أعمدة

شوارع بلا زحام

في موضوع الازدحامات المرورية، لنتفق أولًا على أنها ليست مشكلة محلية صرفة، بل تعاني منها مدن العالم، خصوصًا المكتظة بالسكان والتي تتركز فيها الأعمال والخدمات.

وهذه الاختناقات تحدث غالبًا في الأوقات نفسها من اليوم؛ في الصباح الباكر عند ذهاب الطلاب والموظفين إلى مدارسهم وأعمالهم، وتتكرر عند عودتهم بعد انتهاء يومهم الدراسي أو العملي.

وتقريبًا لا يمر يوم عمل إلا ونواجه هذه المشكلة ونبحث عن حلول لها، ابتداءً من سائق السيارة في طريقه إلى عمله، وهو يكلم نفسه متأففًا، ومقترحًا الحلول الكثيرة التي يجدها مناسبة لحل مشكلته ومشكلة العالم بأجمعه.

ولا يقتصر اقتراح الحلول على السائق، بل يتسع ليشمل الصحفيين والإعلاميين، الذين يتناولون هذه الاختناقات في برامجهم، وينبهون السائقين إلى مواقعها، ويناقشونها في الصحف ووسائل الإعلام الإلكترونية ومواقع التواصل، كما أفعل أنا حاليًا.

وحتى المعنيون بالأمر، من صناع القرار والمشرفين على الطرق وتنظيم السير، يقترحون هم أيضًا الكثير من الحلول، التي يبدو أنها لم تتمكن حتى اللحظة من إنهاء المشكلة. وأكاد أجزم بأنهم لن يستطيعوا القضاء عليها تمامًا، ما دام هذا حال مدن العالم، لكن ذلك لا يعفينا من البحث عن وسائل تخفيفها وتجعل احتمالها أيسر.

وقد جربنا، مثل غيرنا، الكثير من الحلول، لكن أثر بعضها كان أشبه بحبة مسكن؛ تخفف الألم لبعض الوقت، ثم يعود بمجرد أن ينتهي مفعولها. جربنا فتح طرق بديلة، وتوسعة الشوارع وإضافة حارات جديدة، وتنويع مواعيد الدوام، والعمل عن بُعد، وبعض محاولات النقل الجماعي.

وتُطرح إلى جانب ذلك مقترحات، مثل تنظيم حركة الدخول إلى المدارس والخروج منها، وتشجيع النقل الجماعي ومشاركة السيارات، وتحسين توقيت الإشارات المرورية. ولكل حل فائدته النسبية، لكن معظم الحلول لم تكن كافية لإنهاء المشكلة، ولعل جانبًا من السبب أنها لا تواكب دائمًا الزيادة في أعداد السكان والتوسع في الأنشطة الاسكانية والاقتصادية.

وفوق هذا كله، يظل تركز فرص العمل والخدمات في العواصم عامل جذب للمزيد من السكان، سواء من القرى والمدن الأخرى أو من خارج البلاد، بحثًا عن العمل والتعليم والسكن وفرص حياة أفضل. وهكذا تستقبل الطرق مزيدًا من السيارات، فيما تستقبل العاصمة مزيدًا من السكان والأعمال.

قد نكون قد استطعنا، وبكل سهولة، تشخيص الواقع داخل الشارع، لكننا لم نستطع بالقدر نفسه الوصول إلى التشخيص الحقيقي خارجه؛ فما يحدث وسط الطريق من اختناق قد نجد بعض حلوله بعيدًا عنه. ولا أعتقد، بكل صراحة، أن هناك الكثير من الحلول التي لم تُطرح من قبل؛ فكثير منها قد تمت تجربته، وكثير من تجارب دول العالم جرى الاطلاع عليه، بما فيها مشروعات النقل الجماعي المكلفة، كإنشاء المترو وما قد يتطلبه من أنفاق وبنية أساسية.

وهي مشروعات يتساءل البعض عن مدى جدواها في بيئتنا المحلية لحل مشكلة التنقل وتخفيف الازدحامات المرورية خصوصا ان الكثيرون يفضلون التنقل بسياراتهم الخاصة.

كما أن فرض رسوم على استخدام الطرق، كما تفعل بعض المدن العالمية، لا يعد خيارًا مناسبًا لنا في الظروف الحالية، ولا أظن أنه سيحقق الغرض منه ما لم تتوفر للناس بدائل عملية ومقبولة.

ومع استمرار هذه المشكلة اليومية، التي تتجاوز كلفتها دقائق التأخير والحالة المزاجية للسائق؛ إلى آثار اجتماعية أخرى فالوقت الذي نمضيه في الطريق يقتطع من راحتنا وحياتنا الأسرية والاجتماعية، وقد يصل أثر الإرهاق والتأخر إلى انتظامنا في العمل وقدرتنا على إنجازه.

ولهذا، فإن البحث عن حلول للازدحام يتعلق بجودة حياة الإنسان، بقدر ما يتعلق بانسياب السيارات والمركبات في الشارع.

ومع ذلك، تظل بعض التجارب العالمية جديرة بالنظر، ومنها توسعة خدمات النقل العام وتوفير مواقف تتيح للقادمين ترك سياراتهم واستكمال رحلاتهم بالنقل الجماعي، كما فعلت ستوكهولم السويدية وأيضا بعض تجارب المدن المليونية كلندن وسول الكورية التي قامت بتخصيص مسارات للحافلات في وسط الطرق على تحسين سرعتها وانتظام وصولها.

وتمنحنا هذه التجارب دراسة ما يناسبنا من هذه التجارب، وتجريبه في نطاق محدود، ثم قياس مدى إقبال الناس عليه وأثره في رحلاتهم اليومية.

غير أنني أعود إلى نفسي، عند اقتراح هذه الحلول وغيرها، لأقول إننا بحاجة إلى أن يصاحبها وعي بثقافة الشارع واستعداد لتغيير بعض عاداتنا؛ فنجاح أي بديل يتطلب أن يثق به الناس، وأن يجدوا فيه ما يشجعهم على استخدامه، وأن يؤمن كل فرد بأن له دورا، مهما بدا صغيرا، في تخفيف هذه المشكلة.

وربما نحتاج إلى حملة مجتمعية موسعة تشارك فيها الجهات المعنية وأماكن العمل والمدارس ووسائل الإعلام، وتربط التوعية بخطوات عملية، مثل تشجيع النقل الجماعي، ومشاركة السيارة حين يكون ذلك مناسبا، واحترام المسارات وأولوية المرور، وتجنب السلوكيات التي تزيد الاختناق.

وفي النهاية، لن تحل حملة توعوية وحدها مشكلة الازدحام، كما لن يكفي أن نطلب من الناس الصبر أو الخروج من بيوتهم أبكر كل يوم. المطلوب أن تتكامل مسؤولية الجهات المعنية في توفير الحلول وتنظيمها، مع مسؤولية المجتمع في التعاون معها وتجربتها. وقد لا نستطيع أن نعد الناس بشوارع خالية من الازدحام، لكن من حقهم أن يروا تحسنا ملموسا في يومهم. ولعل البداية تكون حين يتحول تذمرنا اليومي إلى استعداد للمشاركة في الحل؛ فكلنا يريد أن يصل، وكلنا يستطيع أن يسهم في جعل الحياة على الطريق أيسر.