أعمدة

الزَّبَد والنافع

أُطلقت في القاهرة يوم 1 أكتوبر 2026 منصّة كلمات التي كانت بمبادرة الجامعة الألمانية الحرّة، وفريق عملها، وباحتضان معهد البحوث والدراسات العربية، وبجهد مضن من عالمة أفادت العربيّة وأدبها بما يفوق جهود مؤسّسات، وهي في قلَّة من فريقها، وفي نُدرةٍ من مالها، غير أنّي أُكبر فيها جدّها وعمقَها وإصرارها وهي الأستاذة الدكتورة بياتريس غروندلر، المرأة التي وقفت لأكثر من سنتين على رأس فريقٍ جَمعَ بين الباحثين المتعمّقين، يصحبها في تنفيذ هذا المشروع عضوان نشطان هما يوهانس شتيفان ووليد الحطابي، إضافة إلى أسماء لها منزلة ودور في البحث العلمي، وجمعٍ من الباحثين في خطواتهم البحثيّة الأولى، يتلمّسون الطريق، ويهتدون إلى التعمّق في الأدب العربي وفي الثقافة العربيّة.

ومن وراء هذا الفريق هيئة علمية عميقة، تكوّنت من أسماء فاعلة ونشطة منها شكري المبخوت من تونس، أستاذ الأدب العربي بجامعة الإمارات، وجوخة الحارثي من سلطنة عُمان، الأستاذة الزائرة بجامعة أكسفورد، وطاهرة أستاذ الأدب العربي بجامعة شيكاغو، أصيلة الهند.

سنتان من البحث الدؤوب والعمل الشاقّ في تخيّر المفاهيم والمصطلحات النثرية والشعريّة، والوقوف على حدودها وتفاصيلها، وقراءة الأعمال وتدقيقها، وترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، فمن أفضال المنصّة أنها تجمع بين اللغتين، وتنشر المدخل أو المقالة باللغتين، وانتهى المنظّمون من بعد ذلك إلى عقد ورشة علمية في القاهرة، طُرحت فيها مختلف التصورات المفهومية والاختبارية لمفاهيم الأدب العربي، ونوقشت بدقّة وتفصيل، ليتَوَّج كل ذلك بإطلاق المنصّة بقسم من المقالات الجاهزة، في حفلٍ بهيج، برزت فيه أعمال فريق متناسق جامع بين الأدب والرقميّات في إضاءة مجالٍ في تاريخ الأدب العربي دقيق.

تمثّل الإنجاز في تكوّن فريق علميّ يحتاج إلى تمويل حصل عليه وسخّره لتنشيط حقول في مجال دراسة المخطوطات والنصوص الأدبية في التراث العربي مفيدة عمليّة نافعة، لا تبقى طيّ الرفوف مثل أغلب بحوثنا العلميّة، وإنّما هي أطلقت للعموم ومجانًا.

وتمثل قيمة هذا الإنجاز العلميّة في أنّه متأسّس على مواقف وآراء محكّمة وأنّه منفتح دوما على ممكن الإضافة والتحسين والتدقيق، فالمنصّة تقبل دوما إعادة تدقيق أعمالها، وتلقّي المساهمات الجديدة في تعريف أو تحديد مفاهيم جديدة.

أردت الحديث في هذا الموضوع في وقت يُعاني فيه الأدب العربي بحثًا وتدقيقًا وتأريخًا التهميش والإعراض ويُوضَع في جامعاتنا في أدنى المراتب، في حين نجد من المستعربين فئة أخلصت العمل وتدبّرت نقائض وثغرات تركناها على عواهنها.

شخصيّا عندي موقف حذر جدّا من اهتمام المستعربين بأدبنا، وأحمل فكرة المؤامرة دومًا، غير أنّ في المستشرقين أعلاما أفادوا الأدب العربي والحضارة العربية بعمق، وأنجزوا للأدب العربي ما لم يُنجزه أبناؤه، وأحدّد في هذا المقام المدرسة الألمانية، وعلى رأسها العلَم الفارق فؤاد سزكين في مؤلّفه الضخم «تاريخ التراث العربي الإسلامي»، الذي أفاد تاريخ الأدب العربي بشكل جذري عميق، وتواصلت أعمال المدرسة الألمانية في أوجه مختلفة ومجالات متعددة، حضارةً وإسلاميّات وأدبا ولغة وتاريخا.

لقد فكّرت عندما شاركتُ في أعمال هذه المنصّة وفائدتها في الكمّ الهائل لأنشطتنا الجامعية التي تذهب خواءً وهباءً وخاصّة في تنظيم مؤتمرات وندوات تأخذ الجهد الجهيد والمال الوفير دون طائلٍ منها في أغلب الأحيان، وتذهب زبَدًا دون أن تترك أثرًا قريبا أو بعيدا، أليس من الأجدر أن نوجّه هذه الأموال وهذه الجهود إلى أعمالٍ باقية.

نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى تصنيف أدبنا وتحديد مجالاته. وقد دارت محاور الورشة التي سهرت عليها ونظّمتها الجامعة الحرة ببرلين، وأقامت لها خيطا بيْنيًّا يجمع الفنيين المبرمجين وأصحاب الأدب، ذلك أنّ فريق العمل تكوّن من خبراء في الترجمة وفي البرمجيات من الضالعين في اللغة العربيّة حتّى لا تفقد المنصّة في صورتها العربيّة وجهها ومظهرها، باعتبار أنّ أغلب البرمجيّات تقبل الكتابة من اليسار إلى اليمين لا من اليمين إلى اليسار.

الورشة تضمنت سبع جلسات علمية مفهومية، عملت على طرح إشكاليات تجنيسية عديدة وطرحت إشكاليات عميقة، فما الفرق الشكلي والمضموني بين النادرة والخبر والمنامة والرسالة والخطابة وغيرها من صنوف التأليف العربي القديم.

لم أرد من هذا المقال التعريف بالمنصة التي فُتحت لكلّ مهتمّ بالأدب العربي مجانًا، ولا عرض نشاطها وجديّتها فحسب، بل أردت أن ينظر أصحاب النشاط في الجامعات العربية إن وُجدوا في طريقة نافعة يصرفون فيها مخصّصاتهم الضئيلة لتنشيط الأدب العربي وبعثه من ممكن مماته، لك أنّ ما ينفع الناس يبقى في الأرض، فهل وقفنا لنفكر ما الذي أبقيناه؟