هل الاستوديوهات التحليلية بكأس الخليج تلبي احتياجات المشاهد؟
محلّلون: المشاهد بحاجة إلى قراءة فنية بعيدا عن الجدل
السبت / 21 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 14:46 - السبت 3 أكتوبر 2026 14:46
تحظى بطولات كأس الخليج العربي لكرة القدم باهتمام إعلامي وجماهيري كبير في المنطقة، وتحرص القنوات الرياضية على مواكبة مبارياتها من خلال تغطيات موسعة واستوديوهات تحليلية تسبق المواجهات وتستمر حتى بعد صافرة النهاية، في ظل المنافسة بين القنوات لتقديم محتوى يجذب المشاهد الخليجي ويواكب الاهتمام الكبير الذي تحظى به البطولة، ومع استمرار منافسات 'خليجي 27'، يبرز تساؤل حول مدى نجاح بعض الاستوديوهات التحليلية في القيام بدورها الأساسي وتلبية احتياجات المشاهد الباحث عن قراءة فنية للمباريات، خصوصا مع تحول جانب من النقاشات في بعض البرامج إلى سجالات بين الضيوف، وارتفاع نبرة الحوار، إلى جانب بعض التصرفات والمشاهد التي تبتعد عن الجانب الفني للمباراة، وتصل أحيانا إلى الصراخ أو الاحتفالات والرقص داخل الاستوديو؟ وكذلك بالنسبة للإعلاميين الميدانيين، نلاحظ منهم من يختار نوعًا من الجمهور الذي يقدم شيئًا فكاهيًا للبرنامج أو من يثير الجدل، وقد تنقل هذه التصرفات سلوكا لا يتناسب مع مجتمعه وبلده.
ولا شك أن بطولة كأس الخليج تتمتع بطابع خاص، وتحمل مواجهاتها الكثير من الحماس والتنافس بين المنتخبات والجماهير، وهو ما ينعكس بصورة طبيعية على التغطية الإعلامية، إلا أن المشاهد ينتظر في الوقت ذاته من الاستوديو التحليلي تقديم معلومات تساعده على قراءة المباراة بصورة أعمق، ومعرفة الجوانب الفنية والتكتيكية التي ربما لا تكون واضحة أثناء متابعته للمواجهة.
كما يلاحظ أن بعض الاستوديوهات أصبحت تعتمد على أسماء إعلامية أو ضيوف لا ترتبط تجاربهم بصورة مباشرة بالجوانب الفنية لكرة القدم، وهو ما يجعل النقاش في بعض الأحيان يبتعد عن تحليل تفاصيل المباراة ويتجه نحو الآراء العامة والجدل بين الضيوف، إضافة إلى ظهور حالة من الانحياز للمنتخبات الوطنية لدى بعض المحللين، وهو أمر يمكن تفهمه من الناحية العاطفية، لكنه قد يؤثر على طبيعة التحليل عندما يطغى على القراءة الفنية المحايدة للمباراة.
ويفترض أن يمنح الاستوديو التحليلي المشاهد صورة أكثر وضوحا عما حدث داخل أرضية الملعب، من خلال الحديث عن أسلوب اللعب، وتحركات اللاعبين، والتغييرات التي يجريها المدربون، ونقاط القوة والضعف، والأسباب الفنية التي ساهمت في حسم النتيجة، إلى جانب الاستفادة من الإحصائيات واللقطات التلفزيونية في توضيح الجوانب التي تستحق الوقوف عندها.
وتبقى المساحة الحوارية والحماس جزءا من طبيعة البرامج الرياضية، خصوصا في بطولة جماهيرية بحجم كأس الخليج، إلا أن التحدي أمام القنوات يتمثل في تحقيق التوازن بين تقديم مادة تلفزيونية جاذبة للمشاهد والمحافظة على القيمة الفنية للاستوديو التحليلي، حتى لا يتحول الاهتمام بما يدور بين الضيوف إلى مساحة أكبر من الاهتمام بما حدث داخل المستطيل الأخضر. ومع تعدد القنوات الناقلة والاستوديوهات المصاحبة لمنافسات خليجي 27، يبقى السؤال مطروحا أمام المشاهد: هل تقدم الاستوديوهات التحليلية بالفعل ما يحتاجه المشاهد لفهم المباراة بصورة أفضل، أم أن البحث عن الإثارة والجدل أصبح حاضرا بصورة أكبر على حساب التحليل الفني؟
وفي هذا الإطار، استطلعت 'عُمان' آراء عدد من اللاعبين السابقين والمحللين والمهتمين بالشأن الكروي، للوقوف على رؤيتهم حول مستوى الاستوديوهات التحليلية المصاحبة للبطولة، ومدى نجاحها في تقديم المحتوى الفني الذي ينتظره المشاهد.
