تقنية الذكاء الاصطناعي وضبط مخاطرها
ترجمة: قاسم مكي
الأربعاء / 25 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 22:07 - الأربعاء 7 أكتوبر 2026 22:07
ما يبدو لي غريبا وعجيبا أن حبة دواء جديدة لمعالجة حرقة المعدة في الولايات المتحدة تمر عبر سلسلة من التصديقات والاختبارات التي تمتد لشهور أو حتى سنوات قبل طرحها للاستخدام العام.
لكن التقنية الأقوى على الإطلاق والقادرة على اختراق البنوك وإغلاق شبكات الكهرباء أو المساعدة في إنتاج الأسلحة البيولوجية يمكن طرحها حتى دون مراجعة حكومية أولية.
نحن لدينا فشل جماعي في تصوُّر الذكاء الاصطناعي. ففي حين أطلق عديدون ممن هم أقرب لهذه التقنية تحذيرات خطيرة وحثوا على ضرورة الإشراف عليها لا يبدو أنها تشكل قلقا كبيرا لدى الناس. فالكونجرس بالطبع تخلى حتى الآن عن دوره كصانع للقوانين. وإدارة ترامب سعيدة بترك صناعة الذكاء الاصطناعي تنظم نفسها بنفسها.
الرئيس ترامب محق في أن مصطلح «الذكاء الاصطناعي» لا يستوعب هذه الظاهرة التقنية؛ فهو ذكاء فائق وقدرة تحليلية أعظم من قدرة أي فرد بشري أو ربما حتى مجموعات من أذكى البشر.
نحن نلجأ إلى التشبيهات لوصف الذكاء الاصطناعي ونقول إنه مثل الثورة الصناعية والكهرباء وشبكة الإنترنت. لكن الكهرباء لا تصبح أكثر ذكاء بمتوالية هندسية كل ستة أشهر. والإنترنت لا يمكنها حل المسائل الرياضية وتشخيص الأمراض أو تصميم أسلحة جديدة.
يمكن للأشرار استخدام هذه القوى الفائقة لأغراض شريرة؛ لكن ذلك ليس السيناريو الأكثر إثارة للذعر. لقد شاهدنا نماذج للذكاء الاصطناعي وهي تخترق قواعد بيانات وأنظمة حاسوبية في سعيها وراء أهداف لم يُطلب منها تحقيقها.
وبدا لنا فجأة أن التجربة الفكرية القديمة حول مشابك الورق أقل غرابة. ففي تلك التجربة يُطلب من الذكاء الاصطناعي مضاعفة إنتاج مشابك الورق فينطلق في جنون للاستيلاء على كل الطاقة والموارد المتاحة في العالم لكي يصنع المزيد والمزيد من المشابك إلى ما لا نهاية ودون توقف.
الخطورة ليست في أن تصبح الآلة شريرة ولكن أن تكون مدمرة على نطاق واسع وبقدر لا يمكن توقعه في أثناء سعيها لتحقيق هدفها المشروع.
التنظيم الذاتي ليس ممكنا؛ فإذا أنفق معمل ستة أشهر في اختبار نموذج قوي في حين طرح منافسوه نماذجهم (على الفور) ستترتب عن حصافته عقوبة تجارية.
الشركات نفسها تدرك ذلك؛ طالعوا النداءات التي أطلقها في العامين الماضيين الباحثون وكبار المسؤولين في كل شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة تقريبا وستجدون تحذيرات من منافسة «السباق إلى القاع» والتي قد يفضِّل فيها الجميع قدرا أكبر من الأمان لكن لا أحد يملك القدرة على المبادرة بإبطاء سرعته.
تلك مشكلة «عمل جماعي» تقليدية؛ وهي بالضبط المشكلة التي أُعِدَّت اللوائح التنظيمية لحلَّها. وكبداية لذلك يمكن ببساطة تحويل العديد من تدابير الأمان الطوعية التي اقترحها قطاع الذكاء الاصطناعي الى قواعد إلزامية.
لكن ماذا بشأن الصين؟ الحجة التي مفادها أن الإجراءات التنظيمية في الولايات المتحدة تعني ببساطة «فوز الصين» قائمة على فرضية خاطئة.
