بريد القراء

عين الرحمة

 

قد تُظلِم الدنيا في عينيك إثر اتصال هاتفي، لكن لطف الله أكبر دائمًا من كل الخطوب. وصلت إلى المنزل في لحظات... لم أرَ فيها المسافة الفاصلة بين موقع سكني وبيت العائلة.

تجمع الأخوة، وتلاقت النظرات وكثرت الدعوات بالشفاء، مؤمنين بقدر الله، وداعين الله بلطف القضاء، آخذين بالأسباب. تسارعت الخُطى لإنقاذ أمي وهي عندي ثمن الجنة، ويسّر لنا الرحمن ذلك في وقت قياسي، وإذا بنا نصل إلى المستشفى بدعاء «اللهم سهل لنا سفرنا هذا، واطوِ عنا بُعده».


ثوانٍ معدودة كفيلة بإنقاذ أرواح، أقدام متسارعة من كل جانب، آهات المرضى، صراخ المراجعين، تمتمة المرافقين وهمساتهم، أعداد غفيرة في وقت واحد.

بعد هدوء ناعم أقرب إلى الراحة، يتغير كل شيء، ويتبدل الموقف، فيتحول الموظفون من حالة السكون إلى وهج المسؤولية، كلٌّ يؤدي واجبه في هدوء وتركيز. يحدث كل ذلك في مشهد واحد؛ إنها قاعات الطوارئ.
وفي خضم هذا كله، كانت لنا تجربة عشنا تفاصيلها لحظة بلحظة.


عند أول خطوة لنا في المستشفى، قُرئ الموقف، وجاء التشخيص المبدئي: احتمال وجود جلطة دماغية. كانت صدمة كبيرة، ولكننا، كعائلة، مررنا بوضع مشابه مع فقيدنا الغالي، والدي، رحمه الله؛ مما جعلنا نمتص الصدمة لنُقَدِّم لها الدعم المناسب. فحُوّلت مباشرة إلى العناية المركزة في الطوارئ، وما لبث أن تجمع الأطباء حولها.


وبعد التشخيص ومراجعة البيانات، قال لنا الطبيب: «سنجري الفحوصات والتحاليل اللازمة، ولكن وجب أن أخبركم أن هناك احتمالًا لجلطة دماغية».

وبعد ثبوت ذلك، ناقشنا الطبيب في استخدام إبرة تعمل على إذابة الخثرة المتكوّنة إثر الجلطة، والأمر الإيجابي في الأمر أنها وصلت إلى المستشفى في أقل من أربع ساعات، مما أعطاها فرصة كبيرة للاستفادة من العلاج، مع وجود نسبة ضئيلة لاحتمال حدوث نزيف.

وبعد تشاور عائلي لم يستغرق سوى لحظات، وقّعنا على الموافقة، واستمر العلاج بفضل الله ومنّه، لتعود إلى المنزل بعد أسبوع من دخولها، وتبدأ رحلة التعافي تدريجيًا في المنزل، لما تلقته من دعم نفسي عظيم من العائلة، ودفء المنزل، ناهيك عن إرادتها الحديدية التي عودتنا وربّتنا عليها، لتبقى هذه التجربة الإنسانية خالدة في الوجدان.


ومن خلال ما عايشته، لا أجد كلمات تصف تلك الجهود المبذولة، التي توزعت بين الجهد الذهني والبدني والنفسي والإنساني؛ فهم في برهة يستقبلون شتى الحالات بعقلية احترافية، تُفرز فيها كل حالة بموجب أولوياتها الصحية، ثم توجَّه إلى المختص الذي يقيّم حالتها، ومنه إلى الاستشاري الذي يقرر مسار العلاج أو الاستمرار في المتابعة.


ما لفت انتباهي حقًا، وزادني فخرًا وعزًا بوطني الغالي وعدالته، أنني رأيت، وبتجربة شخصية، كيفية التعامل مع الحالات الطارئة بمختلف الجنسيات والأعمار.

ولكن ما حدث بالنسبة لكبار السن وكمية الرعاية الهائلة التي يوليها المختصون للوقوف على حالتهم أبهرني، وكان ذلك اختصارًا لقيمة الإنسان في عُمان مهما تقدم به العمر، فالاهتمام قد يزداد وإن بلغ المريض المئة عام ويزيد، فما يُقدَّم للمرضى من صغار السن والشباب يُقدَّم فعليًا لهؤلاء الذين أفنوا حياتهم في بناء هذا الوطن، وتنشئة أبنائه.


فيا لها من جهود مباركة تتوج بثواب عظيم، ويا له من فلاح في الدنيا والآخرة!
من الرائع أن نرى الإيجابية ونتحدث عنها بصوت عالٍ، ولا ضير من الحديث عن السلبية لإيجاد الحلول والبدائل، ولكن المُعيب فيمن يرى بعين الذبابة، فلا يرى في كل ما يخص الوطن إلا السلبية، ولا يتحدث إلا عنها.


لا ريب أن الوطن هو الوعاء الذي يحتوينا، وهو التاريخ والهوية، وله الولاء والانتماء، فدولة تقدّر الإنسان، وتصون حقوقه وحريته، هي جنة لا يراها إلا الأوفياء، ولا يدرك قيمتها حقًا إلا من اغترب عنها، فهنيئًا لكل عُماني ينتمي لهذا الوطن الغالي، وهنيئًا أيضًا لمن هم مقيمون على أرضه.
وختامًا أقولها بكل فخر: الحمد لله أنني ابن عُمان.