بداية مدرسية صاخبة في فرنسا
الاحد / 22 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 22:22 - الاحد 4 أكتوبر 2026 22:22
وسط صخب الصراعات الجيوسياسية والجيواقتصادية تبرز قضايا الوعي والتعليم كأبرز منطلقات الرهان على القادم سلبا أو إيجابا. وإن كنت ناقشت في مقالة سابقة الحافز للتعليم فإن مقالة اليوم تناقش إرهاصات الوعي والسعي للمشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالتعليم من قبل المتعلمين أنفسهم.
وإن تبادر للأذهان بأن الفئة المقصودة هنا هي طلبة المرحلة الجامعية فإن المدهش هو أن المقصود طلبة المدارس من القصّر دون سن الثامنة عشرة.
إن ما تشهده فرنسا اليوم لأكثر من أسبوعين من احتجاجات طلبة المدارس هو محرك هذه المقالة وحافزها.
بدأت الاحتجاجات في 17 سبتمبر في باريس قبل أن تنتشر سريعا في أنحاء البلاد؛ حيث أغلق طلبة السنوات الأخيرة من المرحلة الثانوية مداخل مدارسهم واشتبكوا مع الشرطة محتجين على واقع المدارس من ساعات دراسة طويلة، وظروف غير ملائمة للتعليم، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة داخل الصفوف، فضلا عن كثرة غياب الموظفين.
هذه المطالبات المشروعة أرسلت بأساليب غير مشروعة إن وضعنا في الاعتبار إغلاق 400 مؤسسة تعليمية في أنحاء فرنسا مع استمرار المواجهات بين الشرطة والمحتجين وسط إصابة مئات الطلاب والموظفين وعناصر الشرطة.
تم خلال المواجهات احتجاز نحو ألفي شخص حسب تصريح وزير التعليم الفرنسي إدوار جيفراي، ثم امتدت الاحتجاجات إلى الجامعات الخميس الماضي في تقارير أفادت بإقامة حواجز حول نحو 30 حرما جامعيا في فرنسا بحسب اتحاد الطلاب.
عندما يتحول التعليم إلى شرارة احتجاج ومنطلقا للعنف فإن قراءة هذه الاضطرابات الطلابية تنبئنا عن ظاهرة تتجاوز الاحتجاجات الطلابية العابرة إلى أزمة أعمق تتصل بعلاقة الأجيال الجديدة بمؤسسات الدولة عموما وبالمؤسسة التعليمية خاصة.
عندما يخرج آلاف الطلاب إلى الشوارع لإغلاق المدارس والجامعات، وتتحول بعض الاحتجاجات إلى أعمال عنف وحرائق فإن القضية لم تعد مقتصرة على نقص المعلمين أو اكتظاظ الفصول بالطلبة، بل صارت مرآة تعكس إحساس جيل كامل بأن صوته غير مسموع وأن مستقبله مهدد.
ولعل البحث في مبررات حدة رد الفعل يحيلنا إلى أسباب تتمثل في ارتفاع مستوى الوعي لجيل أكثر اطلاعا على النماذج التعليمية ومقارنتها بواقعه التعليمي من مصادره على وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، إضافة إلى تنامي ثقافة المشاركة الرافضة وضع المتلقي السلبي الساعية إلى دور شريك صياغة القرارات المؤثرة في مستقبله.
كما أن القلق من المستقبل محرك رئيس لهذا الحراك الشبابي مرتبط بقوة وسائل التواصل الاجتماعي في تغذية القلق وتحريكه.
العنف هنا لا يمثل المحتجين، بل يعبر عن حالة الاحتقان النفسي وفقدان الثقة بالمؤسسات؛ فالحرائق التي طالت المدارس تمثل مفارقة مؤلمة؛ كيف تحولت المؤسسات التي يفترض أن تكون فضاءات للتعلم إلى رموز للاعتراض والغضب؟! وتتجلى المفارقة في تحول مؤسسات التعليم إلى نواة لتصدير العنف والفوضى.
لكن الفكرة في التعبير عن رفض واقع تراجع جودة النظام التعليمي لا في استهداف فكرة التعليم ذاتها، بل هي رسالة احتجاجية حادة مفادها أن المؤسسة فقدت قدرتها على أداء دورها بالشكل المطلوب، وإن كانت هذه الوسائل مرفوضة قانونياً وأخلاقياً. أما واقعيا فإن أعمال التخريب غالباً ما تضعف التعاطف الشعبي مع أي احتجاجات مانحة النقاش الأمني أولوية على أي نقاش مرتبط بالمطالب الأصلية للمحتجين.
إن دلالات هذه الظاهرة عبر تأملها تتلخص في أن ما نشهده اليوم يعكس سمات جيل اليوم؛ جيل متسم بالجرأة لا يتردد في رفع صوته والنزول إلى الشارع للتعبير عن مطالبه، لا يكتفي من التعليم بالحصول على شهادة، بل يطالب بتعليم يشعره بقيمته مؤهلا لحياة أفضل. جيل أقل صبرا عن سابقيه في توقعه حلولا أسرع وشفافية أكبر من الحكومات. جيل عالمي رقمي يقارن أوضاعه التعليمية باستمرار بما يجري في دول أخرى مما يرفع سقف تطلعاته وسقف استحقاقه في آن.
ختاما: تكشف احتجاجات الطلبة التفاعل المستمر بين تطلعات الشباب وقدرة المؤسسات على الاستجابة لها، فكلما اتسعت الفجوة بين التوقعات والواقع ارتفعت احتمالات الاحتجاج والتعبئة الجماعية. وبينما تحمل هذه الحركات مخاطر الاضطراب والصدام إذا انزلقت نحو العنف، فإنها تمثل في جوهرها آلية اجتماعية للتعبير عن المطالب والسعي إلى الإصلاح، ومن ثم فإن فهم دوافعها النفسية والاجتماعية، والتعامل معها عبر الحوار والاستجابة المؤسسية يظل الطريق الأكثر فاعلية لتحويل طاقة الاحتجاج إلى قوة بناءة تسهم في التطور والاستقرار الاجتماعي بعيدا عن إمكانية استغلالها أو توجيهها من منتفعين سياسيين محليا أو عالميا.
فرنسا التي تعرف أثر المؤسسة التعليمية مركزا للتغيير منذ ثورة الطلبة 1968م تدرك أن المدرسة ليست مجرد مكان للتعلم، بل هي مساحة تتجسد فيها آمال الشباب ومخاوفهم وتطلعاتهم للمستقبل.
وما تشهده اليوم ليس أزمة تعليم وحسب، بل هو حوار صاخب بين جيل جديد يطالب بمستقبل أكثر عدالة وجودة ومؤسسات تحاول التكيف مع متغيرات اجتماعية واقتصادية متسارعة؛ ومن ثم فإن الاستثمار في التعليم لم يعد خياراً تنموياً فقط، بل أصبح ضرورة للحفاظ على التماسك الاجتماعي، وتعزيز الثقة بين الدولة وشبابها.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية