لن أسمي الفلسطينيين «ضحايا»
السبت / 21 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 20:28 - السبت 3 أكتوبر 2026 20:28
سبق أن استشهدتُ بقصيدة للشاعر الألماني هانز ماغنوس إنتسنسبرغر يهجو فيها «الضحايا» هجاءً صريحًا يصل حد اتهامهم بالجبن والعجز والتخاذل، بل ويحذر من دور الضحايا أنفسهم في استدامة الظلم من خلال استمرائهم غير الواعي لـ«حالة الضحية»، وللقارئ أن يعود إلى مقالٍ كتبته في هذا العمود قبل سنتين عنوانه «في عالم الأقوياء من يحب الضحايا؟!».
بعد غزة أفكر كثيرًا بالفلسطينيين من منظور هذه الكلمة التي فرضها عليهم السياق، وكان عليهم أن يرتدوها هويةً كي لا يوصفوا «إرهابيين»؛ إذ لطالما كان العالم يخيرهم بين نوعين من الاعتراف: إما إرهابيين وإما ضحايا مثاليين يُقدمون أرواحهم مثل القرابين على مذبح العِبرة. من يطيق هذا الوصف؟ وهل على شعبٍ كامل أن يدخل في لوحة بابلو بيكاسو أو يصعد إلى رسوماتِ عصر النهضة في الكنائس كي يصير المسيح المصلوب؟!
أعود إلى دراسة شديدة الأهمية عنوانها «في ظل المسيح؟» تبحث في تاريخ استخدام كلمة «الضحية» (victim) لوصف المتضررين من الجريمة، أكانت جريمة تحرش جنسي أو إبادة جماعية أو غيرها من أنواع الجرائم. وكاتب هذه الدراسة هو العالم الهولندي يان فان دايك الذي بدأ مختصًا في تحليل الجريمة ثم أصبح واحدًا من أبرز المسهمين المطورين لما يعرف اليوم بعلم الضحايا (Victimology)، وقد شغل في فترة من الفترات كرسيًا مهمًا في معهد خاص بهذا الحقل أنشأته جامعة تيلبورخ الهولندية.
يُعلّق فان دايك على مدخل دراسته كلامًا يقتبسه من شابة اختُطفت واحتُجزت وهي في العاشرة من عمرها داخل قبو سريّ في مدينة فيينا لتُغيَّب فيه مدة ثمانية أعوام. ذاعت حكايتها بعد أن تمكنت من الفرار عام 2006، وقد دونتها في كتاب تحول لاحقًا إلى فيلم. ما يهمنا في هذا السياق هو التصريح الذي أدلت به إثر خروجها لوسائل الإعلام الشرهة لحكاية من هذا النوع، وكلامها هنا يشرح الكثير مما يريد فان دايك قوله في دراسته: «لستُ ضحيةً لمجرد أن الآخرين يقولون إنني ضحية. لا يستطيع الآخرون أن يجعلوك ضحية؛ أنت وحدك من يستطيع فعل ذلك... أريد أن أُؤخذ على محمل الجد، وألا تُدفن وقائع قضيتي».
تتبرم الشابة كما هو واضح من عدم الجديّة، الأخلاقية والحقوقية، في نعتها بالضحية. فثمة هوان واستهانة في التعبير عن الظلم الذي أُنزل بالآخرين حين نلجأ إلى هذه الكلمة المشبعة بالمعنى الديني في الثقافة المسيحية والإسلامية على حد سواء، الكلمة التي تتفق فيها القسوة والقداسة معًا، وتشترك فيها اللغات الرومانسية مع العربية والعبرية، بتفاوت في السرديات فحسب، كما يرى فان دايك الذي يستثني بصورة ملفتة اللغتين الصينية واليابانية من اقتراف هذه التسمية علامة ودلالة لمن لحق به ضرر جائر أو قُتل ظلمًا، ففي هاتين اللغتين يستعان بالمبني للمجهول لوصف ذلك الشخص وصفًا حياديًا أقرب إلى الترجمة الحرفية التي تعني «الشخص الذي وقع عليه الضرر» من دون إضفاء بلسم قداسة على الألم.
بالعودةِ إلى الفلسطينيين، فإن «الضحية» تبدو كلمة «توافقية» إلى حد بعيد، فلا تزعج أحدًا، بدءًا بأولئك الذين يعترفون بالحد الأدنى من حقوقهم، كحقهم في الحياة (ولكن ليس كشعب طبعًا، بل كبشر غير مسيَّسين ولا سياسيين بالطبع) وصولًا إلى المعترفين بعدالة القضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في الوجود على الأرض وجودًا سياسيًا، شعبًا ينتمي إلى دولة. ولذا فإن وصفهم بالضحايا يصالح ويوافق بين هذين النوعين من التضامن، بما يلائم ميعة الإنسانوية الجديدة.
وفي سياقنا العربي والإسلامي فإن هذا الوصف يحسم الصراع القطبي الذي يحرّض عليه المتفرجون في كل مناسبةٍ بين الشهداء والقتلى. مجددًا تصالح هذه الكلمة بين الشهداء والقتلى، وتَصفح عن رفاهية الأسئلة المعتادة التي تصطدم فيها العدالة الدنيوية بالعدالة الأخروية، وتختلط فيها القناعات الموزعة بين السماء والأرض: هل كل قتلانا شهداء في الجنة؟ وهل شهداؤنا دائمًا على حق؟
إن الاحتجاج على التوصيف المنهجي للفلسطينيين بـ«الضحايا» لا بدَّ أن يبدأ بالضبط من نبشِ ذلك الوفاق والتراضي الخائن للحقيقة وراء هذا التوصيف، والذي لا بدَّ من الإقرار أيضًا بأن الشعرية الفلسطينية، ممثلة في محمود درويش بصورة خاصة، قد شَرَّعته وواظبتْ على توكيده، فتلقَّفه السياسيون وناضلوا في تأكيده وترويجه على المنابر الدولية لإنقاذ الفلسطيني من الصورة المضادة في الوعي الغربي؛ صورة «الإرهابي» أو النازي الجديد الذي يتوعد اليهودي برميه في البحر. إنني أرفض هذا المصطلح، أرفضه بوعي قاطع بعد غزة.
