اللائحة التنفيذية لقانون المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة ترسم مرحلة جديدة لبيئة الاستثمار
الاحد / 22 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 12:27 - الاحد 4 أكتوبر 2026 12:27
تشكل اللائحة التنفيذية لقانون المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة مرحلة جديدة في تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية للمناطق التي تشرف عليها الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، بما توفره من إجراءات أكثر وضوحًا لتنظيم رحلة المستثمر، وتحديد للمدد الزمنية لإنجاز عدد من الخدمات والتراخيص، وتنظيم للحوافز والمشروعات الاستراتيجية والتطوير العقاري، إلى جانب تعزيز دور المحطة الواحدة والتحول الرقمي والتكامل بين الجهات ذات العلاقة.
وتفتح اللائحة مساحة أوسع لتعزيز تنافسية المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة في استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية، في وقت تتجه فيه سلطنة عُمان إلى زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية واستقطاب مشروعات نوعية ترتبط بالأولويات الوطنية وتحقق قيمة مضافة من خلال نقل التقنية وتعزيز المحتوى المحلي وتنمية الصادرات وتطوير سلاسل القيمة.
وأكد مسؤولون في الهيئة والجهات المشغلة ومستثمرون في استطلاع صحفي لـ«عُمان»، أن الأثر الأبرز للائحة يتمثل في الانتقال إلى بيئة أكثر وضوحًا وتنظيمًا، وربط التسهيلات والحوافز بنوعية المشروعات وأثرها الاقتصادي، بالتوازي مع تطوير الخدمات الإلكترونية وتعزيز كفاءة استغلال الأراضي وحوكمة مشروعات التطوير العقاري.
إطار أكثر وضوحًا للمستثمر
وأوضح الدكتور سعيد بن خليفة القريني، مدير عام تطوير قطاع الاستثمار والمتحدث الرسمي بالهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة: إن اللائحة التنفيذية تمثل خطوة مهمة في استكمال المنظومة التشريعية والتنظيمية التي أرسى قواعدها قانون المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، حيث تنقل أحكام القانون إلى إجراءات تنفيذية واضحة تنظم مختلف مراحل المشروع الاستثماري، بدءًا من تخصيص الأراضي والحصول على التراخيص، مرورًا بالتشغيل والاستفادة من الخدمات والمزايا والحوافز والإعفاءات، وصولًا إلى تنظيم الالتزامات والرقابة والامتثال.
وأضاف أن وضوح الإجراءات من شأنه تعزيز البيئة التنظيمية ورفع كفاءة الأعمال وتقليل الوقت والجهد المرتبطين بإنجاز المعاملات، إلى جانب توفير إطار أكثر مرونة للتعامل مع المشروعات النوعية والاستراتيجية، بما يعزز تنافسية المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة وقدرتها على استقطاب استثمارات تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
المحطة الواحدة.. رحلة أكثر سلاسة
وأوضح القريني أن اللائحة عززت دور «المحطة الواحدة» باعتبارها القناة الرئيسة التي يتعامل من خلالها المستثمر مع الخدمات والإجراءات المتعلقة بمشروعه، بدءًا من طلبات تخصيص الأراضي والعقارات ووصولًا إلى التراخيص والموافقات والتصاريح والشهادات اللازمة لممارسة النشاط.
وأشار إلى أن من العناصر المهمة في اللائحة تحديد مدد زمنية واضحة وأقصر لإنجاز عدد من المعاملات، حيث يتم البت في طلب الترخيص خلال 7 أيام عمل من تاريخ استيفاء البيانات والمستندات المطلوبة، كما أتاحت اللائحة إمكانية إصدار الترخيص تلقائيًا من خلال المحطة الواحدة بعد التحقق الآلي من استيفاء المتطلبات والضوابط.
وأكد أن الهدف يتمثل في بناء رحلة أكثر مرونة وسلاسة للمستثمر وتقليل تعدد نقاط الاتصال وتكرار الإجراءات، بما يمكن المستثمر من الانتقال بصورة أسرع من مرحلة تقديم الطلب إلى تنفيذ المشروع وبدء النشاط.
تكامل رقمي وتبادل للبيانات
وفيما يتعلق بالتطور الرقمي، أكد القريني أن التوجه الذي تتبناه اللائحة يؤسس لمنظومة رقمية متكاملة لإدارة البيانات وتبادلها وإنجاز الخدمات، كما أن اللائحة ألزمت الجهات المشغلة بربط الأنظمة الإلكترونية لإدارة البيانات وربطها بصورة فورية وآمنة بالمحطة الواحدة، إلى جانب تفعيل قنوات السداد الإلكتروني وربطها بالأنظمة المالية، مع الالتزام بمتطلبات حماية البيانات وسريتها.
وأضاف أن الهيئة تعمل بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة على تنظيم تقديم الخدمات وتحديد الصلاحيات والمدد الزمنية وآليات المتابعة والتقييم ونقاط الاتصال، بما يسهم في تقليل تكرار تقديم البيانات والمستندات وتسريع المعاملات ورفع كفاءة متابعة رحلة المستثمر.
المشروعات الاستراتيجية
وحول المشروعات الاستراتيجية، أوضح مدير عام قطاع تطوير الاستثمار أن اللائحة وضعت معايير واضحة لتحديدها، بحيث تبلغ التكلفة الاستثمارية للمشروع 10 ملايين ريال عُماني على الأقل، إلى جانب تحقيق أحد المعايير النوعية، مثل نقل المعرفة والتقنية الحديثة أو تعزيز المحتوى المحلي أو الإسهام في تحقيق الاكتفاء الذاتي أو الأمن الاقتصادي أو تنمية الصادرات، وأن يكون المشروع ضمن المجالات الاستثمارية التي يحددها مجلس إدارة الهيئة في ضوء الخطط والاستراتيجيات الوطنية.
وقال: إن تصنيف المشروع الاستراتيجي يأخذ في الاعتبار الأثر الاقتصادي والتنموي الذي يحققه، موضحًا أن هذا النهج يسهم في توجيه الحوافز والتسهيلات نحو الاستثمارات الأكثر ارتباطًا بالأولويات الوطنية، كما أتاحت اللائحة للمشروعات الاستراتيجية إمكانية الحصول على «الموافقة الواحدة» بما يساعد على تسريع تنفيذها.
حوافز للقطاعات النوعية
وأفاد الدكتور سعيد القريني، المتحدث الرسمي للهيئة، أن اللائحة تستهدف تعزيز جاذبية عدد من القطاعات ذات القيمة المضافة، ومن بينها الصناعات الخضراء ومشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر ومشتقاته، والخدمات اللوجستية والمناولة في الموانئ، والصناعات التقنية المتقدمة ومراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي والابتكار، إضافة إلى الصناعات الدوائية والطبية والتقنية الحيوية ومشروعات الأمن الغذائي والبنية الأساسية الاستراتيجية.
وأوضح أن المشروعات الاستراتيجية يمكن أن تستفيد، وفق الإجراءات القانونية المقررة، من حوافز وتسهيلات إضافية تشمل الإعفاء من القيمة الإيجارية أو مقابل حق الانتفاع بالأراضي والعقارات اللازمة للمشروع لمدة تصل إلى 10 سنوات من تاريخ التشغيل الفعلي.
الجاهزية لاستقبال المشروعات
وفي سياق متصل، أكد الدكتور علي بن محمد تبوك، الرئيس التنفيذي للمنطقة الحرة بصلالة، أن جاهزية الأراضي والبنية الأساسية والخدمات تمثل عنصرًا رئيسًا في تحويل الفرص الاستثمارية إلى مشروعات قائمة على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن اللائحة توفر إطارًا أكثر وضوحًا ومرونة يمكن الجهات المشغلة من التخطيط لاحتياجات المشروعات وربطها بمتطلبات الأراضي والمرافق والخدمات.
وقال إن المنطقة الحرة بصلالة ستركز على مواءمة الأراضي والخدمات والبنية الأساسية مع طبيعة القطاعات والمشروعات المستهدفة، ولا سيما الاستثمارات الاستراتيجية والنوعية، إلى جانب تعزيز جاهزية الخدمات المقدمة عبر المحطة الواحدة والتنسيق المبكر مع المستثمر للتعرف على الاحتياجات الفنية والتشغيلية للمشروع.
وأضاف أن المنافسة بين المناطق الاستثمارية عالميًا لم تعد قائمة على الحوافز وحدها، بل تشمل قدرة المنطقة على تمكين المستثمر من الانتقال من اتخاذ القرار الاستثماري إلى التنفيذ والتشغيل بكفاءة وفي إطار زمني واضح.
مرونة للقطاعات الاقتصادية الجديدة
وأضاف الدكتور علي تبوك أن المرونة التي توفرها اللائحة ستساعد الجهات المشغلة على التعامل بصورة أفضل مع متطلبات القطاعات الحديثة والمتقدمة، التي تختلف احتياجاتها من حيث البنية الأساسية والطاقة والتقنيات ونماذج التشغيل عن الأنشطة التقليدية.
