المحافظات

حارة السديرة بالمضيبي.. جهود مجتمعية لإحياء الذاكرة التراثية

 

تتواصل في حارة السديرة بقرية السديرة في ولاية المضيبي بمحافظة شمال الشرقية الجهود المجتمعية لإحياء الحارة القديمة وإعادة تأهيل معالمها ومكوناتها التراثية، ضمن مشروع التجديد الحضري بمحافظة شمال الشرقية، الذي يسعى إلى المحافظة على ذاكرة المكان واستعادة تفاصيل الحياة التي عاشها الآباء والأجداد، بما يسهم في تحويل الحارة مستقبلًا إلى وجهة تراثية وسياحية متكاملة.

ويقوم المشروع على جهود أبناء الحارة وتكاتف الأهالي، إلى جانب الدعم والتشجيع الذي يحظى به من مكتب محافظ شمال الشرقية والجهات الحكومية ذات العلاقة، في إطار يعكس أهمية الشراكة المجتمعية في صون الموروث العمراني والثقافي، والمحافظة على المقومات التاريخية للحارات القديمة، وإعادة توظيفها بما يتناسب مع متطلبات التنمية السياحية والثقافية.

وتشهد حارة السديرة أعمالًا متواصلة لإعادة تأهيل عدد من مكوناتها ومعالمها القديمة، مع الحرص على الحفاظ على طابعها المعماري وهويتها الأصيلة، واستعادة ملامحها التي ارتبطت بالحياة اليومية للأهالي في الماضي، بما يجعلها شاهدًا حيًا على جانب من تاريخ المنطقة وتراثها العمراني.

وقال سعيد بن حميد الهاشمي، أحد أهالي القرية، إن الجهود المبذولة لإحياء حارة السديرة جاءت بعد فترة من العمل المتواصل، مشيرًا إلى أن زيارة سعادة محافظ شمال الشرقية للحارة أسهمت بشكل كبير في إعادة الاهتمام بالموروث التراثي الذي تزخر به، إلى جانب ما قدمه سعادة والي المضيبي ومدير البلدية من دعم وتوجيهات كان لها أثر في دفع المشروع إلى الأمام.

وأوضح الهاشمي أن فكرة تطوير الحارة وإحياء مكوناتها التراثية تعود إلى سنوات مضت، إلا أن تنفيذها واجه خلال مراحل سابقة عددًا من التحديات، في مقدمتها محدودية الدعم والموارد، قبل أن تتجدد الجهود خلال الفترة الأخيرة بصورة أكبر، مدفوعة باهتمام المجتمع المحلي ودعم الجهات المعنية.

وأضاف أن العمل شهد خلال الشهرين الماضيين نشاطًا مكثفًا، شمل فتح وتوسعة الطرق الداخلية للحارة، وتهيئة الممرات وإزالة العوائق، إلى جانب تنفيذ عدد من الأعمال المرتبطة بالإنارة، والعمل على تحسين المشهد العام للحارة بما يتناسب مع قيمتها التاريخية والتراثية.

وأشار إلى أن الدعم المعنوي والمادي الذي حظي به المشروع، إلى جانب المبادرة التي أبداها أبناء الحارة، أسهما في استعادة الحماس ومواصلة العمل، مؤكدًا أن الشباب وأهالي المنطقة كان لهم دور بارز في تنفيذ أعمال التطوير والبناء والتهيئة، سواء من خلال المشاركة المباشرة في الأعمال الميدانية أو تقديم المساهمات المالية.

وبيّن أن المشروع واجه عددًا من التحديات، أبرزها الجوانب المادية وقلة الكوادر العاملة، إلا أن تكاتف الأهالي والشباب أسهم في تجاوز جانب كبير من هذه الصعوبات، لافتًا إلى أن أبناء المجتمع بادروا بالمشاركة في العمل الميداني وتقديم مساهمات مالية لدعم مراحل التطوير.

وأكد أن هذا التكاتف لم يقتصر على فئة محددة، بل شمل رجال ونساء الحارة، بما يعكس عمق ارتباط المجتمع بالمكان وحرصه على المحافظة على إرثه التاريخي وصونه للأجيال القادمة.

وقال الهاشمي إن المشروع لا يقتصر على تنظيف الحارة أو إعادة فتح طرقاتها، وإنما يستند إلى رؤية مستقبلية تهدف إلى تحويلها إلى حارة تراثية متكاملة تستعيد مختلف مكونات الحياة القديمة، مع توفير مرافق وخدمات من شأنها أن تجعل منها وجهة للزوار والمهتمين بالتراث، وتسهم في تعزيز حضورها ضمن المقاصد السياحية والتراثية في محافظة شمال الشرقية.

وتتضمن الرؤية المستقبلية للمشروع إنشاء نُزل تراثية ومقاهٍ وكافيهات، بما يتيح للزائر الاستمتاع بأجواء الحارة والتعرف على تفاصيل العمارة التقليدية ومظاهر الحياة الاجتماعية التي عاشها الأهالي في الماضي، فضلًا عن توفير خيارات للإقامة والخدمات السياحية التي تعزز من جاذبية المكان.

وأوضح الهاشمي أن الهدف يتمثل في أن يجد الزائر، منذ وصوله إلى الحارة، مختلف الخدمات التي يحتاج إليها، سواء كان يرغب في تجربة الإقامة في نُزل تراثية، أو زيارة المقاهي والمرافق التي ستقام في الموقع، بما يسهم في تقديم تجربة متكاملة تجمع بين التراث والسياحة، وتمنح الزائر فرصة للتعرف عن قرب على تاريخ المكان وخصوصيته المعمارية والاجتماعية.

وأشار إلى أن حارة السديرة تضم عددًا من المعالم والمباني التي تشكل جزءًا مهمًا من تاريخها، من بينها الجامع القديم الذي يتسع لنحو 100 مصل أو أكثر، إلى جانب مدرسة لتعليم القرآن الكريم، والقلعة التراثية التي كانت تؤدي في الماضي دورًا أمنيًا ودفاعيًا في حماية الحارة وسكانها.

وأوضح أن القلعة كانت جزءًا من منظومة متكاملة لحماية الحارة، حيث كانت البوابة الرئيسية تُغلق بعد صلاة المغرب، فيما تبقى الحراسة في القلعة لمراقبة المكان وتأمينه، في ظل طبيعة الحياة التي كانت سائدة في تلك الفترة.

وتكشف الروايات التي تناقلها كبار السن عن تفاصيل دقيقة من الحياة اليومية في الحارة، من بينها وجود بئر كانت تستخدم لتوفير المياه للحراس الموجودين في القلعة، حيث كان يتم إنزال الدلو إلى البئر وسحب المياه لاستخدامها في الوضوء والصلاة وغيرها من الاحتياجات اليومية.

وأشار الهاشمي إلى أن موقع هذه البئر تم اكتشافه استنادًا إلى رواية أحد كبار السن، الوالد أحمد بن سلطان الهاشمي، الذي أوضح كيفية استخدامها في الماضي، لافتًا إلى وجود توجه لتهيئتها وتعميقها مستقبلًا، بما يتيح الاستفادة منها وإدراجها ضمن مكونات المشروع التراثي.

وحول الجامع القديم، قال الهاشمي إنه يحظى باهتمام خاص ضمن خطط تطوير الحارة، لما يمثله من قيمة دينية وتراثية ومعمارية، مشيرًا إلى أن الأهالي تلقوا توجيهات من سعادة محافظ شمال الشرقية بشأن وجود توجه لترميم الجامع خلال عام 2027م.

وأعرب عن أمله في أن تسهم أعمال الترميم في الحفاظ على هذا المعلم التاريخي وصون مكوناته الأصلية، والحيلولة دون تعرضه للانهيار أو فقدان عناصره المعمارية التي تشكل جزءًا من ذاكرة الحارة وتاريخها.

وبيّن أن الجامع يتميز بعدد من العناصر المعمارية التقليدية، من بينها الأعمدة المشيدة بالمواد المحلية، إلى جانب المحراب وتفاصيل معمارية أخرى تعكس طبيعة البناء في تلك الحقبة، مشيرًا إلى وجود كتابات مرتبطة بالفلج في الموقع، من بينها قصيدة توثق مرحلة من مراحل توقف الفلج وإعادة فتحه، بما يمثل شاهدًا على جانب من حياة المجتمع آنذاك، ومدى تعاون الأهالي في المحافظة على مصادر المياه واستدامتها.