إسماعيل العجمي: 'الترند' والإثارة يفرضان نفسيهما على كثير من البرامج
يرى إسماعيل العجمي لاعب منتخبنا الوطني السابق والمحلل الرياضي، أن طبيعة المحتوى الذي تقدمه العديد من البرامج الرياضية في الوقت الحالي أصبحت مرتبطة إلى حد كبير بما يبحث عنه الجمهور وما يحقق الانتشار والتفاعل، مشيرا إلى أن 'الترند' بات حاضرا بقوة في تحديد شكل ومضمون بعض البرامج، وهو ما يدفع بعض الضيوف إلى البحث عن الإثارة التي تضمن لهم الحضور والاستمرار.
وقال العجمي: البرامج التي يتابعها الأغلب حاليا هي التي تبحث عن الترند، ولذلك نجد أن بعض الأشخاص، ولا أستطيع أن أعمم على الجميع، يبحثون عن الشيء الذي يصنع الإثارة ويجعلهم مستمرين في الظهور عبر هذه القنوات، وأصبح صنع الضجة والإثارة جزءا حاضرا في العديد من البرامج.
وأوضح أن البرامج التي تقدم تحليلا فنيا عميقا للمباريات لا تزال موجودة، لكنها أقل حضورا مقارنة بالبرامج الأخرى التي تعتمد على النقاشات السريعة والإثارة.
وأضاف: هناك برامج مخصصة للتحليلات العميقة، لكنها قليلة، وربما لا تكون مرغوبة لدى شريحة معينة من الجمهور، لأنها لا تخاطب ما يبحث عنه 'الترند' أو ما يفضله جزء كبير من المتابعين، في حين أن هناك بعض البرامج -وإن كانت قليلة- تتحدث بعمق وتقدم تحليلا حقيقيا للمباريات.
وأشار العجمي إلى أن جانبا من المحتوى الرياضي المتداول أصبح يميل إلى الطرح السريع والسطحي، بينما تحظى البرامج التي تشهد المناوشات والاختلافات بين الضيوف بمساحة أكبر من الانتشار والمتابعة، معتبرا أن استمرار هذا النوع من البرامج مرتبط في الأساس بطبيعة السوق واهتمامات الجمهور.
وأضاف: الأغلب يتحدث بشكل سطحي وسريع، وما يسيطر على الساحة حاليا هي البرامج التي تشهد المناوشات، واستمرارها يعود إلى السوق، لأنها تقدم ما يطلبه 'الترند' وما يحبه جزء كبير من الجمهور، وهذا الأمر جعلها تفرض نفسها بقوة.
وأكد العجمي أن المسألة لا ترتبط فقط بالقنوات أو القائمين على البرامج، وإنما بما يحظى بالمتابعة والتفاعل أيضا، إذ إن ارتفاع الإقبال على المحتوى القائم على الإثارة والجدل يمنحه مساحة أكبر للاستمرار، في مقابل حضور أقل للبرامج التي تركز بصورة أساسية على التفاصيل الفنية والتكتيكية للمباريات، رغم وجود نماذج إعلامية لا تزال تحافظ على التحليل المتخصص والعميق وتقدم للمشاهد قراءة فنية للمواجهات.
ناصر الحجري: 'ناقش الفكرة لا الشخص.. والمشاهد يريد أن يفهم لا أن يتابع الدراما'
من جانبه، يرى ناصر الحجري، المحلل الفني والناقد الكروي، أن الاستوديوهات التحليلية مطالبة في المقام الأول بالتركيز على الجانب الفني للمباريات، وتقديم محتوى يساعد المشاهد على فهم ما يحدث داخل أرضية الملعب، بعيدا عن النقاشات الجانبية أو الخلافات الشخصية التي قد تُفقد الاستوديو الهدف الأساسي من وجوده.
وقال الحجري: النقطة الأولى التي يجب التركيز عليها هي التحليل الفني، سواء فيما يتعلق بالتكتيك أو الجانب البدني واللياقة أو أداء اللاعبين وكيفية قراءة المباراة، لأن هذه الجوانب هي التي يبحث عنها المشاهد من وجود المحلل الفني في الاستوديو، ومن المهم أن يخرج المتابع بصورة أوضح عن المباراة وما حدث فيها.
وأشار إلى أهمية احترام الآراء المختلفة بين الضيوف والمحللين، موضحا أن الاختلاف في وجهات النظر يعد أمرا طبيعيا في كرة القدم، لكن ينبغي أن يبقى النقاش منصبا على الفكرة المطروحة دون الانتقال إلى الشخص نفسه، مضيفا: حتى إذا اختلفت مع ضيف أو محلل آخر في الرأي، ناقش الفكرة ولا تناقش الشخص، لأن الاختلاف في الرأي أمر وارد، ويمكن لكل طرف أن يقدم وجهة نظره وأسبابه الفنية.
