رأي عُمان

كلفة الانتظار

 

تمضي هذا الأسبوع ستة أشهر على إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، وفي سجلّها ما يكفي للشك في اسمها. في أواخر أغسطس قصفت القوات الأمريكية مواقع في جزيرة لارك، وردّت طهران بصواريخ استهدفت قاعدتين أمريكيتين في الأردن. وفي نهاية سبتمبر أُبلغ عن إصابة ثلاث ناقلات في مضيق هرمز بمقذوفات مجهولة المصدر. والحصار البحري على الموانئ الإيرانية مستمر، فيما تبقى حركة الملاحة معرضة للهجمات.

ومع ذلك، استعادت صادرات الخليج من النفط الخام ومشتقاته معظم مستوياتها السابقة للحرب. وتشير بيانات «كبلر» المنشورة نهاية سبتمبر إلى نحو 21.8 مليون برميل يوميا، مقابل 23.3 مليون قبلها، بفضل خطوط الأنابيب والمسارات البديلة. ومع تحسّن التدفقات قد يتراجع الضغط لإنهاء الأزمة، وتجد الأطراف المتحاربة مساحة أوسع لإطالة التفاوض. تدخل نفقات الحماية في الحسابات المعتادة، وتتحول الهدنة تدريجيا إلى وضع يُقبل استمراره رغم هشاشته.

أرقام التصدير وحدها لا تحصي ما خسرته المنطقة فقد قدّرت «ريستاد إنرجي» في أبريل كلفة إصلاح البنية التحتية المرتبطة بالطاقة في البلدان المتضررة بما يتراوح بين 34 و58 مليار دولار. وتذهب هذه الأموال إلى استعادة منشآت وقدرات إنتاجية قائمة، فيما تزاحم أعمال الإصلاح مشروعات التوسع على المعدات والمقاولين، وتمتد بعض عمليات الترميم سنوات. ويضيف استمرار احتمال القصف عبئا على التعافي؛ إذ يعقّد قرارات الإصلاح والتوسع، ويجعل المستثمر أكثر ترددا في الالتزام بأموال جديدة.

أما الثقة فهي الأصعب ترميما.. بنت دول الخليج خلال عقود قدرتها على جذب المال والأعمال والزوار على أساس أن الإقامة والاستثمار فيها آمنان. ويمكن أن تستعيد الصادرات تدفقها فيما تبقى قرارات الاستثمار مؤجلة. عندها تظهر كلفة الانتظار في مشاريع تتأخر، وفرص عمل تضيع، وسنوات تُضاف إلى خطط التنمية.

لدى دول المنطقة أسباب قوية لتعزيز دفاعاتها. دول استُهدفت مدنها ومنشآتها لا يُطلب منها أن تطمئن إلى النيات، وتمنحها القدرة الدفاعية مجالا أوسع للمبادرة السياسية وحماية مصالحها في التفاوض. الانتظار يترك هذا المجال للأطراف التي ترى في استمرار الضغط وسيلة لتحسين شروطها. ولواشنطن وطهران حساباتهما، وقدرتهما على تحمّل هذا الوضع لا تصلح معيارا لما تستطيع دول الخليج احتماله. هنا خطط اقتصادية تتجاوز استعادة صادرات النفط، وتحتاج إلى حركة طبيعية للمال والناس والبضائع، وإلى قدر من الاستقرار يسمح بالتخطيط لسنوات مقبلة.

المقترحات المتداولة لإعادة فتح المضيق ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية توفر مدخلا للعمل الدبلوماسي. وتشير معلومات نقلتها «رويترز» عن مصدر مطّلع إلى أن ترتيب الخطوات يشكّل موضع خلاف رئيسيا في الخطة المطروحة. الاتفاق على إجراءات متزامنة قد يساعد على تجاوز هذه العقبة، ويبقى ضمان التنفيذ والتحقق من الالتزام أساسا لأي تقدم. ومن مصلحة دول الخليج دعم خطوات تخفّض خطر المواجهة وتتيح مواصلة التفاوض على القضايا العالقة.

وإلى جانب هذا المسار، يستحق الحوار المباشر بين دول الخليج وإيران، الذي تأجل اجتماعه في سبتمبر، أن يُستأنف. يمكن أن يتناول هذا الحوار التزامات بعدم الاعتداء على المنشآت المدنية، وقنوات اتصال مباشرة لمعالجة الحوادث البحرية قبل اتساعها. وتكون حرية المرور وفق القانون الدولي، واحترام حقوق الدول والسفن، أساسا لأي ترتيبات للملاحة. مثل هذه التفاهمات تمنح دول المنطقة وسائل لمعالجة مخاوفها، وتساعد على حماية التجارة من تقلّبات العلاقة بين واشنطن وطهران.

استئناف الحوار الإقليمي خطوة عملية نحو الغاية التي دعت إليها سلطنة عُمان أمام الأمم المتحدة. وقد أكد وزير الخارجية معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي أهمية ضبط النفس والحوار لبلوغ تفاهمات مستدامة. كل شهر يمضي من دون تسوية يزيد ما تتحمله المنطقة لحماية اقتصادها وإصلاح الأضرار، ويؤجل ما كانت تنوي بناءه. مكتسبات هذه المنطقة لن يحفظها انتظار جولة أخرى.