بيروت.. عندما تُختصر الشوارع الكبيرة بأحلام «طفلة»!
الاثنين / 23 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 19:15 - الاثنين 5 أكتوبر 2026 19:15
بيروت- وفاء عواد
هي طفلةٌ على أعتاب ربيعها التاسع. تنتمي الى من رسم لها خطّ حياة خطِرة من دون سقف أو حقوق. كلّ ما تتّقنه، بمنزلة رأس مالها الضئيل، طلاقة اللّسان وكلمات جاهزة حُفِظت غيباً لـ'مهنة' ترتكز على أصول تقنيّة وفنيّة، و'فوطة' لمسْح زجاج السيّارات ولتمويه التسوّل، حالها كحال عشرات أطفال الشوارع، الذين فرض عليهم واقعهم أن يكونوا بائعين جوّالين أو متسوّلين يتوزّعون على نواصي الطرقات، يحملون علب العلكة والمحارم الورقية وعبوات المياه، علّهم ينالون ثمن وجبة تسدّ جوعهم، أو يمدّون أياديهم الصغيرة بانتظار صدقة عابرة.
هنا، في قلب العاصمة بيروت، حيث تضجّ الأرصفة بالسيارات المزدحمة وضجيج الأبواق، وحيث الأبراج الشاهقة تخفي خلف بريقها كثيراً من القهر الإنساني، تتمركز الطفلة ربى عند المستديرات وإشارات السير.
تترصّد العابرين بأعينٍ تفيض بالبراءة الحزينة الممزوجة بالذلّ والضعف في آن.. وجهها الشاحب الذي سوّدته الشمس وأرهقته قسوة الحياة يدلّ على أنّها خارج سياق سلطة أهلها أو الأوصياء عليها على الأغلب، وعلى أن جلّ ما تعرفه هو شوارع بيروت، تلك التي تحوّلت إلى بيت وسقف وملجأ.
وعلى الأغلب أيضاً، فإن بيروت صارت في عيونها مدينة صعبة المراس، مدينة قاسية لا تمنحها سوى الفتات. ومع ذلك، حين تسألها 'شو بدّك تصيري بس تكبري؟'، تجيب بابتسامة بريئة: 'بدّي صير معلّمة مدرسة'. إبتسامة تختصر المعركة بين الأمل واليأس، بين الحلم والواقع.
التعليم بالنسبة اليها رفاهية لا تقدر عليها، والمدرسة بعيدة المنال. وهنا، تكمن الكارثة الكبرى، الذي يختصره جيل محروم من أبسط حقوقه، يُدفع دفعاً نحو الجهل والتهميش، ما يفتح الباب أمام الإستغلال والعنف والتشرّد الدائم.. ومن يتجوّل في شوارع بيروت اليوم، ولا سيّما عند إشارات السير والساحات العامّة، لا يحتاج إلى إحصاءات أو تقارير ليدرك حجم المأساة. إشارات حمراء تتحوّل إلى مسرح يومي لمعاناة صامتة، حيث يتقاطع السائقون مع أطفال لم يعرفوا بعد معنى المدرسة ولا اللعب ولا الأمان. أمّا تقديرات منظمات غير حكومية، فتشير الى أن آلاف الأطفال باتوا خارج المدرسة، في ظلّ عجز عائلاتهم عن تأمين أبسط مقوّمات العيش.
وحده 'المعلّم'، والذي غالباً ما يكون من الأقارب، وذا خبرة في قيادة 'العصابات'، يتزعّم ربى وأقرانها ويجمعهم كلّ مساء في باص صغير، يمون عليهم، ولا يكتفي بذلك لأنّه هو الآمر الناهي في أصغر التفاصيل، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بـ'غرباء' يقتحمون عليهم واقعهم.. فالتعليمات تبدو مشدّدة في هذا الجانب. ولذا لم تتردّد ربى عند سؤالها عن سبب جلوسها عند إحدى المستديرات في بيروت: 'ما خصِّك'. وهنا تبدو الخصوصيّة الفرديّة إحدى ضرورات العمل، إذْ أنّ الخيار المطروح لمن يتعامل معها: إمّا التبرّع وإمّا الصمت!.
'مهنة'.. ولأجل غير مسمّى
أووووف.. كاد يدهسها، غارقاً في الحديث عبر الهاتف، ولا بدّ أنّه لم يلحظها لقصر قامتها. تراجعت خطوتين إلى الوراء، خائفة أو متفاجئة، تلفّتت إلى يمينها فداعب الهواء شعرها وبان وجهها الصغير. طفلةُ نسج الفقر خيوط حياتها، فبانت غير فتيات عمرها، في وقت ترسم عينيها الجميلتين أتعس لوحة فنية ممكن أن تقابلها في حياتك. أمّا هو، فتابع سيره وكأنّه لم يلحظها، أو لم يوشك على محو بياناتها من بؤس الشارع لولا رحمة الخالق.
وهناك، تعرّفت 'عُمان' على ربى، الطفلة التي أنجبتها أرحام شوارع العاصمة، وهي التي تقصدها يومياً بغية إعالة أسرتها. تعمل في تنظيف زجاج السيارات، 'إذا اشتغلت بياكلوا.. والرِزْقة على الله'. 100 ألف ليرة، كان لا بدّ من دفعها لها من أجل 'تسوّل' إمكان الحديث معها، مرفقةً بشرط 'ممنوع تصوّريني عم بحكي، المعلّم بيضربني'. تروي قصّة مأساتها على طريقتها: 'بيّي مريض وأمي ما بتقدر تشتغل لأنّو أخواتي الأربعة بعدن صغار'.. وتكمِل: 'بلّشت إشتغل من سنتين حتى نعيش.. بمسّح قزاز (زجاج) السيارات، وبيعطوني الناس مصاري، بقسّمهم أنا والمعلّم.. وبروح بجيب أكل للعيلة بالمصاري اللي بيبقوا معي'.. 'الناس مناح'، حسب رأيها، ولا شكوى لديها سوى من الدرك 'اللّي بيطاردونا.. بس نحنا ما منخلّيهم يشوفونا، أوقات منتخبّى حتى ما ياخدونا عالحبْس'.
وهكذا، إحترفت ربى التسوّل في الشوارع، وهي تحفظ عن ظهر قلب كلّ النقاط الإستراتيجيّة التي يتمتّع أصحابها بالكرم في بيروت، فتجدها فيها متنقّلةً بحثاً عن 'الرزْقة'، متجنّبةً 'أحياء البخلاء'، بحسب تعبيرها. وقبل أن تكمل حديثها، يأتيها إنذار 'هريبة' من أحدهم، فتهروِل في اتجاه مصدر الصوت متهرّبةً من الإجابة عن أسئلة أخرى تتعلّق بهويّة 'المعلّم'.
وبعيداً عن ضوضاء الشوارع، وحده الليل قد يحمل بعض الهدوء والأمان لها، إذ تصير أوقاتها ملكها هي وحدها.
قد تلعب مع إخوتها أو تستسلم لتعبها، قد تنام وتحلم بغدٍ أفضل. أمّا مصيرها، فيبقى معلّقاً الى أجل غير مسمّى في شوارع باتت بينها وبين طفولتها حكاية صداقة كبرت مع دعسات أرجلها المزروعة بين السيارات، وتعزّزت في ساحات ومستديرات صارت 'لها'، منذ راحت 'تتصيّد' فيها صدَقة العابرين أو العالقين في زحمة السير!.