وأضاف الهاشمي أن حارة السديرة تضم عددًا كبيرًا من المنازل القديمة، يقدر عددها بنحو 100 إلى 150 منزلًا، تحيط بها الأسوار وبوابة رئيسية، في نمط عمراني يعكس طبيعة الحارات القديمة التي كانت تقوم على التجمع السكني المغلق نسبيًا، بما يوفر الحماية وينظم حركة الدخول والخروج.

وقال إن أعمال التطوير الحالية تؤكد أهمية المحافظة على هذه المنازل وعدم التعامل معها باعتبارها مباني قديمة فحسب، وإنما بوصفها جزءًا أصيلًا من ذاكرة المكان وتاريخ سكانه، مشيرًا إلى أن الجهود المقبلة تتجه إلى تنظيف المنازل من الداخل، وإزالة مخلفات الأسقف التي تعرضت للسقوط بفعل مرور الزمن، مع الحرص على المحافظة على المواد والمكونات الأصلية التي يمكن الاستفادة منها وإعادة توظيفها في أعمال الترميم والتأهيل.

وأشار إلى أن الروايات المتناقلة بين الأهالي تؤكد أن الحارة كانت تضم عددًا من المحلات التجارية التي شكلت في الماضي سوقًا نشطًا يوفر مختلف احتياجات السكان، بما في ذلك المواد الغذائية والأسماك واللحوم وغيرها من السلع، موضحًا أن السوق كان يستقطب المتسوقين من المناطق المجاورة ومناطق البادية.

ويعكس ذلك الدور الذي كانت تؤديه حارة السديرة قديمًا باعتبارها مركزًا للحركة التجارية والاجتماعية، وليس مجرد تجمع سكني، إذ كانت المحلات التجارية والمجالس والمنازل والجامع والقلعة والفلج تشكل منظومة متكاملة للحياة اليومية، وتوفر للسكان احتياجاتهم الأساسية وتعزز التواصل والترابط الاجتماعي بينهم.

وأضاف الهاشمي أن الحارة تضم كذلك عددًا من المجالس العامة والخاصة التي كانت تمثل فضاءات للتواصل الاجتماعي واستقبال الأهالي والضيوف، إلى جانب مجموعة من البيوت القديمة المرتبطة بأسماء عدد من أبناء الحارة، فضلًا عن مرافق كانت تستخدم في الحياة اليومية، من بينها أماكن مخصصة لربط الحيوانات، ولا سيما الحمير والجمال التي كانت تمثل وسيلة أساسية للتنقل ونقل المياه والاحتياجات المختلفة في الماضي.

وقال إن من بين المكونات التي لا تزال شاهدة على طبيعة الحياة القديمة وجود آبار داخل بعض المنازل والمجالس، لا يزال بعضها قائمًا حتى اليوم، مشيرًا إلى وجود توجه للعمل على تهيئتها وتعميقها والاستفادة منها مستقبلًا ضمن مكونات المشروع التراثي، بما يسهم في إبراز جوانب الحياة اليومية التي عاشها سكان الحارة في الماضي.

وقال سعيد الهاشمي إن الفلج في حارة السديرة يعد من أبرز العناصر التي ارتبطت بحياة أهالي الحارة، إذ كان يمثل مصدرًا مهمًا للمياه، ويؤدي أدوارًا متعددة في تفاصيل الحياة اليومية، موضحًا أن النساء كنّ في الماضي يستفدن من مياهه في غسل الملابس والاستقاء للحيوانات، إلى جانب استخدامه في عدد من الأعمال المنزلية.

وأشار إلى أن الفلج لم يكن مصدرًا للمياه فحسب، بل ارتبط كذلك بعدد من العادات والممارسات الاجتماعية التي كانت سائدة في الحارة، وظل حاضرًا في ذاكرة كبار السن باعتباره جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية ومكونًا مهمًا من مكونات المكان.

وأضاف أن الحارة تضم كذلك عددًا من الآبار التي ارتبطت باحتياجات السكان اليومية، ولا تزال بعض هذه الآبار قائمة حتى اليوم، فيما يجري التفكير في تهيئتها وتعميقها وإبرازها ضمن المشروع التراثي، بما يحافظ على حضورها التاريخي ويتيح للزوار التعرف على جانب من أساليب توفير المياه واستخدامها في الحياة القديمة.

