الاقتصادية

كيف أربكت صدمة الطاقة الإيرانية العالم؟

 

مالكولم مور وسام فليمنج - الفاينانشال تايمز

ترجمة: قاسم مكي

حين بدا أن العالم يتعافَى من حُمَّى أزمة الطاقة في هذا العام ارتفعت درجة الحرارة مرة أخرى فيما تزداد احتمالات الشفاء سوءا.
لقد تجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل في سبتمبر. وتتعاظم ضغوط التضخم في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا. كما اندلعت الاحتجاجات على ارتفاع أسعار الوقود من سوريا وإلى جواتيمالا. وطبقت الهند والفلبين إجراءات طارئة لتوفير الطاقة.
اتصف هذا الصيف بما يعتبره البعض إحساسا زائفا بالأمان. ففي يونيو وقَّعت الولايات المتحدة وإيران اتفاقا بتمديد هدنتهما الهشة وإعادة فتح مضيق هرمز مما سمح بخروج ما يزيد عن 130 ناقلة من الخليج وتوصيل شحناتها إلى العالم.
لكن الاتفاق سرعان ما انهار. ولا يبدو أن هنالك احتمال يذكر بنهاية سريعة للحرب. هذا فيما تفرض حرب روسيا وأوكرانيا ضغوطا أخرى على أسعار الطاقة.
يحذر خبراء عديدون من أن سوق النفط والغاز قد تشهد شحا خطيرا في الخريف والشتاء مع ما يترتب عن ذلك من عواقب على معدلات التضخم والنمو. ويحذر جو بروسولاس كبير الاقتصاديين بشركة المحاسبة 'آر أس أم يو إس' من أن العالم دخل 'صدمة النفط رقم 2'.
يضيف جو أن البنوك المركزية سيلزمها 'إبطاء الاقتصاد العالمي إذا كانت تريد إعادة جنِّي التضخم إلى القمقم.'
لكن صدمة سعر الطاقة ليست هي ما يعتقده العديد من الناس. وسنتطرق هنا إلى خمس طرق أربكت بها هذه الصدمةُ العالم.
من الإفراط في التشاؤم إلى العكس
حتى الآن يتحدى النموُّ العالمي توقعاتِ العديد من الاقتصاديين. يعود ذلك في جزء منه إلى المرونة غير المتوقعة لتجارة النفط والغاز بعد هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 8 فبراير.
لقد حذر فاتح بيرول رئيس وكالة الطاقة الدولية في مارس من أن العالم يواجه أعظم تهديد لأمن الطاقة في العالم.' وكان يشير بذلك إلى كميات النفط والغاز التي أخرجتها الحرب من الأسواق العالمية.
لكن على الرغم من شروع البلدان في الاستعداد للنقص في أنواع الوقود الأساسية لم تحطم الأسعار المستوياتِ القياسية السابقة بسبب تنسيق ضخ حوالي 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية وتخلي الصين عن شراء النفط ومتانة النظام التجاري العالمي.
حقق اقتصاد العالم في الربع الثاني من العام الحالي نفس الوتيرة السنوية للنمو التي شهدها في الربع الأول، حسب تقديرات شركة الأبحاث 'كابيتال إيكونومكس.' ولا تشمل هذه الأرقام بلدان مجلس التعاون الخليجي.
تتصور ازابيل ماتيوس إي لاجو، كبيرة الاقتصاديين ببنك بي ان بي باريبا، أن مثل هذه المرونة الاقتصادية نتيجة لمعركة 'شد الحبل' بين ازدهار الذكاء الاصطناعي الذي أذكى النمو وبين أزمة الطاقة. وتعتقد أن هذا الاتجاه يمكنه الاستمرار، مشيرة إلى حجم الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
لكن ضغوط الأسعار ملموسة. ففي الشهر الماضي رفع البنك الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة لأول مرة منذ عام 2023. وهو ليس البنك المركزي الوحيد الذي يضغط على الكوابح استجابة لضغوط التضخم الناتجة عن الحرب.
وفي الشهر الماضي أيضا حذر البنك المركزي الأوروبي من مخاطر ارتفاع معدل التضخم وانخفاض معدل النمو الاقتصادي مع رفعه أسعار الفائدة للمرة الثانية منذ بداية الحرب. وفي نفس الشهر زاد بنك اليابان سعر الفائدة إلى أعلى مستوى له خلال 31 عاما.
