«عناية خاصة»..فرجة مسرحية ظفارية
الأربعاء / 25 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 19:11 - الأربعاء 7 أكتوبر 2026 19:11
وهذه الميزات جعلته ينجح في بناء صلة وثيقة مع الجمهور العام، وليس فقط جمهور النخبة، فحقّق حضورًا واسعًا، أنعش شبّاك التذاكر، خصوصًا عندما تُعرض الأعمال في الأعياد والمناسبات دون أن يدير ظهره للمسرح الجاد والتجريب والمدارس المسرحيّة الحديثة، فقد حاول موازنة طرفي المعادلة، ولكلّ مقام مقال.
ففي العروض الجماهيرية لا بدّ من طغيان الكوميديا على أعمال الفرق التي تقدّم عروضها في المناسبات الجماهيرية، ومن أبرزها: مهرجان خريف ظفار الذي صار موسمًا مسرحيًّا تحرص عليه الفرق المسرحية في المحافظة.
وحين جعلت هذه الفرق حضور هذه العروض يمرّ عبر شباك التذاكر، أدخلت المسرح في مجال الاستثمار الثقافي، فوفّرت دخلًا لهذه الفرق والعاملين فيها، وصنعت نجومًا عرفهم الجمهور العريض، وأحبّهم، وتابع عروضهم.
فأمضينا وقتًا ممتعًا في متابعة أحداث العرض التي تدور في قسم العناية الخاصّة بأحد المستشفيات، وكانت البداية مع صوت جهاز مراقبة القلب ودقّاته، ثمّ إدخال مريض محمول على نقالة لسيارة إسعاف، صوتها يصمّ الآذان، مشيرًا إلى وجود حالة طارئة، وخوف، وتوجّس، وشعور بالخطر، فيوضع المريض، الذي يتّضح لاحقًا أنه تعرّض إلى حادث سير، في غرفة العناية الخاصّة، ويقوم بذلك مسعفون ذوو أجساد ضخمة جدًا، وكأننا في مشهد كابوسي نراه في المنام، وسط جوّ مليء بالتوتّر.
وتزيد من توتّره الإضاءة الوامضة الزرقاء والحمراء، التي تُسلّط على المسرح، وهي من تصميم (عمر ناجي)، فتكشف عن وجود مجموعة من المرضى الذين يرقدون في الغرفة.
ومن هذا المشهد الاستهلالي الذي يوحي بالخطر، يضعنا فريق العرض في قلب الحدث، ثم تنكشف الأضواء عن مرضى ظرفاء يضطجعون على أسرّتهم في غرفة العناية، فينقلوننا إلى أجواء مختلفة ذات طابع كوميدي، فتحدث عدّة مفارقات تتمّ من خلالها مناقشة العديد من المشكلات الاجتماعية، من بينها: حوادث السير، والعاطلون عن العمل، ورصد لأحداث تجري في مراكز صحية، وظواهر اجتماعية في بيئات العمل كالبيروقراطية، ومعاناة المراجعين بأسلوب ساخر جعل الجمهور يضحك من أعماقه، ويتفاعل مع الممثلين.
فنجح فريق العمل في توظيف الكوميديا، وجعلها في خدمة النقد الاجتماعي اللاذع، فصفّق الجمهور لهم طويلًا.
وفي نهاية العرض يجمعون حاجياتهم ويهمّون بمغادرة المكان، والمفارقة الأخيرة تظهر في المشهد الختامي حين يتّضح أن المرضى هم زوّار للمريض قدموا للاطمئنان عليه، ولكنّ حقنة التخدير جعلته يقع في هلوسة، فيعتقد أن الزائرين مرضى يشاركونه المكان.
وأجاد الممثلون في أداء أدوارهم، وخصوصًا الفنان الكبير عبدالله مرعي، الذي يُعدُّ من نجوم الكوميديا في المسرح العُماني، فأعطته لجنة التحكيم، التي ترأسها الدكتور سعيد السيّابي، جائزة أفضل ممثل أوّل في المهرجان، مثلما نال الفنان هشام صالح جائزة أفضل ممثل ثانٍ. وساهمت عناصر العرض في شدّ أنظار الجمهور، وأبرزها السينوغرافيا التي صمّمها الفنان عمر ناجي، والمؤثرات الصوتية لعمر الشنفري، مع عزّة القاسمي التي قامت بتصميم أزياء عرض أمتع الجمهور، ونال جائزة أفضل عرض متكامل عن مسار مسابقة (مسرح ظفار)، مؤكّدًا أن المسرح متعة وفرجة جماهيريّة ورسائل اجتماعية بليغة.