صوت من البعيد (13):مرجعيات الواقع في قصتين لمصطفى تاج الدين
الاثنين / 23 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 18:56 - الاثنين 5 أكتوبر 2026 18:56
(1)
نشرت إذاعة هوا سمارت السورية على حسابها على ساوند كلاود في برنامجها صفحات ثقافية بتاريخ 7 يونيو 2016م حلقة ثقافية عن الغناء الصوفي وفقرات ثقافية أخرى تنوّعت بين الأخبار الثقافية وقراءة في كتاب، كما تناولت قصتين للقاص السوري مصطفى تاج الدين، وهو كاتب سوري له مجموعات قصصية عدّة.
لقد قُرئت للكاتب في البرنامج قصتان اثنتان هما: (ليلة اختفاء الزعيم من كلّ المرايا)، و(الطفلة في هذا المساء الشتوي البارد)، تناولتا البُعد الإنساني والاجتماعي عند الإنسان.
ينقل لنا مصطفى تاج الدين صورةً عن المأساة والألم، وعن التشرّد بسبب الحروب التي حطّمت الإنسان وعصفت بمصيره.
كما عرّج فيهما على مرجعيات كتابة الواقع التي استمدَّ منها فكرة النص القصصي راسماً من خلاله واقعاً يتداخل مع النص الإبداعي ويتشكّل منه، فتلتبس الشخصيات بواقعها وتُعيد حكاياته، وقصصه وتجاربه لغة وأفكاراً.
(2)
في قصة (ليلة اختفاء الزعيم في كل المرايا) يستمدُّ القاصُّ مرجعياته من الحياة الاجتماعية اليومية، وبلغة مليئة بالصُّور الساخرة يُقدّم القاص قصته معبّراً عن اتجاهين لشخصياته: اتجاه تُمثّلُهُ السلطة المهيمنة على الحياة، وهنا يمتدُّ فعل الهيمنة من كونه فعلاً واقعياً إلى أنه فعل يتسرّب إلى العقول والأفكار؛ فيتمدَّد داخلياً ويعمل على تغييب الوعي قسراً، نجد هنا تشكُّل صورة الزعيم في مرايا البلاد معبّرة عن فعل الهيمنة، ففي كل مرآة تظهر صورة الزعيم مقابل صورة الرجل أو المرأة.
أما الاتجاه الآخر فيتمثّل في صورة الإنسان/ الشعب الذي أصبح مقترناً في حياته اليومية بصورة الزعيم التي تعمل على طمس صورة هذا الإنسان والتشكل في صورة مقابلة هي صورة الزعيم.
يتشكّل الخطاب هنا معتمداً على السلطة والهيمنة في بناء النص، ويُعيد القاص في نصه رسم صورة الخوف، والخضوع مقابل صورة الهيمنة التي تتشكّل في المرايا.
ينفتح النص القصصي على ثنائيتي الهيمنة والخضوع التي تحمل الشخصيات إلى نهاية مشرقة تتّضحُ معها الصورة الواقعية في المرآة. لا شكّ أنّ هناك ربطاً -اعتمده الكاتب في رسم نهاية قصته- بالواقع لاسيما في رسم البهجة على شخصياته 'وهم يكتشفون بفرح للمرة الأولى ملامح وجوههم التي حُرموا منها لعقود مريرة'. إنّ بروز ملامح الوجوه المختفية من المرايا تدلّ على الفعل القسري والهيمنة الساقطة على الشعوب وما فرحتهم بظهورها إلا انكسار فعل الخضوع.
نقرأ ذلك في قصة (ليلة اختفاء الزعيم من كل المرايا):
'في هذه البلاد ثمة شيء غريب يحدث منذ عقود، حتى صار بالنسبة لسكانها مع توالي الأجيال شيئاً اعتيادياً. زعيم البلاد موجود في كل المرايا المنزلية الكبيرة والمتوسطة، وأيضا في المرايا الصغيرة داخل الحقائب.
كلما مشط أحدهم شعره أمام مرآته يشاهد فيها الزعيم يمشط شعره وبذات الشريحة، آخر يحلق ذقنه فيرى في المرآة الزعيم يحلق ذقنه، رجل ما يعقد ربطة عنقه، الزعيم كذلك وفي نفس المرأة يعقد ربطة عنقه، زوجة تلوّن وجهها بألوان مكياجها، الزعيم في مرآتها يلوّن وجهه بألوان مكياجها. مراهقة وبطيش أنثوي تشدُّ فستانها على جسدها وتستدير حتى تتأكد من أنها مغرية، ثم تتأمّل أرداف الزعيم على زجاج مرآته.