بذلك يكون الفلسطينيون قد دخلوا في سباق على لقب الضحية مع الضحية اليهودية الناجية من المحرقة. فالمشكلُ المثير للعجب أن الإسرائيليين الذين يمعنون في قتل العرب كل يوم، برخصةٍ مفتوحة من المجتمع الدولي، لا يكتفون بدور الجلاد القاتل، ولا يرضيهم هذا الدور الشاق وحده، بل ينافسون قتلاهم على دور الضحية، تمامًا كما عبر محمود درويش في ملحميَّته الشهيرة «مديح الظل العالي» حين صاح باليهودي:
«سَرَقْتَ دموعنا يا ذئب
تقتلني، وتدخل جُثَّتي وتبيعها!»
لقد صار للضحايا علم خاص يهتم بهم كعينات. ولا مفارقة أشد مضاضة من أن يكون الخبراء الإسرائيليون والمثقفون اليهود ذوو الهوى الصهيوني من أبرز الفاعلين المنظرين في تقعيد هذا العلم الجديد وتأسيسه حقلًا أكاديميًا منذ السبعينيات، وإن كانت ملامحه الفكرية قد تشكلت قبل قيام دولة الاحتلال. ومساهمة الباحثين الإسرائيليين أو اليهود الواسعة في منظمة مثل الجمعية العامة لعلم الضحايا (WSV) تقول الشيء الكثير.
لقد رعت إسرائيل عام 1973 المؤتمر الدولي الأول لعلم الضحايا الذي نظمه في القدس الطبيب وعالم الإجرام إسرائيل درابكن بالتعاون مع الجامعة العبرية. ولا شكَّ أن الاهتمام بهذا الحقل قد تنامى في إسرائيل بعد هجوم السادس من أكتوبر في ذات العام. كما يكفي أن بحث في سيرة بنيامين مندلسون، الروماني اليهودي الذي صار إسرائيليًا، والذي صار اليوم أبًا لعلم الضحايا كما يُوصف.
إن الاعتقاد بكون شعب أو إنسان ضحية فذلك يخدم بلا وعي استعارة قادمة من عالم الحيوان، لتشيعَ من غير أن نشعر مناخًا متخمًا بالعجز وقلة الحيلة والاستسلام النبيل للجلاد. هكذا تفضي بنا اللغة من حسن النوايا إلى سوء المنقلب. وإن شئنا التأكيد على كون الشهداء ضحايا لكي نقول إن القتلة هم الجلادون، فلا أظن أن هذه التهمة ستزعج نتنياهو وبن غفير وسموتريش وسائر العصابة الإجرامية المتطرفة في إسرائيل اليوم. فلن يجدي توبيخهم المجازي المستمر بوصفهم «جلادين» ما دام ذلك يعني أن ضحاياهم مطالبون بالتزام الحد الأقصى من ضبط النفس والأخلاق الحسنة قبل قصف البناية على رؤوسهم ورؤوس أطفالهم، أو خلال احتضارهم جوعًا داخل معسكرات الاعتقال المكشوفة تحت سماء ناصعة من الرحمة. والأهم أن الضحايا كائنات لا يُتوقع منها الانتقام، بل هي مطالبة بالغفران في العرف المسيحي. ولأجل أن توفي الضحية بشروط معناها أمام العالم، ولكي تحافظ على كنزها الأخلاقي؛ فلا بدَّ أن تكون منزوعة السلاح.
لقد قُضي على الضمير الذي كان يمكن لهذا الخطاب الشعري أن يتوسله أو يستفز بقاياه. لقد قُضي على الضمير والخجل والحساسية الفطرية تمامًا، بل سأذهب إلى أبعد من ذلك لأقول: إن وصف إسرائيل بالجلاد هو مديح مُضمر، مديح في معرض الذم، يرفع من نرجسيات القتلة، ويؤكد لهم أنهم في الطريق الصحيح لـ«ترويض» الفلسطينيين والعرب.
علينا أن نغادر هذا السباق بين الضحية والجلاد الذي لم يعد يخص قضيتنا. وعلينا أن ننجو من هذه الثنائية الميتة في سياق المرافعة القانونية والسياسية ضد إسرائيل، وهي المشروع الصهيوني القديم المتجدد العائد إلى جذوره العنيفة بكل غرور. لم تعد هذه الثنائية تجدي نفعًا. وشخصيًا لن أقبل أن أكون «ضحية» لأي سياق كان. و«لن أقبل» تعني أنني لن أعترف، وليس في ذلك أي تعالٍ أو مكابرة ساذجة على الشروط الموضوعية التي تفرضها القوة، فأنا في مقابل ذلك، كشاعرٍ إن شئتم، أعترف أنني مهزوم، لكنني لن أوقع على اعتراف يُعلنني ضحية للعبرة؛ فالإدمان على هذا الدور لا يليق بالبشر، ولا يوفر أدنى مستلزمات الكرامة الإنسانية. وقد كان أولى بمن يزعجهم دائمًا وصف الفلسطيني بالبطل الملحمي المؤهل للموت المتفاني في سبيل قضيته أن يكفوا أيضًا عن تقديمه ضحيةً وقربانًا لعدالة لن تأتيَ بغير المقاومة، المقاومة المسلحة طبعًا.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني