روضة الصائم

بوتشيش يوثق التاريخ العُماني

عندما تتكلم الوثائق

 

يعد المؤرخ المغربي الأستاذ الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش رائدًا من روَّاد المدرسة التاريخية المغاربية التي تفوقت منهجيًّا على المدرسة التاريخية المشرقية -من وجهة نظري المتواضعة كباحثة- لاعتبارات عدة، منها تجديد الكتابة التاريخية بتجديد مناهجها البحثية، والذي بدوره أدى إلى متانة ورصانة الخطاب النقدي والتحليلي الذي قدمته هذه المدرسة، مستفيدة من التأثير الإيجابي للمدرسة التاريخية الفرنسية.

وهذا يظهر جليًّا في النتاج البحثي الذي قدّمه بوتشيش في الدراسات التي تناولت تاريخ عُمان، حيث قدّم خطابًا مغايرًا، وانتهج أسلوبًا متفردًا، عبر تجديد الكتابة التاريخية في تلك الدراسات.


وقد تم الاحتفاء بالمؤرخ بوتشيش من خلال الكثير من الندوات التي سلطت الضوء على منجزه العلمي وإسهاماته الكبيرة في الكتابات التاريخية، وقد كنت في غاية السعادة عندما تلقيت دعوة من جامعة مولاي إسماعيل للمشاركة في ندوة للاحتفاء بتلك القامة العلمية، وقبلت الدعوة كتلميذة تحاول سبر أغوار أستاذ قدَّم الكثير للتاريخ العُماني من خلال جهوده المتنوعة التي اجتهدت في رصدها من خلال تلك المشاركة العلمية في دراسة حملت عنوان: 'إسهامات الأستاذ الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش في كتابة التاريخ العُماني: رصدٌ وتحليل'.

وقد حالت جائحة كورونا في عام 2020م دون إقامة تلك الندوة؛ لكن حرص القائمين عليها على نشر المشاركات العلمية في إصدار رصين تحت عنوان: 'مسارات تجديد الكتابة التاريخية عند المؤرخ إبراهيم القادري بوتشيش'.


والمتتبع للنتاج العلمي والبحثي والثقافي الذي قدَّمه بوتشيش في التاريخ العُماني يلحظ جليًّا غزارته وتنوعه. فمن حيث الفترات التاريخية، تغطي الأعمال البحثية التي قدمها بوتشيش حول عُمان ثلاث فترات تاريخية: التاريخ القديم، والتاريخ الإسلامي (الوسيط)، والتاريخ الحديث والمعاصر.

ففي التاريخ القديم قدّم بوتشيش قراءة عميقة في أسباب انتصار العُمانيين في معركة سلوت، والتي عدّها: 'مفخرة من مفاخر التاريخ العسكري العُماني، وحسبنا أنها لم تقتصر على نحت أروع ملحمة في سجل تاريخ عُمان فحسب، بل شكّلت منعطفًا مهمًا في مسار التاريخ العُماني، ذلك أن النصر الذي تحقق في هذه المعركة الحاسمة أسفر عن تحرير عُمان من الهيمنة الفارسية، وأعطى لهويتها العربية بعدًا جديدًا'، حيث فنّد بوتشيش العوامل التي أدت إلى انتصار العُمانيين في هذه المعركة الفاصلة، مقدمًا مقاربات من التاريخ لمعارك أخرى تشابهت عوامل نجاحها.

وهذه القراءة العميقة لهذه المعركة تعدّ الأولى، لأن أغلب من تطرق للمعركة من مؤرخين وباحثين ركزوا على الجانب الوصفي والسردي لحيثيات المعركة، ولم يقدموا هذا البعد التحليلي الذي نجح الأستاذ الدكتور بوتشيش في قراءته لمعركة سلوت.


بيد أن المنجز العلمي الأغزر للأستاذ الدكتور بوتشيش في التاريخ العُماني يتمثل في حقبة التاريخ الإسلامي (الوسيط).

ولعلّ الدراسة الأنموذج من حيث الموضوع والمنهج هي كتاب: 'التواصل الحضاري بين عُمان وبلاد المغرب: دراسات في مجال الثقافة والتجارة والمجتمع'، وهذا الكتاب كان ثمرة دراسة أصيلة وطويلة وعميقة لخمسة أبحاث متنوعة قام بنشرها بوتشيش في مجلات علمية، ثم جمع هذا الجهد في دراسة واحدة جامعة وشاملة.

كما قدّم بوتشيش دراسات أخرى في فترة التاريخ الإسلامي (الوسيط) كدراسته الموسومة: 'طرق القوافل التجارية وانتقال السلع بين الخليج العربي وبلاد المغرب: عُمان والمغرب العربي في العصر الوسيط نموذجًا'، ودراسة بعنوان: ''الجالية العُمانية في بلاد الهند خلال العصر الإسلامي: قراءة تحليلية في أوضاعها وإسهاماتها في الحوار الحضاري العُماني-الهندي'. وفي إطار التاريخ الوسيط قدّم كذلك دراسة عن المرأة العُمانية بعنوان: 'المرأة العُمانية في رحلة ابن بطوطة: نص في دائرة الشك'.


كما كان للتاريخ الحديث نصيب من دراسات الأستاذ الدكتور بوتشيش، كدراسته حول ميناء مسقط بعنوان: 'ميناء مسقط في القرن 18م: بنيته، تنظيماته، ودوره في التجارة العالمية'.

أما التاريخ المعاصر فكان له نصيب وافر من الاهتمامات البحثية للأستاذ الدكتور بوتشيش، منها: 'منهجية الحوار في السياسة الخارجية العُمانية تجاه البلدان الخليجية'، و'ملامح من النهضة العُمانية المعاصرة'، و'العادات والتقاليد المشتركة بين المجتمع العُماني والمغربي في التاريخ المعاصر: مقاربة تاريخية'، و'جسور التواصل الثقافي بين المغرب وسلطنة عُمان: مجلة التاريخ العربي نموذجًا'.


ومن حيث المواضيع، تظهر هيمنة التيار الاقتصادي والاجتماعي في المنجز العلمي لبوتشيش، فكان حظ التاريخ الاجتماعي والاقتصادي أكثر وفرة، وهو يتناسب مع الرؤية التي نادى بها بوتشيش في قراءة جديدة مستندة إلى ثلاث قضايا ينطلق منها التجديد في كتابة التاريخ الإسلامي، من ضمنها توجيه الاهتمام إلى التاريخ الاقتصادي-الاجتماعي وتاريخ الذهنيات.

وهو ما نجح في تقديمه في دراساته عن التاريخ العُماني.

ومن حيث المناهج البحثية والمصادر الموظفة، قدَّم بوتشيش نتاجه العلمي الخاص بتاريخ عُمان من خلال منهجية علمية قائمة على التحليل والنقد، بل تعداه لتقديم منهجية حديثة بعيدة عن الطرح التقليدي للتاريخ، من خلال ما يُسمى بالتاريخ الجديد.

فلم يعتمد بوتشيش في دراساته حول التاريخ العُماني على المصادر التاريخية الكلاسيكية، وإنما وظَّف المصادر الجغرافية والفقهية في دراساته، سيرًا على النهج الذي نهجه في العديد من الدراسات التي استخدم فيها النوازل الفقهية في الكتابة التاريخية.

كما اعتمد على أدب الرحلات بوصفها مصادر أساسية لاستقاء نصوص جديدة تسعى إلى قراءة الجوانب المغيبة في التاريخ العُماني.

كما نجح بوتشيش في تفعيل منهج الشك من حيث نقد وتصحيح بعض الروايات التي أتت في بعض نصوص رحلة ابن بطوطة، والذي أتى بمزاعم قام بوتشيش بدحضها بالدلائل والحجج.


من خلال ذلك التتبع السريع، يظهر جليًّا نجاح الأستاذ الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش في تقديم موضوعات التاريخ العُماني بمعالجة تاريخية عميقة خارج القوالب المعهودة، وهو ما أدى إلى تقديم حقائق ومعلومات تاريخية جديدة، والتوجيه إلى مصادر متنوعة، ليس فقط تاريخية وإنما جغرافية وأدبية وفقهية؛ مما أدى إلى فتح آفاق أخرى متجددة في كتابة التاريخ العُماني.

وبالعودة إلى التلميذة، فقد تشرفت بأن خطَّ قلم المؤرخ بوتشيش تقديمًا أعده بمثابة وثيقة تاريخية لكتابي (المجتمع العُماني في القرنين (4-5هـ/10-11م) من خلال بعض مسائل بيان الشرع لمحمد بن إبراهيم الكندي).