مازن الشهورزي رئيس إدارة التقنية في البنك المركزي العُماني لـ«عُمان»: الاستراتيجية الوطنية للتقنيات المالية تستهدف بناء قطاع مالي أكثر ابتكارا وتنافسية
الخميس / 26 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 11:34 - الخميس 8 أكتوبر 2026 11:34
تستهدف الاستراتيجية الوطنية للتقنيات المالية بناء قطاع مالي أكثر ابتكارًا وتطورًا وتنافسية، وتعزيز مكانة سلطنة عُمان كأحد المراكز الإقليمية للتقنيات المالية، بما يدعم التنويع الاقتصادي ومستهدفات رؤية «عُمان 2040»، ويعزز مساهمة القطاع في النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل والشمول المالي.
وفي حوار مع «عُمان»، أوضح مازن بن محمد بن عبدالقادر الشهورزي، رئيس إدارة التقنية في البنك المركزي العُماني، أن الاستراتيجية، التي أُطلقت في 22 سبتمبر، تمتد لخمس سنوات من 2026 إلى 2030، وتقوم على ست ركائز رئيسة تشمل الشمول المالي وتمكين المستهلك، ورقمنة السوق وتطويره، وتطوير الأطر التنظيمية والبيئة الداعمة، والبنية الأساسية الرقمية والتقنيات المتقدمة، وتطوير المواهب والقوى العاملة، وتمكين الوصول إلى التمويل وتمويل الشركات الناشئة.
وسيتولى البنك المركزي العُماني متابعة تنفيذ الاستراتيجية وتنسيق الجهود على المستوى الوطني مع الجهات ذات الاختصاص، وذلك من خلال تنفيذ مجموعة من المبادرات موزعة بين الجهات المعنية، مع تحديد دور كل جهة ووضع إطار وطني موحد وحوكمة لمتابعة التنفيذ.
تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة
وعن المستهدفات الرئيسة، قال الشهورزي إن الاستراتيجية تركز على تحفيز الابتكار، وتنمية شركات التقنيات المالية واستقطاب الاستثمارات، ورفع كفاءة المدفوعات والخدمات المالية الرقمية، وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تطوير البيئة التنظيمية والبنية الرقمية، وبناء الكفاءات الوطنية وتعزيز الشمول المالي.
وأوضح أن قياس نجاح التنفيذ سيعتمد على مؤشرات تشمل عدد الشركات المرخصة والفاعلة، وحجم الاستثمارات، واستمرارية الشركات وتوسعها خارج سلطنة عُمان، ونسب استخدام الخدمات المالية والمدفوعات الرقمية، وتكلفة المعاملات وسرعة إجراءات ومسارات التراخيص، ونسبة انتقال الحلول من البيئة التجريبية الرقابية إلى السوق، إضافة إلى عدد الوظائف النوعية والمتدربين في قطاع التقنيات المالية.
وحول التحديات التي جاءت الاستراتيجية لمعالجتها، أشار إلى أن دراسة واقع قطاع التقنيات المالية كشفت عن الحاجة إلى تكامل المنظومة وتوحيد الجهود بين الجهات، وتسهيل دخول الشركات إلى السوق، وتوفير التمويل والكفاءات، وتعزيز استخدام الخدمات الرقمية والثقة بها.
وأضاف أن معالجة هذه الفجوات تتطلب تعاونًا بين مختلف الجهات المعنية، موضحًا أن الاستراتيجية تركز على توضيح رحلة المستثمر والشركات منذ تقديم الطلب وحتى دخول السوق، وتوفير المعلومات حول المتطلبات والجهات المعنية بالدعم، إلى جانب معالجة فجوات التمويل والكفاءات، وتعزيز التكامل التقني وتحويل الابتكار إلى خدمات قابلة للتوسع.
