أفكار وآراء

استلاب الإنسان في عالم التكنولوجيا

سبق أن كتبت بهذه الجريدة الرصينة مقالات عديدة في إطار ذلك الموضوع الذي هو موضوع الأمس واليوم والغد: وهو موضوع الأمس؛ لأنه كان مطروحًا فيما بعد الثورة الصناعية في كتابات فلاسفة ومفكرين كبار من أمثال: هيجل وماركس ومن بعدهما فلاسفة المدرسة النقدية المعروفة باسم «مدرسة فرانكفورت»؛ إذ رصد هؤلاء ظاهرة سيطرة الآلة على الإنسان العامل، والإنسان المثقف، بل على الإنسان بما هو إنسان، أعني على الوعي والذات الإنسانية نفسها.

فما معنى «التكنولوجيا»؟ وبأي معنى تعمل التكنولوجيا على «استلاب» الإنسان؟

الأصل في التكنولوجيا أنها نتاج تطبيق العلم النظري البشري الذي يتمثل في إنتاج الأدوات التي يسعى الإنسان من خلالها إلى السيطرة على عالم الطبيعة؛ من أجل رفاهته وتطور أسلوب معيشته.

ولكن بعد عصر الثورة الصناعية أصبحت الآلات هي التي تسيطر على الإنسان، لكن الإنسان العامل أصبح يشعر بالاغتراب أمام آلة لا يملكها ولا يجني ثمار إنتاجها، فأصبحت هي التي تتحكم في عمله ومعاشه.

بل إن تطور التكنولوجيا أدى إلى صنع آلات تتحكم في أسلوب حياتنا اليومية، وتعمل على تعميق اغترابنا أو استلابنا. والحقيقة أن حالة الاستلاب تنشأ عن حالة اغتراب؛ فالاستلاب هو اغتراب المرء عن ذاته وفقدانه لهويته وشروط وجوده الإنساني بالاستغراق في عالم مضاد لطبيعته الإنسانية وهويته وحريته.

ولكن هذا الاستلاب قد حدث ولا يزال يحدث بشكل متسارع في عالمنا؛ لأن التكنولوجيا لم تعد تشكل جزءًا من عالمنا مثلما كانت فيما مضى، وإنما تشكل مجمل عالمنا الراهن؛ ثم فقد بات هذا الأمر يشكل مخاطرَ وتهديدات عديدة على الإنسان، سواء ما يتعلق منها بظواهر الاستلاب أو بغيرها من الإرهاصات الأشد خطرًا وفتكًا.

قد تتمثل ظواهر الاستلاب من خلال التكنولوجيا الرقمية عبر كثير من منصات التواصل الاجتماعي؛ فالذات هنا تقدم أو تعرض نفسها من خلال الصور والمنشورات والتفاعلات الرقمية، وكثير من الناس- خاصةً النساء- يصبحون منشغلين على الدوام بصورهم الرقمية كما تظهر على الشاشة، وبمدى إعجاب المشاهدين بها؛ وبذلك تصبح الذات الحقيقية مستلبة في عالم الصورة التي نريد أن نبدو عليها للآخرين. لكن هذا النوع من الاستلاب هو أقل ظواهر التكنولوجيا خطرًا على الإنسان.

التكنولوجيا الآن هي المكوِّن الرئيس لظاهرة العولمة التي يظن بعض الغافلين أنها قد أصبحت من الماضي باعتبارها ظاهرة تقليدية قُتِلت بحثًا، ولم يَعد هناك الكثير مما يمكن قوله عنها؛ لأن العولمة لم تعد مجرد عولمة اقتصادية تسعى فيها الدول الكبرى إلى السيطرة من خلال هيمنة الشركات الكبرى متعدية للجنسيات (Trans-National Corporations)، بل أصبحت تُعرف الآن باسم «عولمة التكنولوجيا»، وهي ظاهرة أخرى أشد خطرًا على الذات الإنسانية من ظواهر العولمة التقليدية.

تتمثل هذه العولمة الجديدة في تنافس الدول العظمى في الهيمنة على العالم من خلال امتلاك وتطوير الذكاء الآلي أو الاصطناعي.

يبلغ هذا التنافس ذروته في التسابق المحموم بين أكبر قوتين في هذا المجال، وهما الولايات المتحدة الأمريكية والصين، حتى أن ترامب رفض وضع قيود أو ضوابط على الذكاء الاصطناعي، ويزعم أنه يسعى إلى تطوير برامج الذكاء الاصطناعي بحيث تبقى الولايات المتحدة الأمريكية متفوقة على الصين بمقدار سنة من التطور! والواقع أن الدول العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تدعي أنها تعمل على تطوير نُظم وبرامج الذكاء الاصطناعي من أجل مصلحة الإنسان، بينما الهدف الحقيقي هو السيطرة عليه من أجل تحقيق مصالحها الخاصة في الهيمنة والسيطرة على العالم.

ولا يقتصر مكمن الخطر هنا فقط في أن هيمنة الذكاء الاصطناعي على سائر الفاعليات والمعارف الإنسانية يعني التحكم في سلوك البشر وإضعاف قدراتهم على الإبداع والابتكار والتساؤل والحوار الحقيقي، وفقدانهم للمعرفة التي تأتي من خلال الخبرة المباشرة بالعالم وبالناس وبالأشياء عبر الجسد والزمان والمكان،؛ ولا يكمن الخطر فقط في قيام الآلة الآن بالتحليل والتصنيف والتصميم وإنتاج الصور والنصوص بالنيابة عن الإنسان، وإن كان كل هذا من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى استلاب ذواتهم ووعيهم فيما تقدمه لهم برامج الذكاء الاصطناعي.

ذلك أن الأمر الأشد خطورة يتمثل في تطوير ما يُعرَف باسم «الذكاء الاصطناعي التوليدي» دون قيود أو ضوابط؛ ليس فقط لأن الذكاء الآلي سوف يتجاوز قدرات الذكاء الإنساني، وإنما أيضًا- وفي المقام الأول- لأننا بذلك سنعمل على تطوير الآلة بحيث تصبح قادرة على تطوير ذاتها بحيث تكون قادرة على تطوير فاعلية برامج، واتخاذ قرارات وإشعال حروب سيبرانية من دون تدخل الإنسان.

وفي هذا قد ينقلب السحر على الساحر؛ فالسحرة الذين يريدون التحكم في العالم من خلال سحر التكنولوجيا وسطوتها قد ينقلب عليهم هذا السحر حينما يصبحون غير قادرين على التحكم فيه!

تزداد المخاطر حينما يصبح بعض الأفراد قادرين على اختراق برامج الذكاء الاصطناعي والتحكم فيها، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى جيل Z وآلفا وبيتا الذين يمكن وصفهم «بالجيل الرقمي» باعتبار أن عالمهم هو عالم التكنولوجيا الرقمية.

وكل هذا يعني في النهاية أن منظومة الذكاء الاصطناعي برمتها ينبغي إدارتها وتقنينها من خلال المؤسسات الدولية التي يجب أن تفرض ضوابط صارمة في هذا الأمر على الدول والشركات والأفراد على السواء.