يحذر نيل شيرنج بشركة كابيتال ايكونومكس من هبوط النمو باتجاه معدل 2% في حال استمرار أسعار النفط بين 110 دولارات و120 دولارا للبرميل خلال فترة الستة أشهر القادمة. هذا معدل أبطأ على نحو لافت من معدل النمو في العام الماضي والذي بلغ 3.4%. يقول شيرنج إنه سيبدو 'معدلا ركوديَّا' تماما
أيضا المخاوف من تباطؤ النمو مع زيادة البنوك المركزية لتكاليف الاقتراض تتسرب إلى سوق النفط وتضع سقفا للمدى الذي سترتفع إليه الأسعار.
أزمة وقود وليست أزمة نفط
ظل سعر النفط تقليديا إشارةَ التحذير لاقتصاد العالم. لكن المستهلكين لا يشترون النفط. إنهم يشترون البنزين والديزل ووقود الطائرات. وسعر هذه الأنواع من الوقود هو الذي يتسرب في نهاية المطاف إلى التضخم.
خلال مسار حرب إيران كانت إمدادات الوقود أقل وفرة إلى حد بعيد من إمدادات النفط بسبب النقص في سعة تكرير النفط بالمصافي والتكلفة العالية لنقل الوقود بحرا إلى أماكن استهلاكه.
في وقت مبكر لا يتعدى شهر يونيو ومع هبوط أسعار النفط كان توم بيكر، رئيس شركة تجارة النفط 'فيتول' في الشرق الأوسط، يحذر من مستقبل قاتم للوقود المكرر فيما تبقى من هذا العام.
ففي ذلك الشهر خفضت المصافي المستقلة في الصين إنتاجها إلى أدنى مستوى له خلال 9 سنوات بعدما جعلها حظرٌ حكومي للصادرات غير قادرة على بيع الوقود إلى الخارج.
وفي روسيا ثالث أكبر بلد يكرر النفط في العالم بعد الولايات المتحدة والصين قلصت الهجمات المتواصلة للمسيرات الأوكرانية الإنتاج بنسبة 30% في العام الماضي. وهو أقل مستوى له في 20 عاما. قصفت أوكرانيا الآن كل المصافي الروسية (عددها 32 مصفاة) باستثناء أربعة فقط توجد كلها في شرق سيبيريا.
وبحلول أغسطس هبطت صادرات الديزل من المصافي الضخمة في الشرق الأوسط إلى ربع مستواها قبل الحرب، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.
تعمل مصافي العالم بأقصى سرعة. لكنها تعجز عن تعويض الخسائر. فالإنتاج العالمي من الوقود المكرر كان أقل بحوالي 4 ملايين برميل في اليوم في شهر أغسطس مقارنة بعام مضي، حسب الوكالة أيضا.
وفي هذا الشهر تعدى سعر الديزل في الولايات المتحدة 200 دولار للبرميل. وتجاوزت أسعار الديزل في الولايات المتحدة 6 دولارات للجالون لأول مرة على الإطلاق. وهو ما يساوي ضعف مستواها قبل الحرب. الجدير بالذكر أن الديزل وهو ضروري للنقل بالشاحنات وأيضا للتدفئة في الشتاء يشكل ما يقارب ربع الطلب العالمي على النفط.
قد تزداد الأمور سوءا. فالصين التي سمحت لمصافيها باستئناف تصدير الوقود مرة أخرى خلال الصيف يُعتقد على نطاق واسع إنها تفكر في فرض حظر جديد بعد هبوط مخزوناتها المحلية من الوقود. وإذا أوقفت الصين التصدير للمرة الثانية ستتعرض أسعار الوقود إلى ضغط شديد.
صدمة نفط غير معهودة
لن يكون سعر النفط حتى عند 110 دولارات للبرميل أغلى من سعره في السابق. كان السعر القياسي لبرميل نفط برنت 147.5 دولار في عام 2008. وهذا يكافئ 230 دولارا للبرميل اليوم بعد حساب التضخم. وبلغ متوسط سعر البرميل أكثر من 110 دولارات في عامي 2011 و2012 أو 165 دولارا بقيمة اليوم.
كما لم يكن السعر مرتفعا بشدة مثلما في الماضي. ففي الفترة بين 1973 و1974 بعد المقاطعة النفطية العربية ردا على دعم الغرب لإسرائيل في حرب رمضان تضاعفت الأسعار أربع مرات إلى 12 دولارا للبرميل (82 دولارا بسعر اليوم.)