وأكد أن حماية البيانات والأمن السيبراني ومواجهة الاحتيال والمخاطر المرتبطة بالتقنيات المالية تمثل جانبًا أساسيًا لضمان توسع الخدمات المالية الرقمية بصورة آمنة ومستدامة، في ظل التطور المتسارع للتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.
وفيما يتعلق بتمكين شركات التقنيات المالية ورواد الأعمال من تحويل أفكارهم إلى حلول قابلة للتطبيق، أوضح الشهورزي أن العمل يجري على بناء مسار متكامل ينقل الشركات من مرحلة الفكرة وتطوير المنتج إلى الاختبار والتشغيل التجاري والتوسع.
وتابع بقوله: «يتيح هذا المسار لرائد الأعمال اختبار منتجه في البيئة التجريبية الرقابية ضمن بيئة آمنة وتحت إشراف الجهات الرقابية المختصة مثل البنك المركزي العُماني وهيئة الخدمات المالية، وفق متطلبات تتعلق بالجاهزية والأمن وآليات التشغيل»، مشيرًا إلى أن فترة الاختبار قد تمتد من ستة أشهر إلى سنة بحسب طبيعة المنتج.
ولفت الشهورزي إلى أن البيئة التجريبية الرقابية تتيح اختبار الحلول المؤهلة ضمن ضوابط محددة، إلى جانب الإرشاد الرقابي الذي يساعد الشركات على تطوير منتجاتها واستيفاء متطلبات السوق، مع تعزيز فرص التمويل والنمو وتشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص واستقطاب الاستثمارات.
بوابة موحدة للشركات الناشئة
وبيّن رئيس إدارة التقنية في البنك المركزي العُماني أن استكمال الاختبارات وإثبات الجاهزية يمهدان للانتقال إلى التشغيل الفعلي واستيفاء متطلبات الترخيص ومباشرة النشاط في السوق، فيما توفر بوابة عُمان للتقنيات المالية، والتي هي أحد مخرجات الاستراتيجية الوطنية للتقنيات المالية، بوابة موحدة للشركات الناشئة ورواد الأعمال في مختلف مجالات التقنيات المالية، مما يسهّل دخول شركات التقنيات المالية إلى السوق العُماني من خلال تسهيل وتبسيط إجراءات مسار التقديم ومتابعة حالة الطلب، وفهم احتياجات السوق والمتطلبات التنظيمية والتواصل المبكر مع الجهات الرقابية.
وأفاد بأن رحلة صاحب المشروع تبدأ بتحديد طبيعة النشاط والمسار التنظيمي المناسب، سواء لدى البنك المركزي العُماني أو هيئة الخدمات المالية، ثم الاطلاع على المتطلبات وتقديم ملف المشروع والمستندات اللازمة. ويلي ذلك تقييم الجاهزية والتواصل مع الجهة التنظيمية لاستكمال المتطلبات أو الإيضاحات، وصولًا إلى استيفاء الموافقات والمتطلبات الفنية اللازمة للحصول على الترخيص والدخول إلى السوق.
وأكد أن البوابة تهدف إلى خفض الوقت والجهد وتوفير مسار واضح للمستثمر، مع بقائها نقطة دخول وتنسيق، إذ يظل قرار الترخيص من اختصاص الجهة التنظيمية المختصة بحسب طبيعة النشاط.
وأضاف أن الهدف يمتد إلى دعم الشركات لبناء نماذج أعمال مستدامة وقابلة للتوسع، من خلال الشراكة مع المؤسسات المالية وتطوير البنية الرقمية اللازمة لنموها، بما يمكّن الشركات العُمانية الناجحة من التوسع في الأسواق الخارجية.
نقطة دخول موحدة
وعن التسهيلات التي توفرها المنظومة لاستقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية، قال إن بوابة عُمان للتقنيات المالية، المرتبطة بمنصة «استثمر في عُمان»، توفر نقطة دخول موحدة للمستثمرين، وتتيح معلومات عن السوق ومتطلباته، وتسهم في تسهيل الإجراءات وربط المستثمرين بالجهات التنظيمية والشركات العاملة في المنظومة، بما يهيئ بيئة أكثر سلاسة للمستثمرين والشركات والقطاع المصرفي.
