ثقافة

من "رواية الأجيال" إلى "دراما الأجيال"

 

(1)
منذ دشن نجيب محفوظ ثلاثيته الكبرى (بين القصرين وقصر الشوق والسكرية) في خمسينيات القرن الماضي، صار لدينا في أدبنا العربي وفي تاريخ الرواية العربية رواية أجيال كاملة وناضجة وشامخة بين أخواتها في الآداب المناظرة (راجع الحلقة الماضية من مرفأ قراءة).
استحوذت الثلاثية على إعجاب النقاد والقراء معًا؛ وظلت محل اهتمام دارسي الأدب ومؤرخي الرواية لما يقرب من نصف القرن؛ واتخذت منها الناقدة والأكاديمية الراحلة د. سيزا قاسم مادة لدراستها المرجعية «بناء الرواية ـ ثلاثية نجيب محفوظ نموذجا».
خلال العقود التالية لصدورها؛ بدأت تظهر نماذج تقترب أو تبتعد في أرجاء العالم العربي من رواية الأجيال أو الرواية الممتدة التي تغطي فترات زمنية طويلة تصل لعقود قد تتجاوز الثلاثة أو الأربعة، كما تتابع حيوات أبناء الجيل الثاني والثالث لآبائهم.
انفردت الرواية بهذا الامتداد، واستحوذت على ألباب القراء، وشغفتهم بنماذجها سواء العالمية التي ترجمت إلى العربية أو تلك التي كتبها أدباء وروائيون عرب، كما أشرنا إلى ذلك في مقالات سابقة، إلى أن ظهر منافس شديد الخطورة بدأ في سحب البساط من تحت أقدام الرواية وهو 'التليفزيون' الذي ظهر إلى النور في عام 1960، وبدأ في إنتاج الدراما والمسلسلات التلفزيونية في السبعينيات؛ ووصل إلى ذروة استحواذه وامتلاكه للتأثير والمتابعة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات ما لم يحظ به وسيط آخر (حتى انتهى ذلك بظهور الشبكة العنكبوتية، وثورة الاتصالات والمعلومات، والتواصل الرقمي في السنوات الأولى من الألفية الثالثة، وقد ورث المسار التلفزيوني في إنتاج الدراما ما بات يعرف الآن بالمنصات الكبرى، لكن هذا حديث آخر).
(2)
مع ظهور التلفزيون كوسيط مرئي وظهور الدراما التلفزيونية التي اعتبرها بعض النقاد أو أطلق عليها اسم الرواية التلفزيونية (المسلسلات المكتوبة خصيصًا بطريقة المشاهد المكونة من سيناريو مخصوص وحوار متقن للظهور على الشاشة الفضية الصغيرة) انتقلت فكرة 'رواية الأجيال' وتسلسلها واتصالها واستيعابها للمتغيرات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية خلال حقبة زمنية بعينها، وأثرها على الأبطال أو شخوص العمل، إلى الدراما التلفزيونية وبالأخص مع الرائد الكبير أسامة أنور عكاشة؛ الذي راد هذا الاتجاه وأسس له وأصبح علمًا عليه بأعماله الكبرى والمؤثرة، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وحتى رحيله في 2010.
أربعة عقود متصلة تقريبا استغرقتها الرحلة (من أربعينيات القرن الماضي إلى مطالع الثمانينيات)؛ لكي يظهر هذا النوع الجديد من خلال الوسيط المرئي 'التلفزيوني' وهو الدراما التمثيلية، وفي القلب منها 'دراما الأجيال' أو 'المسلسل الاجتماعي التاريخي' ذو الأجزاء المتعددة؛ ونموذجها الأجلى والأنصع في تاريخ الدراما العربية كلها بغير منازع مسلسل «ليالي الحلمية» في خمسة أجزاء عرضت خلال الفترة من (1987-1998) وانضاف عليها جزء سادس في 2016 لم يكتب له النجاح أبدا لا من قريب ولا من بعيد!
لكن من المهم هنا، وقبل البدء في الحديث عن 'دراما الأجيال التلفزيونية' والتوقف عند نماذجها العليا (كما فعلنا في قراءة وتحليل رواية الأجيال في الحلقتين الماضيتين)، من المهم التوقف عند مرحلة 'البدايات' التي اكتشف فيها أسامة أنور عكاشة عبقري الدراما التلفزيونية وعميدها غير منازع، اكتشف قدرة هذا الوسيط المذهل (التلفزيون) على الوصول إلى ملايين المشاهدين؛ وعلى قدرته المذهلة على التأثير في نفوسهم وإثارة انفعالهم، وتحريك الساكن من مشاعرهم بدليل الاستجابات المذهلة التي يحفظها لنا الأرشيف الحي من الصحف والمجلات الصادرة في تلك الفترة (نحن نتحدث عن سبعينيات القرن الماضي)..