وأوضح أن تحديد اللائحة مجموعة من الأنشطة ذات الطبيعة الخاصة، بما فيها الصناعات الخضراء والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والخدمات اللوجستية والصناعات التقنية المتقدمة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والصناعات الدوائية والتقنية الحيوية، يمنح الجهات المشغلة إطارًا أوضح لتطوير عروضها الاستثمارية وتهيئة خدماتها بما يتناسب مع القطاعات المستهدفة.
المستثمر: وضوح أكثر في الإجراءات
ومن جانبه، قال صادق بن جعفر، الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة شركة ميسان العقارية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم: إن أهمية اللائحة التنفيذية بالنسبة للمستثمر تكمن في توفير مستوى أكبر من الوضوح بشأن الإجراءات والحقوق والالتزامات منذ المراحل الأولى للمشروع وحتى التشغيل، وهو عامل أساسي عند تقييم الفرص الاستثمارية، خصوصًا للمشروعات طويلة الأجل.
وأشاد بأن وجود إطار واضح ينظم التراخيص والتملك الحر والبيع على المخطط وحسابات الضمان وعلاقة المطور بالمشترين يساعد المستثمر على بناء خططه الاستثمارية والمالية بصورة أكثر وضوحًا.
وأكد أن ارتفاع مستوى التعامل التنظيمي يساعد المستثمر على تقييم المخاطر بصورة أفضل، ويدعم قرارات التوسع واستقطاب الشركاء والممولين والمشترين.
وأشار إلى أن الوقت يمثل أحد العناصر الرئيسة في تكلفة الاستثمار، وبالتالي فإن وضوح الإجراءات والمدد المحددة لإنجاز المعاملات ينعكس على التخطيط المالي والتنفيذي للمشروع، لافتًا إلى أن اللائحة حددت مدة أقل في العمل للبت في طلب ترخيص مزاولة أعمال التطوير العقاري بعد استيفاء البيانات والمستندات المطلوبة.
أثر الحوافز في القرار الاستثماري
وحول المشروعات الاستراتيجية، أوضح صادق بن جعفر أن الحوافز تكون أكثر تأثيرًا عندما ترتبط بنوعية المشروع والقيمة التي يضيفها إلى الاقتصاد، مشيرًا إلى أن معايير اللائحة لا تقتصر على حجم الاستثمار، وإنما تشمل أيضًا نقل المعرفة والتقنية وتعزيز المحتوى المحلي.
وقال إن هذه الحوافز يمكن أن تكون ذات أثر واضح في القطاعات التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وفترات تطوير وتشغيل طويلة، وأضاف أن نمو هذه الأنشطة داخل المناطق الاقتصادية لا يقتصر أثره على القطاع الصناعي أو اللوجستي، بل يولد طلبًا على المشروعات العقارية والخدمات والمرافق والمكونات الحضرية المصاحبة، بما يدعم نشوء مجتمعات اقتصادية متكاملة.
بيئة استثمارية أكثر تكاملًا
وتؤسس اللائحة التنفيذية، وفقًا لما يراه المسؤولون والمستثمرون، لمرحلة تتجه فيها المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة نحو تعزيز التكامل بين وضوح التشريعات وسرعة الإجراءات والتحول الرقمي وجاهزية البنية الأساسية والحوافز الاستثمارية والرقابة والامتثال.
ومن شأن تطبيق هذه المنظومة أن يدعم توجه سلطنة عُمان نحو استقطاب استثمارات أكثر نوعية، وربط المزايا المقدمة للمشروعات بأثرها الاقتصادي والتنموي، إلى جانب تعزيز كفاءة استغلال الأراضي ورفع مستوى الخدمات المقدمة للمستثمرين، بما يعزز موقع المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة بوصفها إحدى الممكنات الرئيسة للتنويع الاقتصادي وجذب الاستثمار في سلطنة عُمان.
وتمثل اللائحة التنفيذية لقانون المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة خطوة مهمة نحو ترسيخ بيئة استثمارية أكثر وضوحًا واستقرارًا ومرونة، وتعزيز كفاءة الإجراءات وسلاسة تجربة المستثمر، بما يدعم قدرة المناطق على استقطاب الاستثمارات النوعية وتطوير منظومات اقتصادية وقطاعية متخصصة. كما تسهم اللائحة في تعزيز الدور الذي تضطلع به الهيئة كشريك ومُمكّن للاستثمار، مستفيدةً من الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان واتصالها بالأسواق الإقليمية والعالمية، وبما يدعم تنافسية المناطق واستدامة نموها ويعزز إسهامها في تحقيق مستهدفات رؤية 'عُمان 2040'.