وأوضح أن سلطنة عُمان تستهدف جذب استثمارات نوعية في مجالات المدفوعات الرقمية، والمحافظ وبوابات الدفع، والمدفوعات عبر الحدود، والصيرفة المفتوحة والبنوك الرقمية، إضافة إلى تقنيات التأمين وإدارة المخاطر، ومنصات التأمين الإلكترونية، وحلول الاستثمار وغيرها من مجالات الابتكار في التقنيات المالية.
وحول تحقيق التوازن بين تسريع الابتكار المالي والمحافظة على الاستقرار المالي ونزاهة السوق وحماية المستهلك والأمن السيبراني، أكد الشهورزي أن هذا التوازن يقوم على تنظيم متناسب مع المخاطر، واختبار الحلول تحت الإشراف، وربط التوسع في السوق بمستوى الجاهزية والالتزام.
أربعة مسارات
وأوضح أن الجهات التنظيمية تعتمد في ذلك على أربعة مسارات رئيسة، يبدأ أولها باختبار الحلول قبل التوسع من خلال البيئة التجريبية الرقابية، بما يتيح تقييم المنافع والمخاطر وأوجه القصور في بيئة آمنة، فيما يتمثل المسار الثاني في دمج حماية المستهلك والأمن السيبراني في تصميم المنتجات، من خلال تقييم المخاطر التشغيلية والمالية والقانونية والسيبرانية، وحماية البيانات والإفصاح للعملاء.
وأضاف أن المسار الثالث يرتبط بمتطلبات النشاط وحجم مخاطره، بما في ذلك التعامل مع الأموال وحساسية البيانات واستمرارية الخدمات، بينما يركز المسار الرابع على تعزيز التنسيق الرقابي وتوضيح المتطلبات التنظيمية للشركات قبل دخولها السوق، مع احتفاظ كل جهة باختصاصاتها القانونية.
وأشار إلى وجود توجه لتطوير الأطر التشريعية والتنظيمية بما يواكب نماذج الأعمال المالية المستحدثة، موضحًا أنه جرى بالفعل نشر أطر تنظيمية تتعلق بالصيرفة المفتوحة والبنوك الرقمية وغيرها من المسارات ذات الصلة.
وقال الشهورزي إن المؤسسات المصرفية والمالية ستكون شريكًا أساسيًا في تطوير حلول التقنيات المالية، من خلال الشراكة مع الشركات الناشئة واختبار الحلول الجديدة ضمن مسارات تنظيمية واضحة وتحت الإشراف.
وأوضح أن مجالات التعاون في القطاع المصرفي تشمل تطوير خدمات المدفوعات والصيرفة المفتوحة، وتحسين تجربة العملاء وفتح الحسابات وتبسيط إجراءات التمويل، إلى جانب إتاحة التكامل التقني مع الشركات الناشئة.
وأضاف أن الصيرفة المفتوحة تتيح، بموافقة العميل، ربط حساباته المصرفية المختلفة في منصة واحدة وإدارة خدماته المالية بصورة أكثر تكاملًا وابتكارًا.
وفي قطاع الخدمات المالية، أشار إلى أن التعاون يركز على تطوير المنتجات الرقمية وتسريع معالجة المطالبات وتحسين تقييم المخاطر، بينما تشمل مجالات الخدمات المالية الأخرى أسواق رأس المال وإدارة الاستثمار وتطوير المنتجات الاستثمارية وإدارة المحافظ.
تأهيل الكفاءات الوطنية
وأكد الشهورزي أن الكفاءات الوطنية تمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح واستدامة الاستراتيجية، وأن بناء القدرات المتخصصة في التقنيات المالية يرتكز على توفير تعليم وتأهيل يجمع بين المهارات التقنية والمعرفة المالية والتنظيمية، ويرتبط باحتياجات المؤسسات المالية والسوق.