إنتاج النفط أيضا أقل تركزا في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة الآن أكبر منتج في العالم. وهو ما يضمن عدم تعرضها إلى نقص في الإمداد. وزادت كل من كندا والبرازيل وغيانا وفنزويلا الإنتاج أثناء أزمة إيران.
ما هو أهم أن برميل النفط أقل أهمية لاقتصاد العالم من السابق. فحصة النفط في الطلب العالمي على الطاقة هبطت إلى أقل من 30% من 46% وهي الذروة التي بلغنها قبل نصف قرن. في ذات الوقت هبطت كمية الطاقة المطلوبة لإنتاج وحدة من الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من الثلث منذ عام 1990.
يقول بن ماي رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي العالمي بشركة اكسفورد ايكونوميكس أن الأثر التضخمي لحرب إيران خَفَّ 'لأننا دخلنا في الأزمة بإمدادات نفط جيدة' وفي وقت كان الطلب الاقتصادي الإجمالي عليه 'مستقرا وليس لافتا.'
عندما نشبت الحرب كانت لدى العالم، بعكس صدمة الطاقة في السبعينيات، احتياطيات استراتيجية وتخمة نفطية وإمدادات متزايدة من الغاز الطبيعي المسال. كما كان لديه نظام تجاري متطور تنتشر به آلاف الناقلات في طول العالم وعرضه.
مع ذلك، قادت أسعار النفط والغاز المرتفعة أصلا إلى تحولات في سلوك المستهلكين كما تبدَّى في تسارع وتيرة مبيعات السيارات الكهربائية في أوروبا وآسيا. وخلال فترة الشهور السبعة المنقضية خفضت مصانع البتروكيماويات الصينية إنتاجها وقلصت شركات الطيران خطوطها الهامشية وانتقلت البلدان الآسيوية من استخدام الغاز إلى أنواع الوقود الأخرى بما في ذلك الفحم الحجري.
أيضا ارتفعت أسعار الغاز بنسبة 160% منذ بداية الحرب وظلت ترتفع أكثر في الأسابيع الأخيرة. وتقترب القارة الأوروبية من فصل الشتاء بدون مخزوناتها الاحتياطية المعتادة.
البلدان الفقيرة الأكثر تضررا
اندلعت الاحتجاجات في سوريا مؤخرا بعد رفع الحكومة أسعار الديزل بنسبة 40% والبنزين بما يقارب 30% بسبب ما وصفته بالزيادة الاستثنائية في التكلفة العالمية لمشتريات الوقود. كما عانت كل من بنجلاديش وباكستان لاستيراد الغاز. واضطرت المطاعم حول الهند إلى إغلاق أبوابها لنفاد الغاز البترولي المسال. وأعلنت الفلبين حالة طوارئ وطنية وسمحت بالعمل من البيت.
الاستجابة الشائعة بقدر أكبر، حسب وكالة الطاقة الدولية، هي حماية المستهلكين مع قيام 94 بلدا بخفض الضرائب ووضع سقف على الأسعار أو دعم الوقود. وحتى الآن تجنبت معظم البلدان اندلاعَ اضطرابات لكن بتكلفة باهظة.
أيضا البلدان الصغيرة، وخصوصا تلك التي تتموضع عند نهاية سلاسل التوريد الطويلة والمعقدة، تواجه تهديد فقدان شحنات النفط والوقود والغاز تماما. إلى ذلك، قلص صندوق النقد الدولي توقعاته الخاصة بالنمو لبلدان عديدة مستوردة للنفط بسبب أزمة الطاقة من بينها زامبيا والمغرب ومصر وتونس. ورفع تقديرات النمو لبلدان مصدرة رئيسية كنيجيريا وأنجولا والجزائر.
بالمقارنة لم يتضرر الغرب نسبيا حتى الآن. لقد شهدت أوروبا أحد أكثر مواسم الصيف ازدحاما بالسفر الجوي على الإطلاق بمتوسط 36 ألف رحلة في اليوم في الفترة بين يونيو وأغسطس. وشكل ذلك ارتفاعا بنسبة 2.4% من عدد الرحلات الجوية في العام، حسب منظمة يوروكنترول. وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار عند مضخات الوقود قطع الأمريكيون أميالا أكثر على الطرق بسياراتهم في يونيو ويوليو مقارنة بنفس الفترة في العام الماضي.
لكن في حين يقل سعر البنزين في الولايات المتحدة كثيرا عن سعره في أوروبا وغيرها بسبب انخفاض الضرائب يتراوح سعر الجالون الآن في بعض الولايات والذي بلغ 5 دولارات عند ذروته أيام إدارة بايدن.
إنه في الواقع أعلى كثيرا من المتوسط خلال عهد الرئيس السابق. وهذه ليست الخلفية الاقتصادية التي أرادها دونالد ترامب للانتخابات النصفية يوم 3 نوفمبر والتي ستحدد الطابع العام لما تبقي له من وقت في سدة الرئاسة.
صناعة النفط لا تعلم أيضا
حذر مسؤولو النفط والغاز من الأزمة الوشيكة. لكنهم حتى الآن امتنعوا عن التنبؤ بما تعنيه لأسعار لطاقة.
من بين أسباب ذلك أنهم لا يعلمون، كما أقر بذلك أحد كبار مسئولي الطاقة.
توقعت شركات عديدة في هذا القطاع ارتفاعا حادا في الأسعار بعد توقف 20% من إمدادات العالم من النفط والغاز. لكن المتداولين يبيعون بانتظام جزءا من مراكزهم أثناء فترة الحرب (يغلقون جزءا من صفقاتهم المالية المفتوحة ويحولونها إلى سيولة- المترجم). وكثيرا ما يكون ذلك ردَّ فعلٍ لمزاعم من البيت الأبيض بقرب التوصل إلى اتفاق سلام.
تقلبت السوق بشدة لأن التداول يحدث في أوضاع ضبابية ودون توافر بيانات دقيقة في الوقت المناسب حول حجم الاحتياطي النفطي للعالم أو طلب المستهلكين. يقول أحد مسئولي الطاقة 'هذان أهم شيئين يجب معرفتهما ونحن لا نعرف أيَّا منهما.'
تنشر الولايات المتحدة بيانات أسبوعية عن مخزوناتها النفطية. لكن بلدانا عديدة تفصح عن مثل هذه المعلومات شهريا فقط. أما الصين وهي أكبر مستورد للنفط في العالم فلا تنشر أرقاما دورية على الإطلاق.
يقول تومي انجليسبي وهو شريك في قطاع الطاقة بشركة أوليفر وايمان الاستشارية في هيوستن 'الصندوق الأسود الأكبر هو ما يحدث في الصين.' وهو يشير بذلك إلى الهبوط الفجائي في وارداتها النفطية هذا العام والتي كانت في السابق تبني احتياطياتها.
يحاول تجار ومحللو النفط ملء الفجوات في البيانات بتعقب الناقلات ومراقبة عمليات المصافي واستخدام بيانات الأقمار الصناعية لتقدير مدى امتلاء الخزانات فوق الأرض
تقدر وكالة الطاقة الدولية هبوط مخزونات النفط العالمية المرصودة بحوالي 507 ملايين برميل منذ بداية الحرب وبمتوسط يقارب 3 ملايين برميل في اليوم. لكن ليس كل النفط قابل للرصد. فالكثير منه مخزون تحت الأرض وغير قابل للقياس.
بدون وجود صورة واضحة من المستحيل معرفة حجم النفط الذي يخرج من مستودعات التخزين لتشغيل المصافي والفترة التي يمكن أن تحتمل فيها السوق انقطاع الإمدادات قبل أن يدفع اليأس بأسعار النفط إلى أعلى.
متى ستصل الاحتياطيات إلى مستوى يقرب من قاع التخزين؟ طرح بنك اتش اس بي سي هذا السؤال في الشهر الماضي. كانت الإجابة ولا زالت غير يقينية إلى حد بعيد.
لا تنشر معظم البلدان بيانات استهلاك الوقود على الفور ولكن بعد فترة. وتترك السوق لكي يحدد حجم الطلب من نشاط المصافي والواردات وأحيانا من بيانات الحركة المرورية.
يقول سيث كاربنتر، كبير الاقتصاديين ببنك مورجان ستانلي، فيما لا تزال أسعار النفط أقل بقدر طفيف من أعلى مستوياتها التي تخطت 120 دولارا للبرميل في عام 2022 قد يلزم المحللين مراجعة توقعاتهم الاقتصادية بسبب طول أمد الصدمة.
يسأل كاربنتر: هل ستبدأ أسعار النفط في الإضرار بالاقتصاد؟ ثم يرد قائلا 'بالتأكيد تقريبا.'