ويتعين التودد إليها على نحو موارب. وهذا الأسلوب ملائم على نحو خاص للإمساك بالحزن، الذي يتسم باللاعقلانية والجسدية والتقلّب، وكثيرًا ما يعجز عن الكلام. كتبت آيريس مردوخ ذات مرة: «لا يستطيع المفجوعون التواصل مع غير المفجوعين». ولأن الميت غائب وبلا صوت ـ فكلمة nox تتقافى مع الكلمة اللاتينية vox، أي «الصوت»، وتحتوي أيضًا الكلمة الإنجليزية no، أي «لا» ـ فإن المفجوع يختبر حضور من فقده دائمًا عبر أشياء أخرى: الكتب والأفكار واللغة والذاكرة. هذا الإحساس هو ما يقدمه دفتر ذكريات كارسون؛ إذ تجسّد عملية جمع شذراته حركة الذهن في الحداد، وهو ينتقل من ألم الفقد المحدد إلى التساؤل الميتافيزيقي عما تتكوّن منه، على وجه الدقة، حياة بشرية مآلها الموت.
الحزن مفارقة: تعرف أن عليك أن تُفلت من فقدت، ومع ذلك لا تستطيع أن تفعل هذا على الفور. يُجسّد أدب الحداد هذه المعضلة؛ وعزاؤه يكمن أساسًا في طقس تذكّر الموتى، ثم القول: لا عزاء، والقول أيضًا: هذا يحدث منذ زمن بعيد. في «نوكس»، تُستحضَر لاشخصية الفقد ـ حقيقة أنه يحدث منذ كل هذا الزمن ـ من خلال الهيكل الكلاسيكي الذي يقوم عليه الكتاب. تروي كارسون عن كاتب قديم يدعى هيكاتايوس، يروي بدوره حكاية طائر فينيق من بلاد العرب كان يسافر إلى مصر كل خمسمائة عام ليدفن أباه:
(ينوح طائر الفينيق بالتشكيل والوزن والاختبار والتجويف والسدّ والحمل نحو الضوء. يبدو أنه يرى الضرورة رؤية واضحة. وفي الظلال التي تومض فوقه وهو يمضي من بلاد العرب إلى مصر، ربما يرى ضخامة الآلية التي علق فيها، والهشاشة الهائلة لطيرانه نفسه؛ ذلك الطيران المؤلّف من هذه الظلال العابرة بلا انقطاع، التي تحملها إلى الوراء الحركةُ ذاتها التي تلتهمها، حركتُه هو، تساؤلُه).
تريد كارسون لأكورديونها أن يمسك بلعبة الظلال هذه، بهذه الرؤى المتفلّتة.
وفي حالة أخيها، الذي غيّب نفسه وهو بعدُ حي، تتفلّت الرؤى مرتين. لكي تتذكره، عليها أن تتذكر كذلك صمته وفراره من القانون. تستعيد المرات القليلة التي تحدثا فيها. تقول: «ليس لدي أي فكرة عما كان يحتاج إليه مني». «حين اتصل بي فجأة، بعد نحو نصف عام من موت أمنا، لم يكن لديه ما يقوله. (“ماتت أمنا. نعم، أظن أنها ماتت. تألمت كثيرًا بسببك. نعم، أظن أنها تألمت... هل أنت سعيد؟ لا. آه، لا”.)». وحتى وهي تحاول وصف مايكل، تحاول أن تنقل ما تسميه «عتامة أساسية معينة في الكائن البشري، الذي يحب أن يُظهر الحقيقة بإتاحته رؤيتها وهي تختبئ'.
تمكّنها الصور وقصاصات الرسائل وشذرات اللغة المترجمة من «إظهار الحقيقة بإتاحتها رؤيتها وهي تختبئ». يختبئ مايكل في هذه الصور، والفكرة أن كل كلمات العالم وتمارينه التحليلية لا تستطيع إنقاذه؛ لا تستطيع إنزال سلّم بيت الشجرة، ولا استعادة «الفتى المرصّع بالنجوم الذي كانه». لقد رحل. تكتب كارسون: «تتسلّل في معاني كلمة، تتسلّل في تاريخ شخص، لا جدوى من انتظار فيض من الضوء». «تلك الشبكة المضيئة، الكبيرة، المرتعشة، الذائبة، التي لا تتوب، النابحة، المنسوجة منها، والعالقة في ذهنك حين تعود إلى الصفحة التي كنت تحاول ترجمتها'.
'نوكس» مرثية في هيئة شبكة مضيئة، كبيرة، مرتعشة، ذائبة، لا تتوب، تنبح؛ ولهذا تستحضر بهذه القوة ما يُحسّ في الفقد من فوضى ومن شعور بأنه غير حقيقي. وعوضًا عن فرض شكل باروكي على مادتها، تترك كارسون طيف مايكل يسكن العمل، وتكتب في فجواته، من خلال الغرابة الموحشة لخطه ولطوابع البريد الجوي التي استخدمها. طريقتها أقرب إلى تجسيد لغز حياته وموته منها إلى محاولة حلّه؛ إنها تمنح هيئة درامية لذهن المفجوع وهو يحاول فهم ما يحدث لمن اختفوا. تكتب: «حين تسأل عن شيء تدرك أنك أنت نفسك قد نجوت منه، ولذلك عليك أن تحمله، أو تصوغه في شيء يحمل نفسه». «نوكس» هو هذا التساؤل: رحلة متسائلة، بمنأى عن العاطفية، إلى معنى ألّا نفهم.
تلاحظ كارسون أن هيرودوت، حين كان يروي حكاية لا يصدقها تمامًا، كان يختمها «بعبارة من قبيل: هذا ما يقوله المصريون». وفي الصفحة التالية، ألصقت عبارة مطبوعة على قصاصة مطوية على نفسها، حتى نضطر إلى إمعان النظر لتمييز هاتين الجملتين: «عليّ أن أقول ما يُقال. لست مضطرة إلى أن أصدّقه بنفسي». إنها خلاصة نافذة لموقف المفجوع الخفي: عليّ أن أقول إن هذا الشخص مات، لكنني لست مضطرة إلى تصديق ذلك.
•نُشر المقال في العدد المطبوع من مجلة «نيويوركر» المؤرخ في 12 و19 يوليو 2010.
** ميغان أورورك، محررة سابقة في «نيويوركر»، وتتولى رئاسة تحرير «ذا ييل ريفيو».
*** تمت الترجمة باستخدام الذكاء الاصطناعي وتم مراجعتها بشريا.