قراءة في النظام الجديد للترقيات
الاثنين / 23 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 22:50 - الاثنين 5 أكتوبر 2026 22:50
تعد الوظيفة علاقة تبادل ولاء وكفاءة الموظف واعترافا ضمنيا ورمزيا من المؤسسة بجهود الموظف؛ وبالتالي فإن الترقية في بعدها الإجرائي لا تختزل بالانتقال في السلم الوظيفي، بل آلية لإعادة إنتاج الدافعية في بيئة العمل.
هذه المقاربة تتطلب تحليلا يتجاوز الحسابات المحاسبية الضيّقة إلى الأبعاد الاقتصادية والفلسفية الأوسع.
لكن من الإنصاف أن نؤكد أن الحكومة لم تنسَ ملف الترقيات طيلة السنوات الماضية، ولم تتعامل معه بمنطق عدم الأولوية، ووقف الترقيات لم يكن خيارا إداريا، وكانت حاضرة في فكر القيادة والحكومة على حدٍ سواء منذ توقّف صرف الترقيات، بل ضرورة اقتضتها الظروف المالية الاستثنائية التي أثرت على الوضع المالي، ما أوجب إرجاء ملف الترقيات حتى إشعارٍ آخر، أو بالأحرى حتى تعافي المالية العامة للدولة من أعباء الدين العام الذي سببته أزمات اقتصادية منذ قرابة عقدٍ من الزمن بدءًا من تقلبات أسواق النفط إلى الضغوط العالمية على الميزانيات العامة للدول.
وازنت الدولة حينها بحكمة بين الاستمرار في الإنفاق وبين الاستدامة المالية لحماية الاقتصاد الكلي التي أثمرت عودة ترقيات موظفي الدولة المدنيين ما يعزز ثقة الموظف بأن حقوقه لا تُنسى، بل تصان بحكمة، وجهده يتوّج بالترقية التي يستحقها.
عودة الترقيات تعد رسالة اقتصادية ومالية في مضمونها بأن المالية العامة للدولة بدأت الانتقال من مرحلة التعافي من التحديات المالية السابقة إلى الاستدامة المالية؛ بفضل فاعلية السياسات الاقتصادية والمالية، ونجاح إدارة الدين العام للدولة، ونجاح سياسات تنويع مصادر الدخل، وتحسن التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان، وبالتالي فإن التحفيز المالي الناتج عن الترقيات قيمة اقتصادية حقيقية وموارد بشرية كفؤة.
المقاربة الثانية أنّ المنظومة الجديدة للترقيات لها دلالات ورسائل وظيفية من بينها أن عودة الترقيات ليس بالنمط السابق، وهو استحقاق الترقية وفقا لأقدمية التعيين وحسب، بل وفقا للمهارة التي يمتلكها الموظف، ويوظفها في رفع مستوى الإنتاجية في بيئة العمل؛ وبالتالي الانتقال من الترقيات المستحقة وفقا للأقدمية إلى الترقيات المستحقة وفقا للإنتاجية.
أما المقاربة الأخرى فتكمن في الرسالة الاجتماعية من عودة الترقيات، وهي في عودة الدورة الاقتصادية الصغيرة من خلال تحسّن الراتب، وقرض سكني يؤدي إلى منزل، ومحل بقالة يبيع أكثر وسوق نشطة؛ فالترقيات استثمار في بند الطلب المحلي؛ ولذلك فإن انتظام الترقيات يؤدي إلى التوقعات الإيجابية، وهو محرك أساسي للنمو لا يقل أهمية عن السيولة ذاتها.
قرار عودة الترقيات وتطوير آليات استحقاقها إشارة إلى تأسيس فلسفة جديدة في تطوير الأداء الحكومي وتنمية الموارد البشرية، وتحقيق العدالة الوظيفية بتكريم الموظف المجيد وتحفيزه لتطوير أدائه وتنمية مهاراته.
وضمان تحقيق ذلك يتطلب متابعة تنفيذ القرار بتفاصيله الدقيقة، ومراجعته باستمرار، ووضع المعالجات المناسبة؛ حتى لا يكثر التذمر بين الموظفين. ويتم ذلك من وجهة نظري من خلال استحداث لجنة وطنية تجوب المؤسسات الحكومية، ومراجعة التقارير التي على إثرها منحت الترقيات للموظفين، وأسباب استبعاد الآخرين رغم توفر الشروط المؤهلة للحصول على الترقية؛ وذلك لتكوين ثقافة عمل صحية وعادلة بين جميع الموظفين.
إن المسارات الثلاثة التي تم اعتمادها لمنح الترقيات للموظفين رغم أهميتها، إلا أنها تحتاج إلى منهجية دقيقة لتطبيقها في المؤسسات الحكومية، فلا يمكن أن تكون الأقدمية هي المعيار الأساسي للترقيات، ولا يمكن أن يكون المال هو الفيصل والحكم في منحها، فالأساس والغاية من الترقيات هي رفع كفاءة الأداء الحكومي ورفع مستوى الإنتاجية في بيئة العمل، ورفع جودة الموارد البشرية في الجهاز الإداري للدولة؛ وبالتالي أرى من الجيد دراسة رفع المخصصات المرصودة للترقيات؛ لأن الهدف منها تجويد الأداء الحكومي، وتحفيز الموظفين المجيدين والمبدعين.
أيضا اقترح إخضاع الموظفين لبعض الامتحانات مثل (Thompson’s 360 test) كأحد معايير استحقاق الترقيات إضافة إلى تقييم المسؤول المباشر؛ وذلك للتقليل من عدم الرضا على الاعتماد الكلي في التقييم على المسؤول المباشر، ولاكتشاف بعض المهارات التي يتقنها الموظفون وتحديد المسارات المهنية لهم من حيث نوع الترقية المستحقة وآفاقها، وقياس استعداد الموظف لتولي وظيفة أعلى، ويقيس تطوّر مهارات الموظفين بما يتماشى مع رؤية «عُمان 2040».
أرى أنّ إشراك معايير أخرى إضافة إلى تقييم المسؤول المباشر يعد أحد المعالجات المناسبة لضمان الرضا الوظيفي مثل تقديم عروض مرئية عن أداء الموظفين أمام لجنة منح الترقيات أو اعتماد Thompson’s 360 test، وكذلك وضع ميزانية وفقا لأعداد المجيدين المستحقين للترقية سنويا عوضا عن النسبة المخصصة بـ 10%؛ لأن الهدف من الترقية تطوير منظومة الأداء الحكومي في وحدات الجهاز الإداري للدولة، وتحفيز الموظفين على بذل جهود أكبر للارتقاء بالأداء الحكومي إلى آفاق أرحب، ورفع مستوى الإنتاجية في بيئة العمل بكفاءة وجودة عالية.