فالصين لا تنطلق إلى الأمام بدون ضوابط؛ لقد وضعت بكين قواعد لأنظمة الذكاء الاصطناعي القوية تتطلب إجراء تقييمات أمنية وتقيِّد كيفية تطوير ونشر النماذج.
ولا يوحي التاريخ بأن التنافس التقني يجب أن يعني التخلي عن الأمان. فأثناء الحرب الباردة وجدت الولايات المتحدة نفسها في سباق نووي «وجودي» مع الاتحاد السوفييتي.
رغم ذلك أوجبت لوائحنا ترخيص المفاعلات المدنية واستيفائها معايير الأمان الفيدرالية. وفي الحقيقة الروس هم الذين كانت لديهم ثقافة أمان ضعيفة وإشراف غير كاف؛ وهو ما قاد إلى كارثة «تشيرنوبيل.»
بعدها سعت واشنطن وموسكو إلى توسيع مجال تعاونهما حول الأمان النووي إدراكا منهما إلى أن بعض المخاطر تتعدى التنافس الوطني. فكلما كان التنافس أكثر احتداما والتقنية أكثر خطورة كلما زادت أهمية وضع بعض القواعد التي تحكم السباق.
اللوائح التنظيمية المعقولة يمكن أن تجعلك أقوى؛ فبعد الأزمة المالية في عام 2008 فرضت واشنطن قواعد أساسية جديدة على البنوك الأمريكية تتضمن زيادة رأس المال واختبارات الإجهاد (التحمّل) وقيودا على المخاطرة. وَلْوَلَت البنوك وصرخت شاكية.
ووصف رئيس مجلس إدارة بنك «ويلز فارجو» اختبارات الإجهاد بالسخف. لقد قيل لنا أن واشنطن كانت تكبّل واحدة من أعظم صناعات أمريكا.
لكن ما الذي حدث؟ في العام التالي ازدهرت البنوك الأمريكية. فحسب مجلة «كوارتز» في الفترة من 2012 الى 2022 تقريبا حققت أكبر ستة بنوك أمريكية أرباحا بلغت 643 بليون دولار وأكثر مما حصلت عليه في العقد السابق لتلك الفترة. وهي لم تصبح أكثر ثراء فقط بل هيمنت على العالم على نحو لم يحدث أبدا من قبل.
إلى ذلك، لدى أكبر ستة بنوك أمريكية اليوم رَسْمَلَة سوقية تفوق بها في مجموعها أكبر 20 بنكا أوروبيا.
في بداية العشرية الأولى كانت الرسملة السوقية لبنك «جي بي مورجان تشيس» أقل بحوالي 40% من رسملة «اتش إس بي سي» وهو أكبر بنك في أوروبا. أما اليوم الرسملة السوقية لمصرف جي بي مورجان تشيس، وهو الآن أكبر بنك أمريكي، تفوق الرسملة السوقية لأكبر أربعة بنوك أوروبية مجتمعة.
لم تكن اللوائح التنظيمية السبب الوحيد لذلك؛ فأمريكا تعافت بوتيرة أسرع وأوروبا تعثرت. كما استفادت البنوك الأمريكية من خفض الضرائب. لكن إجبار البنوك على زيادة رأس المال والتخلص من المخاطر واختبار قدرتها على البقاء أمام الصدمات القاسية لم يدمر تنافسيتها بل عززها.
سيكون الذكاء الاصطناعي التقنية المهيمنة في القرن الحادي والعشرين. وسترغب الولايات المتحدة في السيطرة عليه. لكن السيطرة لن تتحقق ببساطة للبلد الأسرع في بناء نماذجه الأقوى. بل ستذهب الى البلد الذي يرغب العالم في الثقة بذكائه الاصطناعي، ببياناته وبنيته التحتية وشركاته وحتى أسلحته.
ستبني الصين ذكاء اصطناعيا قويا جدا. وعلى الولايات المتحدة بناء ذكاء اصطناعي قوي، لكن أيضا آمنا مع تمركزه حول الإنسان وسيطرة البشر عليه. التقنية الأمريكية المقترنة بالقيم الأمريكية ستكون أفضل ميزاتنا التنافسية.
فريد زكريا كاتب رأي في صحيفة واشنطن بوست ومقدم برنامج يتناول القضايا الدولية والشؤون الخارجية على شبكة سي ان ان