الزيارة السلطانية التي قام بها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى كازاخستان ولقاؤه المثمر مع الرئيس قاسم جومارت توكاييف في استانا يكتسبان أهمية كبيرة على صعيد الشراكات الاقتصادية والاستثمارية بين سلطنة عمان والدول الشقيقة والصديقة.
وتعد الزيارة التاريخية لجلالته إلى كازاخستان ذات بعد استراتيجي مهم تعزز العلاقات الدبلوماسية التي انطلقت عام ١٩٩٢.
وتأتي تلك الزيارة السلطانية التي اختتمت بالأمس بعد محادثات مميزة واستقبال حافل على الصعيدين الرسمي والشعبي والمؤشرات الوطنية والدولية للاقتصاد الوطني يسجل أرقامًا مميزة خلال الأعوام الستة الأخيرة، ولعل ذلك يعود إلى منهجية جلالة السلطان المعظم منذ توليه مقاليد الحكم في الحادي عشر من يناير ٢٠٢٠ بإعطاء الأولوية والاهتمام الكبير للملف الاقتصادي؛ إيمانا من جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ بأن تقدم الأوطان وتحقيق الرفاهية والازدهار الاقتصادي والاجتماعي لا يمكن أن يتحقق دون نهضة اقتصادية وسياسة تنويع مستدامة وفق مؤشرات واضحة تنسجم مع محاور رؤية «عمان 2040».
خلال السنوات الست من عمر النهضة المتجددة التي قادها بحكمة وثبات جلالة السلطان المعظم زار جلالته عددا من الدول العربية والدول الصديقة، وتم فتح آفاق حيوية للشراكات الاقتصادية مع تلك الدول والتي كان آخرها جمهورية كازاخستان، وقبلها عدد من الدول الأفريقية ذات الارتباط الحضاري والإنساني بسلطنة عمان تاريخيا.
وعلى ضوء ذلك فإن المؤشرات الوطنية أعطت الثمار من خلال زيادة الناتج المحلي الإجمالي، ونمو التجارة مع عدد من الدول العربية، خاصة دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من خلال التبادل التجاري البري ومن خلال الموانئ البحرية، وهناك شراكات قادمة مع عدد من الدول في القارات المختلفة.
كما أن التصنيف الدولي الأخير من قبل وكالات التصنيف الدولية أعطى الجدارة الاستثمارية للاقتصاد الوطني، كما أن توجيهات جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ خلال الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء في مدينة صلالة بأهمية وضع خطة للنمو التجاري غير النفطي أعطت مؤشرا كبيرا على انطلاق الاقتصاد الوطني نحو آفاق حيوية خلال السنوات القليلة القادمة رغم المشكلات الجيوسياسية في المنطقة.
كانت «زيارة الدولة» التي قام بها جلالة السلطان المعظم إلى كازاخستان ذات أهمية كبيرة لتطوير العلاقات مع جمهوريات آسيا الوسطى بشكل عام؛ حيث إن هناك إمكانات كبيرة لتلك الدول، وهناك قواسم مشتركة بينها وبين بلادنا سلطنة عمان، خاصة على صعيد الثوابت السياسية، والرؤية الاقتصادية والاستثمارية، وفي مجال الطاقة المتجددة، وفي قطاع السياحة.
ولعل نموذج جمهورية كازاخستان يشكل خطوة مهمة؛ حيث نتج عن الزيارة السلطانية توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والبرامج التنفيذية؛ منها تأسيس الصندوق الاستثماري المشترك، واتفاقية تعاون في مجال استكشاف النفط والغاز.
وهناك التعاون الاستراتيجي في مجال الطاقة المتجددة علاوة على مذكرة التفاهم في مجال استكشاف المعادن، وعدد من المذكرات والبرامج والتفاهمات في مجال النقل الجوي، وإنشاء المجلس العماني الكازاخستاني للأعمال، والتعاون في تنشيط المجالات السياحية والتجارية، وفي عدد من المجالات الحيوية.
إن الزيارات السلطانية المتعددة والتي سوف تتواصل إلى عدد من الدول أفرزت جملة من النتائج المهمة، وهي وضع الاقتصاد الوطني في المكانة الإقليمية والدولية التي يستحقها بلد عريق وتاريخي كسلطنة عمان، خاصة وأن جلالته أشار مؤخرا خلال ترؤسه مجلس الوزراء في صلالة إلى ضرورة استغلال الموقع الاستراتيجي للبلاد على البحار المفتوحة؛ حيث أثبت موقع سلطنة عمان بأنه الموقع المثالي خلال أزمات المنطقة، كما أن المناطق الاقتصادية الخاصة في منطقة الدقم وصلالة وصحار، أصبحت نقاط جذب تجارية ولوجستية، وسجلت تلك المناطق الاقتصادية تطورا إيجابيا في ظل وجود التشريعات التي تحفز وتشجع على الاستثمار وجلب الأموال والتي من شأنها تنشيط الاقتصاد الوطني، وتوفير المزيد من فرص العمل للشباب العماني، وخلق حالة اقتصادية وتجارية مزدهرة بما يعود بالنفع على الوطن والمواطن.
إن خلق اقتصاد متنوع وديناميكي يحتاج إلى جهود كبيرة، وإلى وقت طويل من خلال تغيير المنظومة والتخلص من البيروقراطية والفساد وتغيير التشريعات والقوانين، وخلق مناخ جاذب وسط منافسة كبيرة بين الدول.
وعلى ضوء ذلك؛ فإن ما تحقق من نمو اقتصادي ومؤشرات إيجابية وخفض كبير للدين العام للدولة يعد إنجازا نوعيا ملفتا. وهناك إشادات من قبل منظمات التصنيف الدولي ومن الصناديق الدولية.
على ضوء ذلك تتواصل الجولات السامية المباركة من أجل الوطن وشعبه من خلال خلق وتعزيز تلك الشراكات الاقتصادية.
وفي تصوري أن على الجهات الحكومية والقطاع الخاص دورا كبيرا في ترجمة تلك الزيارات ونتائجها الحيوية إلى سرعة في التنفيذ، وهناك جهود كبيرة لا شك تبذل، وما المؤشرات الإيجابية إلا دليل على ذلك ولكن من المهم تنفيذ تلك الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في ظل منافسة قوية في عالم اليوم، وفي ظل ساحة إقليمية ودولية مضطربة؛ حيث المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية تتواصل، والحصار البحري يتواصل، وليس هناك يقين متى تنتهي الحرب العبثية في المنطقة والتي أضرت بمصالح العالم التجارية، وعلى صعيد الطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد وارتفاع سعر الطاقة، وخلق حالة من عدم الاستقرار.
وتظل الزيارات السلطانية المتواصلة لجلالة السلطان المعظم موجهة نحو تعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، وتعزيز العلاقات السياسية، وخلق الفرص الواعدة بما يحقق أهداف تلك الشراكات، ويعزز النمو الاقتصادي وخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ظل مؤشرات واعدة ومميزة للاقتصاد الوطني، خاصة هذا العام الذي شهد قفزات نوعية على صعيد النمو والتبادل التجاري والتصنيف الدولي، وارتفاع ملحوظ للناتج الإجمالي المحلي بالأسعار الثابتة، مما يحقق الأهداف الوطنية التي يسعى جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى تحقيقها رفعة للوطن العزيز والشعب العماني الكريم.
حفظ الله جلالة السلطان المعظم في حله وترحاله، ووفقه لما فيه الخير للوطن والمواطن.