(3)
كان أبناء السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، محظوظين بمتابعة الأعمال الأولى 'الوليدة' لأسامة أنور عكاشة في الدائرة الاجتماعية التاريخية التي ستنضج وتتطور فيما بعد لتصل إلى ألمع وأهم وأجمل أعماله؛ بدءًا من 'المشربية' و'السيد أبو العلا البشري' و'الشهد والدموع'، وصولًا إلى القمة الشاهقة في 'ليالي الحلمية' ومن بعدها في 'زيزينيا'، وغير ذلك من أعمال مذهلة ما زلنا نشاهدها، ونستمتع بها حتى وقتنا هذا رغم مرور كل هذه السنوات!
وأستعين هنا في الإشارة إلى عناوين هذه الأعمال، بما أورده الناقد الفني القدير والكبير محمود عبد الشكور في كتابه الممتع «كنت صبيا في السبعينيات» وصنوه «كنت شابا في الثمانينيات»؛ يتحدث عبد الشكور تحديدا عن حلقات مسلسل بدأ عرضه في السبعينيات عنوانه «رجال في الغروب» من بطولة عماد حمدي وليلى حمادة، كما يشير إلى مسلسل آخر اسمه «الحصار» كان من بطولة صلاح قابيل.
وكان هذان العملان (وربما كانت هناك مسلسلات أخرى لم أصل إلى معرفتها) هما الممهدان لظهور عمله المهم «المشربية» (عرض أواخر السبعينيات أو مطالع الثمانينيات) وكان من بطولة شكري سرحان، وعبد الرحمن أبو زهرة، وسميحة أيوب..
وفي الفترة نفسها؛ ظهرت مسلسلات أخرى مهمة في دائرة المعالجة ذاتها؛ منها مسلسل «عابر سبيل» من بطولة الفنان العملاق عبد الله غيث، ومسلسل «على أبواب المدينة» في جزأين اثنين. كذلك يشير عبد الشكور إلى عرض حلقات مسلسل بعنوان «الرجل الذي فقد ذاكرته مرتين» عن قصة لنجيب محفوظ؛ وكان من بطولة النجم الأسمر الراحل أحمد زكي، وزوجته الراحلة هالة فؤاد، ومسلسل «قال البحر» من بطولة عزت العلايلي وفردوس عبد الحميد، وتختتم هذه المرحلة التأسيسية أو 'التبشيرية' بالدراما الجيلية بمسلسل «عصفور النار» من بطولة محمود مرسي وفردوس عبد الحميد.
(4)
عن هذه المرحلة وسماتها، وما ألقته من بذور نجاح وانتشار الدراما التلفزيونية وممارسة تأثيرها الهائل والواسع على ملايين المشاهدين في العالم العربي كله؛ يقول محمود عبد الشكور وهو بصدد الحديث عن أسامة أنور عكاشة الذي يصفه بـ'أستاذ الدراما التلفزيونية'؛ يقول عبد الشكور:
'أسامة أنور عكاشة أحد المبدعين الكبار، أستاذ الدراما التلفزيونية، عاشق المحروسة والمصراوية، صاحب الرأي والرؤية قبل الحرفة.. تابعت أعماله الدرامية من السبعينيات في مرحلة الصبا، ولا أنسى له سباعيتين قديمتين من إبداعه (كتابة السيناريو والحوار): السباعية الأولى بعنوان «رجال في الغروب» وكانت من بطولة الفنان القدير عماد حمدي، وليلى حمادة، والسباعية الثانية أثارت ضجة هائلة حين عرضها آنذاك وكان عنوانها «الحصار»، من بطولة صلاح قابيل (ربما كان ذلك عام 1976 مثلا).
بعدهما، قدم عكاشة مسلسلا لم يحظ بالنجاح الذي حظي به المسلسلان السابقان، واسمه «ريش على ما فيش» وكان من بطولة الفنان الشاب آنذاك يحيى الفخراني، ثم عاد عكاشة بأولى تحفه الكبرى وأعماله التأسيسية: مسلسل «المشربية» الذي أعلن عن مولد كاتب درامي كبير من الطبقة الأولى الممتازة، ثم تتالت بعد ذلك أعماله الكبرى والشهيرة: «على أبواب المدينة»، «الشهد والدموع»، «ليالي الحلمية»، «أرابيسك»، و«قال البحر»، «عصفور النار»، «أبو العلا البشري»، «الراية البيضا»، «زيزينيا»، «ضمير أبلة حكمت»، «أميرة في عابدين».. إلخ'.
وأتصور أن هذه المرحلة التأسيسية التي استغرقت الفترة (1975-1985) كانت هي مرحلة التمهيد والإرهاص والتبشير بالظهور المكتمل لدراما الأجيال أو مسلسل الأجيال التلفزيوني ذي الأجزاء المتعددة مع ظهور المسلسل ذائع الصيت «الشهد والدموع» الذي عرض جزؤه الأول في عام 1985، ثم عرض الجزء الثاني منه في عام 1987، وذلك قبل ظهور المسلسل الأيقونة «ليالي الحلمية» الذي عرض الجزء الأول منه في عام 1987.