وأكد الهاشمي أن أعمال التطوير في الحارة شملت كذلك إعادة فتح الطرق الداخلية التي تعرضت للانسداد نتيجة نمو الأشجار والنباتات البرية، ولا سيما أشجار الغاف المعروفة محليًا باسم «المسكيت»، مشيرًا إلى أن كثافة الأشجار كانت تعيق الحركة والتنقل بين أجزاء الحارة وتحجب عددًا من مكوناتها ومعالمها.

وأوضح أن جهود الشباب والأهالي أسهمت في إزالة الأشجار والعوائق وتنظيف الطرقات وإعادة فتح الممرات، بما ساعد على استعادة جزء من ملامح الحارة وإتاحة الوصول إلى عدد من المنازل والمعالم الموجودة فيها.

وبعد تهيئة الطرقات والممرات، بدأت كذلك محاولات لزراعة بعض المزروعات والنباتات بهدف تحسين المشهد العام وتجميل المكان، مع مراعاة اختيار ما يتناسب مع طبيعة البيئة المحلية، والحفاظ في الوقت نفسه على الطابع العمراني والهوية التراثية للحارة.

وقال الهاشمي إن المرحلة المقبلة تتجه إلى مواصلة أعمال تنظيف وتأهيل المباني والمنازل القديمة، وإزالة الأتربة ومخلفات الأسقف التي سقطت بفعل مرور الزمن، مع الحرص على المحافظة على المكونات والعناصر الأصلية التي يمكن الاستفادة منها وإعادة توظيفها في أعمال الترميم.

وأشار إلى أن أعمال الترميم والتأهيل تحتاج إلى دعم مستمر، خصوصًا في ظل اتساع مساحة الحارة وكثرة المباني والمرافق الموجودة فيها، مؤكدًا أهمية تنفيذ أعمال التأهيل بأساليب تحافظ على المواد والعناصر الأصلية للمباني، وتصون طابعها المعماري والتراثي.

دعوة إلى المشاركة في حماية التراث

وأكد سعيد الهاشمي أن المحافظة على حارة السديرة وإعادة تأهيلها مسؤولية مشتركة، داعيًا أبناء الحارة وأفراد المجتمع إلى مواصلة دعم المشروع والمشاركة في مختلف مراحل العمل، ولا سيما أعمال تنظيف المنازل القديمة والمحافظة على محتوياتها ومكوناتها.

وأوضح أن عددًا من المنازل يحتاج إلى أعمال واسعة لإزالة الأتربة ومخلفات الأسقف وإعادة ترتيب مكوناتها، مع أهمية دراسة إمكانية الاستفادة من بعض المواد القديمة وإعادة استخدامها في أعمال الترميم، بما يحافظ على أصالة المباني ويقلل من فقدان عناصرها الأصلية.

ودعا إلى استمرار الدعم الذي تقدمه المحافظة والجهات الحكومية ذات العلاقة، مؤكدًا أن حجم المشروع وأهدافه المستقبلية يتطلبان تكاتف مختلف الأطراف، حتى تتمكن الحارة من المحافظة على إرثها التاريخي والتحول إلى موقع تراثي وسياحي قادر على جذب الزوار والتعريف بتاريخ المكان ومقوماته.

وقال الهاشمي إن حارة السديرة تجسد اليوم محاولة لاستعادة جانب من الحياة القديمة، من خلال المحافظة على الجامع والقلعة والفلج والآبار والمنازل والمحلات والمجالس والطرقات، وإعادة تقديم هذه المكونات للأجيال الجديدة في صورة تعكس تفاصيل الحياة التي عاشها الآباء والأجداد.

ومع استمرار أعمال التهيئة وفتح الطرقات وتنظيف المباني، إلى جانب وضع الخطط المستقبلية للترميم وإنشاء النُزل والمقاهي والمرافق السياحية، تتطلع حارة السديرة إلى الانتقال من مرحلة المحافظة على المباني القديمة إلى مرحلة أكثر شمولًا تقوم على إحياء المكان وإعادة توظيفه ثقافيًا وسياحيًا، مع الحفاظ على هويته وأصالته وخصوصيته المعمارية.

وأكد أن المشروع يمثل نموذجًا للدور الذي يمكن أن يؤديه المجتمع المحلي في صون الموروث العمراني والثقافي، عندما تتكامل جهود الأهالي مع الدعم المؤسسي، بما يعزز حضور التراث العُماني ويحافظ على تفاصيله العمرانية والاجتماعية بوصفها شواهد حية على تاريخ المكان، ويضمن انتقالها إلى الأجيال القادمة.