د.سعيد الوائلي: الهداية القرآنية تتحقق لمن يتعرض لها بقلب راغب ويتدبر معانيها
تلاوة القرآن تتجاوز القراءة إلى بناء الإيمان وترسيخ اليقين
الخميس / 19 / ربيع الثاني / 1448 هـ - 19:49 - الخميس 1 أكتوبر 2026 19:49
أكد الدكتور سعيد بن سليمان الوائلي، المحاضر بقسم أصول الدين بكلية العلوم الشرعية بمسقط، أن تلاوة القرآن الكريم لا تقف عند حدود القراءة، وإنما تمتد آثارها إلى بناء الإيمان وترسيخ اليقين وتوجيه السلوك، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم أنزله الله سبحانه وتعالى «نبراسًا للحياة والنور الهادي والمخرج من الظلمات»، وأن الهداية التي يحملها لا تتحقق بمجرد القراءة اللفظية، وإنما تحتاج إلى قلب يتعرض لمعاني القرآن ويتدبرها ويستجيب لها.
جاء ذلك خلال محاضرة تناول فيها الوائلي 'الآثار الإيمانية المترتبة على تلاوة القرآن الكريم'، مستعرضًا معنى التلاوة ومراتبها، وما يترتب عليها من الأجر والثواب، وزيادة الإيمان، والتأثر بآيات القرآن، وصولًا إلى استصحاب آثار التلاوة في حياة الإنسان وسلوكه.
وأوضح أن القرآن الكريم يؤدي وظيفة عظيمة تتمثل في هداية الإنسانية حين ترتبط بكتاب ربها، مستشهدًا بقوله تعالى: 'ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ'، مبينًا أن القرآن كتاب هداية للناس، إلا أن الانتفاع بهذه الهداية يرتبط باستعداد الإنسان لها وإقباله عليها.
وأشار إلى أن القرآن الكريم وصف كذلك بأنه موعظة وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، مستشهدًا بقوله تعالى: 'يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ'، مؤكدًا أن الآثار الإيمانية للقرآن تظهر بصورة أوضح عند من يقبل عليه بقلبه ويتعرض لمعانيه.
وبيّن الوائلي أن القرآن الكريم جاء لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، مستشهدًا بقوله تعالى: 'الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ'، وقال إن ما يتضمنه القرآن من آيات وسور ومعان إنما يحمل آثارًا أراد الله سبحانه وتعالى أن تظهر في جوانب حياة الإنسان، مؤكدًا أن هذه الآثار تنتفع بها الفئة التي تتعرض لها وتسعى إلى تحقيقها في واقعها.
وأشار إلى ما ورد في السنة النبوية من بيان لمكانة القرآن في مواجهة الفتن، مستشهدًا بما ورد في الحديث من التمسك بكتاب الله، موضحًا أن القرآن يمثل مصدر هداية وعصمة من الضلال عندما يرتبط الإنسان به ارتباطًا حقيقيًا، ثم تأتي السنة النبوية لتكون مبيّنة وهادية لما جاء في الكتاب العزيز.
وتوقف الوائلي عند معنى التلاوة، موضحًا أن أصلها القراءة، غير أن التلاوة المقصودة في القرآن الكريم تتجاوز مجرد النطق بالألفاظ إلى استحضار المعاني والتأثر بها، وقال إن الناس يتفاوتون في علاقتهم بالقرآن، فهناك من يقرأ القرآن «ولا تجاوز تلاوته حناجره»، بينما يتجاوز أثر التلاوة عند آخرين حدود اللسان إلى القلب والسلوك، فيقرؤون القرآن بتدبر وتمعن ويتعرضون للآثار التي تحملها آياته.
وأضاف: إن هناك صنفًا من الناس أصبحت آثار القرآن حاضرة في حياتهم قبل التلاوة نفسها، لأنهم عاشوا مع معانيه واستصحبوها في سلوكهم، فتأتي التلاوة لتجدد تلك المعاني وتؤكدها وتحافظ عليها، وأوضح أن التلاوة في أصل معناها هي قراءة القرآن، مستشهدًا بما ذكره أهل اللغة في معنى «تلاوة القرآن»، إلا أن القرآن الكريم ربط التلاوة في مواضع متعددة بمعان أوسع، ومن ذلك قوله تعالى: 'الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ'، وأشار إلى أن هذا يدل على وجود فرق بين مجرد القراءة وبين «حق التلاوة»، مؤكدًا أن التلاوة الصحيحة ينبغي أن تكون قائمة على سلامة القراءة، والتدبر، وتعظيم كلام الله سبحانه وتعالى.
وأكد الوائلي أهمية أن يحرص قارئ القرآن على التلاوة الصحيحة، مبينًا أن الخطأ الذي يغيّر المعنى لا ينبغي أن يكون مقصودًا مع قدرة الإنسان على التعلم والتصحيح، بينما يعذر من لم يستطع تحسين قراءته لعذر خارج عن إرادته، وأوضح أن علم التجويد جاء ليعين المسلم على قراءة القرآن الكريم بصورة صحيحة، ويحفظ اللسان من اللحن والخطأ، مشيرًا إلى أن العناية بالتلاوة تعكس تعظيم كلام الله سبحانه وتعالى وتقديسه.
وتطرق إلى مراتب التلاوة الثلاث، وهي الترتيل والحدر والتدوير، موضحًا أن الترتيل يقوم على القراءة بتأن وتمهل، بما يعين على التدبر والتفكر في معاني القرآن، فيما تتميز قراءة الحدر بالسرعة مع المحافظة على صحة الكلمات والأحكام، وهي مما يستعان به في مراجعة الحفظ، أما التدوير فهي المرتبة المتوسطة بين الترتيل والحدر.
وانتقل المحاضر إلى أول الآثار الإيمانية المترتبة على تلاوة القرآن، وهو الأجر والثواب، مؤكدًا أن قراءة القرآن عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، واستشهد بقوله تعالى: 'وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا'، موضحًا أن الأمر بالترتيل وإن جاء في سياق الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن معناه يمتد إلى الأمة، بما يجعل الترتيل وسيلة لتحقيق ما في القرآن من هداية وشفاء وذكرى.
كما أشار إلى قوله تعالى: 'فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ'، مبينًا أن الآية تضمنت أمرًا صريحًا بقراءة القرآن، إلى جانب الآيات التي تدعو إلى تدبره والتفكر في معانيه.
وتوقف عند قوله تعالى: 'أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها'، مؤكدًا أن التدبر مرتبط بالقراءة والاستماع، وأن الغاية ليست مجرد تحريك اللسان، وإنما الوصول إلى المعاني التي يحملها الكتاب العزيز، وأشار كذلك إلى قوله تعالى: 'إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ'، مبينًا أن التلاوة جاءت في سياق الأعمال التي يرجو أصحابها فضل الله وثوابه.
واستشهد الوائلي كذلك بالحديث النبوي الذي جاء فيه: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها»، موضحًا أن الحديث يمثل حافزًا على تلاوة القرآن، وأن القارئ ينال الأجر على كل حرف يقرؤه، وأشار إلى أهمية تعلم القرآن وتعليمه، مبينًا أن ارتباط الإنسان بالقرآن لا ينبغي أن يكون ارتباطًا عابرًا، وإنما مصاحبة مستمرة تحفظ ما تعلمه من كتاب الله.
واستشهد بالحديث: «مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت»، موضحًا أن هذا التصوير النبوي يبين حاجة الإنسان إلى دوام الصلة بالقرآن، لأن الحفظ والمعرفة يحتاجان إلى المراجعة والمصاحبة المستمرة، وأكد أن الإنسان الذي يصاحب القرآن تعلمًا وتعليمًا واستحضارًا لمعانيه يظل مرتبطًا به، ولا يفرط في تلاوته، لأن القرآن يصبح جزءًا من حياته اليومية.
وأوضح الوائلي أن تحقيق الآثار الإيمانية للتلاوة يبدأ من وجود رغبة صادقة وعزم داخلي على التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بقراءة كتابه، ثم الحرص على أن تكون القراءة صحيحة، بعيدة عن اللحن والخطأ الذي يغير المعنى، وأضاف أن قارئ القرآن ينبغي أن يستحضر أنه يتعامل مع كلام الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الاستحضار يولّد تعظيمًا للقرآن وتقديسًا لمقامه، ثم يأتي التدبر باعتباره خطوة أساسية في الانتقال من القراءة إلى التأثر.
وأكد أن التدبر ينبغي أن يكون قائمًا على فهم صحيح للآيات، داعيًا إلى الاستعانة بكتب التفسير والعلماء المتخصصين، حتى لا يحمل الإنسان الآية معنى لا يدل عليه لفظها أو سياقها، وقال إن الإنسان حين يقرأ القرآن، ينبغي أن يسأل نفسه عن معنى الآية التي يقرؤها، وأن يسعى إلى فهمها في ضوء ما قرره علماء التفسير، لأن ذلك يعينه على تحقيق الأثر الإيماني والروحي للقراءة.
وأشار المحاضر إلى أثر آخر من آثار تلاوة القرآن، يتمثل في زيادة الإيمان، موضحًا أن الآيات التي تذكر الإنسان بأركان الإيمان ومعانيه تؤثر في قلبه وتزيد يقينه، واستشهد بقوله تعالى في وصف المؤمنين: ' إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ'، مبينًا أن الآية تصف أثر التلاوة في المؤمنين، إذ تزيدهم آيات الله إيمانًا مع إيمانهم.
وقال إن المؤمن الصادق يتأثر بالقرآن سواء قرأه بنفسه أو استمع إليه، وتظهر آثار هذا التأثر في قلبه ويقينه واستبشاره واستعداده للامتثال، واستشهد كذلك بقوله تعالى: ' اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ'، موضحًا أن الآية تبين عمق التأثير الذي يحدثه القرآن في نفوس المؤمنين.
وبيّن الوائلي أن الأثر الإيماني الحقيقي للتلاوة لا ينتهي بانتهاء القراءة، وإنما ينبغي أن يمتد إلى حياة الإنسان وسلوكه، وأوضح أن الآية إذا تضمنت أمرًا شرعيًا، فإن قارئها يستجيب لذلك الأمر بحسب قدرته، وإذا تضمنت نهيًا عن أمر، فإنه يزدجر عنه ويبتعد عنه طاعة لله سبحانه وتعالى ورجاء في ثوابه وخوفًا من عقابه.
وأشار إلى أن الآيات التي تذكّر بالثواب تبعث في نفس المؤمن الرجاء والطمع في فضل الله، فيما تبعث آيات الوعيد على الخشية والخوف من سوء العاقبة، كما أن الآيات التي تتحدث عن الإيمان تجدد في قلبه معاني الإيمان، والآيات التي تعرض أحوال الكافرين والمشركين والمنافقين تدفعه إلى الابتعاد عن تلك الصفات والمعاني.
وأكد أن هذه الآثار ينبغي أن تستمر بعد التلاوة، لأن المقصود من قراءة القرآن ليس أن يكون التأثر لحظيًا، وإنما أن يصاحب الإنسان في حياته، وأوضح الوائلي أن من علامات التأثر بالقرآن أن يعيش الإنسان مع الآية التي يقرؤها، فيتجدد في نفسه أثرها كلما مر بها، فإذا قرأ آية تتحدث عن الجنة استحضر الرجاء والطمع في فضل الله، وإذا قرأ آية تتحدث عن النار استحضر الخوف والخشية، وإذا قرأ أمرًا شرعيًا عزم على الامتثال، وإذا قرأ نهيًا اجتهد في الابتعاد عنه.
وأشار إلى أن بعض السلف كانوا يقفون طويلًا عند الآيات ويتأثرون بها، مستشهدًا بما نقل عنهم من شدة تأثرهم عند ذكر الجنة والنار، بما يكشف عن حضور معاني القرآن في قلوبهم أثناء التلاوة، وأكد أن هذا النوع من التفاعل يمثل صورة عميقة للأثر الإيماني للقرآن، لأن القارئ لا يتعامل مع الآيات باعتبارها ألفاظًا مجردة، وإنما يعيش مع معانيها وآثارها.