وشدد الحجري على ضرورة الابتعاد عن التلميحات والهجوم الشخصي بين ضيوف الاستوديوهات، معتبرا أن مثل هذه النقاشات لا تضيف قيمة فنية للمحتوى المقدم، بل قد تؤدي إلى تشتيت المشاهد وإبعاد الحوار عن المباراة، وقال: التلميحات الشخصية أو الهجوم على الأشخاص لن يقدم شيئا للاستوديو أو للمشاهد، بل على العكس قد يشتت المتابع عن الموضوع الأساسي.
كما أشار إلى أهمية إدارة الحوار بطريقة تمنع تحوله إلى جدال لا يقدم فائدة للمشاهد، موضحا أنه عندما يصل النقاش إلى طريق مسدود فمن الأفضل الانتقال إلى محور آخر بدلا من الاستمرار في سجال لا يضيف جديدا.
وأضاف الحجري أن المحلل يستطيع دعم وجهة نظره بأمثلة فنية واضحة دون الحاجة إلى الدخول في خلافات أو توجيه إساءات إلى الآخرين، مؤكدا أن الهدف في النهاية يجب أن يكون تقديم المعلومة للمشاهد، وقال: تحدث عن الأمثلة الفنية بشكل واضح ومن دون مهاجمة أحد، بحيث يستفيد المتابع ويخرج من الاستوديو وهو يفهم ما حدث في المباراة، بدلا من أن ينشغل بالدراما والخلافات التي تحدث بين الضيوف.
هلال المخيني: البحث عن الجدل لا يجب أن يكون على حساب قيمة المحتوى
بدوره، يرى هلال المخيني، المحلل الفني والناقد الكروي، أن ظهور بعض المشاهد والتصرفات غير المناسبة داخل البرامج والاستوديوهات الرياضية أصبح أمرا متكررا، مشيرا إلى أن المسؤولية في المقام الأول تقع على الشخص نفسه، وما يقدمه من صورة أمام المشاهدين، خصوصا أن الظهور الإعلامي يضع الضيف أمام مسؤولية تتجاوز حضوره الشخصي إلى الصورة التي يقدمها عن مجتمعه وبلده.
وقال المخيني: للأسف هذا مشهد يتكرر، ولكن الإنسان عليه أن يكون الرقيب والحسيب على نفسه وعلى شخصيته وتاريخه ومجتمعه، وعندما تغيب هذه الأمور ويظهر الشخص بصورة غير جيدة، فإن ذلك أمر يحز في النفس، وفي النهاية من يظهر بهذه الصورة لا يمثل إلا نفسه.
وأكد أن الشخص عندما يحضر ضيفا في إحدى القنوات أو وسائل الإعلام المختلفة، ينبغي أن يدرك حجم المسؤولية المرتبطة بظهوره، وأن يقدم صورة تليق به وبالمكان الذي يمثله، بعيدا عن التصرفات التي قد تقلل من قيمة حضوره الإعلامي أو تحول الاهتمام من مضمون البرنامج إلى تصرفات الضيوف، وأضاف: على الإنسان، خاصة عندما يكون ضيفا في إحدى القنوات أو وسائل الإعلام، أن يمثل بلده خير تمثيل، بعيدا عن الشطحات والجوانب التي تقلل من قيمته كشخص أولا، وكذلك من قيمة بلده ومجتمعه.
وأشار المخيني إلى أن الساحة الإعلامية تضم العديد من البرامج التي تقدم محتوى جيدا وتحافظ على قيمة الطرح الرياضي، إلا أنه في المقابل يرى أن هناك برامج أخرى تتجه نحو محتوى أقل جودة بهدف تصدر المشهد وتحقيق الانتشار والوصول إلى 'الترند'، دون تقديم جهد حقيقي يضيف إلى معرفة المتابع أو يلبي تطلعاته. وقال: هناك الكثير من البرامج التي تقدم محتوى جيدا، وفي المقابل هناك أيضا برامج تقدم محتوى هابطا رغبة في تصدر المشهد والحصول على 'الترند'، دون جهد أو عمل حقيقي يرتقي بذائقة المتابع.
وشدد المخيني على أن السعي وراء الانتشار لا ينبغي أن يأتي على حساب احترام المشاهد أو قيمة المحتوى الرياضي، لافتا إلى أن الضيف أو مقدم البرنامج مطالب بإدراك أن ظهوره أمام الجمهور يحمل مسؤولية، وأن ما يصدر عنه يبقى في النهاية معبرا عن شخصه في المقام الأول.