شوارع بلا زحام
الثلاثاء / 24 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 19:22 - الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 19:22
وهذه الاختناقات تحدث غالبًا في الأوقات نفسها من اليوم؛ في الصباح الباكر عند ذهاب الطلاب والموظفين إلى مدارسهم وأعمالهم، وتتكرر عند عودتهم بعد انتهاء يومهم الدراسي أو العملي.
وتقريبًا لا يمر يوم عمل إلا ونواجه هذه المشكلة ونبحث عن حلول لها، ابتداءً من سائق السيارة في طريقه إلى عمله، وهو يكلم نفسه متأففًا، ومقترحًا الحلول الكثيرة التي يجدها مناسبة لحل مشكلته ومشكلة العالم بأجمعه.
وحتى المعنيون بالأمر، من صناع القرار والمشرفين على الطرق وتنظيم السير، يقترحون هم أيضًا الكثير من الحلول، التي يبدو أنها لم تتمكن حتى اللحظة من إنهاء المشكلة. وأكاد أجزم بأنهم لن يستطيعوا القضاء عليها تمامًا، ما دام هذا حال مدن العالم، لكن ذلك لا يعفينا من البحث عن وسائل تخفيفها وتجعل احتمالها أيسر.
وتُطرح إلى جانب ذلك مقترحات، مثل تنظيم حركة الدخول إلى المدارس والخروج منها، وتشجيع النقل الجماعي ومشاركة السيارات، وتحسين توقيت الإشارات المرورية. ولكل حل فائدته النسبية، لكن معظم الحلول لم تكن كافية لإنهاء المشكلة، ولعل جانبًا من السبب أنها لا تواكب دائمًا الزيادة في أعداد السكان والتوسع في الأنشطة الاسكانية والاقتصادية.
وهي مشروعات يتساءل البعض عن مدى جدواها في بيئتنا المحلية لحل مشكلة التنقل وتخفيف الازدحامات المرورية خصوصا ان الكثيرون يفضلون التنقل بسياراتهم الخاصة.
كما أن فرض رسوم على استخدام الطرق، كما تفعل بعض المدن العالمية، لا يعد خيارًا مناسبًا لنا في الظروف الحالية، ولا أظن أنه سيحقق الغرض منه ما لم تتوفر للناس بدائل عملية ومقبولة.
ومع استمرار هذه المشكلة اليومية، التي تتجاوز كلفتها دقائق التأخير والحالة المزاجية للسائق؛ إلى آثار اجتماعية أخرى فالوقت الذي نمضيه في الطريق يقتطع من راحتنا وحياتنا الأسرية والاجتماعية، وقد يصل أثر الإرهاق والتأخر إلى انتظامنا في العمل وقدرتنا على إنجازه.
ولهذا، فإن البحث عن حلول للازدحام يتعلق بجودة حياة الإنسان، بقدر ما يتعلق بانسياب السيارات والمركبات في الشارع.
ومع ذلك، تظل بعض التجارب العالمية جديرة بالنظر، ومنها توسعة خدمات النقل العام وتوفير مواقف تتيح للقادمين ترك سياراتهم واستكمال رحلاتهم بالنقل الجماعي، كما فعلت ستوكهولم السويدية وأيضا بعض تجارب المدن المليونية كلندن وسول الكورية التي قامت بتخصيص مسارات للحافلات في وسط الطرق على تحسين سرعتها وانتظام وصولها.
وتمنحنا هذه التجارب دراسة ما يناسبنا من هذه التجارب، وتجريبه في نطاق محدود، ثم قياس مدى إقبال الناس عليه وأثره في رحلاتهم اليومية.
غير أنني أعود إلى نفسي، عند اقتراح هذه الحلول وغيرها، لأقول إننا بحاجة إلى أن يصاحبها وعي بثقافة الشارع واستعداد لتغيير بعض عاداتنا؛ فنجاح أي بديل يتطلب أن يثق به الناس، وأن يجدوا فيه ما يشجعهم على استخدامه، وأن يؤمن كل فرد بأن له دورا، مهما بدا صغيرا، في تخفيف هذه المشكلة.
وربما نحتاج إلى حملة مجتمعية موسعة تشارك فيها الجهات المعنية وأماكن العمل والمدارس ووسائل الإعلام، وتربط التوعية بخطوات عملية، مثل تشجيع النقل الجماعي، ومشاركة السيارة حين يكون ذلك مناسبا، واحترام المسارات وأولوية المرور، وتجنب السلوكيات التي تزيد الاختناق.