وأشار إلى أن المبادرات شملت برامج الشهادات المهنية في التقنيات المالية بالتعاون مع كلية الدراسات المصرفية والمالية والبنك المركزي العُماني واعتماد برنامج ماجستير متخصص في المجال، فضلًا عن التعاون مع جامعة السلطان قابوس التي أدرجت مقررًا في التقنيات المالية منذ عام 2023، مع توفير فرص للتدريب الصيفي.
وأضاف أن الجهود تشمل تنظيم «هاكاثونات» في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المالية لاكتشاف المواهب ومعالجة تحديات عملية، ويأتي ذلك أيضًا من خلال وجود برامج الحاضنات والمسرعات في التقنيات المالية.
وأوضح أن العمل يجري على ربط هذه المهارات بالمعرفة المالية والتطبيقات العملية، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والمدفوعات الرقمية، بما يدعم تأهيل كوادر وطنية قادرة على تلبية احتياجات القطاع.
وحول الشراكات الخارجية، أفاد الشهورزي بأن الاستراتيجية تهدف إلى تعزيز حضور سلطنة عُمان في منظومة التقنيات المالية العالمية، واستقطاب الاستثمارات والخبرات، وتمكين الشركات العُمانية من التوسع خارج السوق المحلي.
وبيّن أن الجهود تشمل تعزيز التعاون مع دول مجلس التعاون من خلال الروابط القائمة بين الجهات الرقابية والمالية، إلى جانب توسيع التعاون مع الأسواق العربية والعالمية عبر شبكات التعاون الدولية وتبادل الخبرات، بما يدعم التكامل في مجالات التقنيات المالية عبر الحدود.
وأضاف أن هذه الروابط تتيح للشركات العُمانية الوصول إلى أسواق جديدة وتوسيع حلولها في مجالات المدفوعات والتأمين والخدمات المالية الرقمية، والتعرف مبكرًا على المتطلبات التنظيمية للأسواق المستهدفة، فضلًا عن استقطاب المستثمرين والشركاء التقنيين وتصدير الحلول العُمانية في مختلف مجالات التقنيات المالية.
أثر الاستراتيجية
وعن التوقيت المتوقع لظهور أثر الاستراتيجية على السوق والمستهلك، أوضح أن النتائج ستظهر بصورة تدريجية مع تقدم مراحل التنفيذ، وليس منذ الأسابيع أو الأشهر الأولى، مشيرًا إلى أن المرحلة الأولى ستركز على تفعيل البوابة الموحدة، واستقبال الطلبات، والتعرف بصورة أكبر على حجم السوق والفرص المتاحة، وتعزيز التنسيق بين الجهات المختصة.
وبيّن أن أبرز الآثار المباشرة المتوقعة تتمثل في تحسين رحلة المستثمر، وتسهيل تقديم الطلبات والوصول إلى الجهة التنظيمية المختصة، وتقليل الوقت اللازم لاستكمال الإجراءات والموافقات، بما يرفع كفاءة دخول الشركات إلى السوق.
وأضاف أن النتائج المبكرة تشمل تفعيل الحوكمة وتحديد المسؤوليات بين الجهات، ووضوح المسارات التنظيمية، ونجاح المشروعات المؤهلة في البيئة التجريبية الرقابية وانتقالها إلى السوق، إلى جانب تعزيز الشراكة بين المؤسسات المالية وشركات التقنيات المالية.
وأكد الشهورزي أن تقدم التنفيذ سيتيح قياس النتائج من خلال عدد الشركات المستقطبة، وعدد الشركات الحاصلة على الموافقات، وحجم الاستثمارات، والنتائج الاقتصادية المتحققة، بما يوفر أساسًا أدق لتقييم أثر الاستراتيجية في المراحل المقبلة.