أعمدة

لماذا لا تكون المعاملة بالمثل في موضوع التأشيرات؟!

يشكل ملف تأشيرات الدخول وأنظمة العبور الحدودية نقطة تفاوت بارزة تثير الكثير من التساؤلات حول غياب مبدأ «المعاملة بالمثل» بين البلدين، خاصة في ظل التسهيلات الاستثنائية التي تقدمها سلطنة عمان لمواطني الكثير من دول العالم.

وعلى سبيل المثال فقد بادرت سلطنة عُمان بتقديم تسهيلات للجنسية الهندية، فأقرت إعفاء من التأشيرة المسبقة لمدة 14 يوما إلى جانب السماح للهنود المقيمين في دول مجلس التعاون الخليجي ودول أوروبا والولايات المتحدة وحاصلي تأشيرة «شنجن» بالدخول عبر إجراءات إلكترونية ميسرة جدا.

ولا يخفى الهدف الاقتصادي من هذه الخطوة التي تقدمها عُمان لمختلف الجنسيات من خلال مسار عكسي لاستقطاب أموال السياح والمستثمرين، ومحاولة تدوير جزء من السيولة النقدية داخل السوق المحلي؛ لتعويض الفجوة الكبيرة الناتجة عن التحويلات المالية الضخمة التي تضخها القوى العاملة الوافدة من الخليج إلى دولها وإلى الهند بشكل خاص، والتي تتجاوز عالميا 155 مليار دولار أمريكي بالنسبة للهند، وتستأثر دول الخليج بنحو 38% منها.

لكن تُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التراث والسياحة العُمانية تدفقا حجميا كبيرا. استقبلت عُمان على سبيل المثال نحو 694.000 سائح هندي، وبزيادة 11%، وواصل النمو تصاعده بتسجيل 381.000 زائر في النصف الأول من العام الجاري 2026 وسط تطلع عُماني لاستقطاب مليون سائح سنويا.

غير أن التحليل العميق لنمط الإنفاق يكشف عن تحد استهلاكي واضح؛ إذ يندرج القطاع الأكبر من هذه التدفقات تحت نمط سياحة زيارة الأقارب والأصدقاء، وفي هذا النمط يقيم الزوار في منازل عائلاتهم المقيمة، ويتناولون طعامهم في النطاق الضيق للجالية، مما يجعل العائد المباشر على الفنادق الفاخرة وشركات تنظيم الجولات محدودا، ويعيد تدوير الأموال في دائرة التحويلات المغادرة نفسها.

لكن العُماني يقدم نموذجا اقتصاديا مغايرا تماما عند زيارته لمختلف الدول سواء للسياحة أو للعلاج. فهو يمثل مُدخِلا مسبقا للعملة الصعبة ونشاطا استهلاكيا كبيرا يصب مباشرة في شرايين الاقتصاد في تلك الدول، فهو لا يذهب ليقيم عند أقارب هناك، بل يدفع بالعملة الصعبة مقابل الإقامة في الفنادق، واستئجار المواصلات، وتناول الطعام في المطاعم، والتبضع من الأسواق المحلية. كل ريال عُماني يُنفق في تلك الدول يتضاعف أثره الاقتصادي ليغذي قطاعات الضيافة والطيران والتجزئة بشكل مباشر.

والهند هي الوجهة الأولى للعمانيين للعلاج بالخارج؛ حيث تستقطب وحدها 19.6% من إجمالي الحالات المرضية المبتعثة على نفقة وزارة الصحة العُمانية، بالإضافة إلى أكثر من 10.000 مريض عُماني يسافرون سنويا للعلاج الخاص. هؤلاء المرضى ومرافقوهم يضخون ملايين الدولارات في المستشفيات والمراكز الطبية الهندية.

رغم هذه التدفقات النقدية العُمانية الكثيفة ما تزال بعض تلك الدول ومن بينها الهند تفرض إجراءات تأشيرة مسبقة إلكترونية أو ورقية تتطلب وقتا ومعاملات مكتبية روتينية، وتعقيدات بيروقراطية، ومبالغ تصل إلى أكثر من 60 ريالا لتأشيرة سياحية لمدة شهر فقط كما هو الحال في تأشيرة الهند.

ويمثل عدم منح العُماني ميزة التأشيرة عند الوصول Visa on Arrival في مطارات الهند عائقا غير مسوغ رغم أن هذه الميزة تمنح عند الوصول لرعايا الكثير من الدول التي بينها رعايا خليجيين؛ مما يؤكد أن تقديم هذه التسهيلات للعمانيين أمر ممكن عمليا وتستفيد منه الهند اقتصاديا.

إن الحالات الطبية الحرجة لا تحتمل الانتظار لموافقة تأشيرة قد تتأخر أياما رغم أن جواز السفر العُماني يتمتع بثقة دولية عالية ومؤشرات هجرة غير شرعية معدومة، مما يجعل منح العُمانيين تأشيرة عند الوصول للمطار قرارا مؤكدا أمنيا واقتصاديا.

لقد حان الوقت لمنح العمانيين مثل هذه التسهيلات التي تليق بمستوى العلاقات الاقتصادية والشراكة الاستراتيجية بين عُمان والكثير من دول العالم.