مرة ذبابة كانت تحلّق أمام المرآة بسعادة، فلمحت الزعيم يحلّق داخلها بسعادة أيضاً.
بشتاء قديم أراد أحد المخمورين أن يقتل الزعيم، وقف أمام مرآته وهو يترنّح ثم أطلق النار على رأسه ليسقط ميتاً، الزعيم في ذات المرآة أطلق النار على رأسه وسقط منها ميتاً، لكنه ظلَّ حياً في بقية مرايا البلاد.
هذه الليلة، وإثر وعكة صحية غامضة تحشرج الزعيم قليلاً في سريره ثم مات. انتشر خبر موته همسا في كل البلاد، لم يصدق الناس الخبر فتسللوا بحذر إلى المرايا في بيوتهم ليتأملوا وجوههم وهم يشهقون مندهشين. بعضهم مسح بكفه زجاج مرآته غير مصدّق، وبعضهم الآخر مسح بكفه على وجهه غير مصدق. سرعان ما ابتسموا، نظروا طويلاً في المرايا وهم يكتشفون بفرح للمرة الأولى ملامح وجوههم التي حرموا منها لعقود مريرة'.
(3)
أما قصة (الطّفلة في هذا المساء الشتوي البارد) فتحيلنا على كلاسيكيات القصص العالمية كبائعة الكبريت مثلاً، أو قصة كوزيت الصغيرة في بؤساء فكتور هوجو، وهي تُقدّم صورة من جراحات الإنسان وآلامه، بدءاً من الحرب التي شردت الناس و جعلتهم مغتربين بعيداً عن أوطانهم.
إنّ الحرب منطلق مهم في القصة؛ إذ عملت على نزوح الأسرة من قريتها البعيدة، ثم عملت على اتّساع شتات الأسرة: غياب الأب، وموت الأم، ثم الصورة البائسة التي عليها الطفلة في أول القصة.
وبرغم قصر القصة، فإنّ الكاتب أحكم رسم الصورة المنكسرة التي عليها الشخصيات (الأب، والأم، والطفلة)، إنها مأساة متكرّرة خلفتها الحروب، بل هي مأساة متكرّرة ناتجة عن الظلم الإنساني.
يُقدّم القاص صورة منكسرة عن الطفولة، ثم يُعقبها بصورة منكسرة عن الإنسانية، صورتان تشكّلتا من مرجعيات الواقع الذي نعيشه، الواقع المليء بالحروب والخسارات والفقر والموت.
وكعادته في القصة الأولى فإنّ القاصّ استطاع جذب القارئ في خاتمة هذه القصة، مصوّراً معادلة مهمة في الحياة: هي الموت مقابل الفقر، إذ بأربع ليرات ونصف تطلب الطفلة دواءً يُعيدُ أمها إلى الحياة، ومن أجل الطعام خرج والدها صباحاً ولم يَعُدْ.
إنّ هذه القصة تفتح نافذة على الواقع، وتستمدُّ منه انكسار الإنسان وقيمته، وتنبش في ذاكرة الألم والصراع الماثل أمامنا، مستعيدين آلام الآخر وأحزانه في مواقع مليئة بالصدامات المباشرة مع الموت.
نقرأ مع ذلك قصة (الطفلة في هذا المساء الشتوي البارد):
'بعد أن سقطت تحت المطر عدة مرات على الرصيف، الطفلة ذات الأعوام الأربعة دخلت إلى الصيدلية بوجهها الشاحب وهي تغطّي جسدها الصغير بغطاء رثٍّ لتترك على بلاط الصيدلية خلفها آثاراً من الطين.
عندما شاهدها الصيدلي عرفها فهي تسكن مع أمها ووالدها في قبو مجاور لصيدليته بعد أن نزحوا من قريتهم البعيدة بسبب الحرب منذ أشهر، شهق وقد استغرب من والديها كيف يرسلونها إلى الصيدلية حافية تحت المطر، فسألها بغضب: أين والدك؟
أجابته متلعثمة: خرج في الصباح ليجلب طعاماً وزجاجة مازوت لكنه لم يرجع حتى الآن.
و أين أمك؟
أمي مستلقية في الغرفة.
تنهّد الصيدلي، عندئذٍ أخرجت الطفلة كفّها من أسفل الغطاء وفوق زجاج طاولته سقطت منها قطع معدنية، أجهشت فجأة بالبكاء وهي تقول له: أعطني دواءً يُعيد أمي إلى الحياة بأربع ليرات ونصف'.