أفكار وآراء

في نظام الترقيات الجديد.. المال هو الفصل والحكم

بصدور نظام الترقيات الجديد تتشكل منظومة جديدة تختلف جذريا عن نظام الترقيات القديم الذي يساوي بين الموظفين المجيدين، وغيرهم بحيث إنه في حال توفرت المخصصات المالية تتم ترقيتهم دفعة.

في النظام الجديد يتضح أن الوحدات الحكومية المختصة تنظر للنظام حسب ما يحقق أهدافها واختصاصاتها المنوطة بها. وزارة العمل قد تسعى جاهدة نحو بناء نظام ترقيات يُراعَى فيه الكفاءة والجدارة والإنتاجية العالية.

ولكن في المقابل ترى وزارة المالية أن هناك سقفا محددا للمخصصات المالية بغض النظر عن مدى كفاية تلك المخصصات لتغطية الترقيات، وذلك من منطلق أنها المسؤولة عن ضبط الإنفاق الحكومي، وهناك احتياج متزايد من البرامج والمشاريع الحكومية تحتاج أيضا إلى استدامة في المخصصات المالية.

من الاختلافات الجوهرية لنظام الترقيات الجديد أنه لا يعتمد على نموذج موحد للترقية، وإنما أوجد ثلاثة مسارات مختلفة.

هذا التحديث يلبي تطلعات شرائح من الموظفين، ومنهم أصحاب الكفاءة والمجيدون؛ لأنه يكافئ تميزهم الوظيفي، ولا يساوي بينهم وبين غير المجيدين.

كما أن النظام الجديد يعمل على استبقاء الكفاءات في القطاع الحكومي مما قد يقلل نسبة موظفي الحكومة الذين يرغبون في الانتقال للقطاع الخاص بحثا عن الترقي الوظيفي.

مسارات الترقيات في النظام الجديد، وخاصة المسار السريع - الاستثنائي - والمسار الخاص يعملان على استقطاب واستبقاء الكفاءات فكلاهما يتقاطع مع أنظمة الترقيات في القطاع الخاص من حيث إن إثبات الكفاءة تُؤخذ في الاعتبار عند النظر في الترقي الوظيفي.

ولعل المسار السريع في ظاهره يعتبر أقل المسارات من حيث اشتراطات الترقية، ولكن في باطنه ليس سهلا، حيث يتطلب الحصول على ثلاثة تقارير لتقييم كفاية الأداء الوظيفي بمرتبة «ممتاز» في منظومة إجادة للأداء الفردي، ولا يشترط النظام أن تكون بشكل سنوي متتالٍ.

هذا المسار سوف يكون استثنائيا عند التطبيق من حيث قلة عدد المستوفين لشروطه، وأيضا استثنائي حيث لا تكون المخصصات المالية عائقا للترقية - كما هو الحال - في المسار المرن.

المسار المرن هو الذي يحظى بالاهتمام من الجميع حتى أولئك الحاصلين على مراتب ممتاز (أقل عن ثلاث مرات في الدرجة المالية) فإنهم سوف يدخلون في منافسة شرسة مع البقية ليكونوا ضمن المراتب الأولى في قائمة المستوفين لشروط الترقية.

المسار المرن يأخذ في الاعتبار أيضا تقارير تقييم كفاية الأداء الوظيفي حيث إنها تمثل ثلاثة أرباع من النسبة المئوية، وبالتالي، تكون الأفضلية للذين يحصلون على أعلى النسب في تقييم كفاية الأداء السنوية، وأيضا في تقييم الكفاءة الفردية.

هذا المسار من حسناته أنه فتح المجال لترقي الموظفين بعد انقضاء ثلاث سنوات من تعيينهم أو آخر ترقية لهم. هذه المدة ليست طويلة مقارنة بالنظام القديم، والذي كانت فيه المدة الزمنية للترقية غير معروفة، وتتحكم بها الاعتمادات المالية.

ولكن في المسار المرن، فعلى الرغم من تحديد منحنى لتوزيع النسبة المخصصة لدرجات الكفاءة الفردية بين المستوفين لشروط الترقية، فيبقى هناك تخوف من المسؤولين المباشرين بالاختيار بناء على التحيز الشخصي، وليس على عناصر الجدارة عند المفاضلة في منح الدرجات الأعلى حسب النسب المحددة، والتي هي تحت تقديرهم الشخصي.

ولعل الممارسات التي قامت بها بعض الوحدات الحكومية في السنوات السابقة عند تطبيق نظام إجادة من حيث توزيع المستحقين لمرتبة «ممتاز» بشكل دوري - في كل فترة تقييم يعطى مجموعة من الموظفين - بسبب قلة النسبة المخصصة لفئة «ممتاز»، بغض النظر على الأداء الاستثنائي للموظفين.

تلك الممارسة يجب أن تتوقف، وأن يمنح الموظف المستحق لمرتبة ممتاز، وإن كان بشكل سنوي متكرر؛ لأن ذلك من متطلبات العدالة في التقييم، وخاصة بعد صدور نظام الترقيات الجديد الذي أوجد مسارا سريعا للموظفين للحاصلين على مرتبة «ممتاز» في تقييم كفاية الأداء السنوي.

قد تكون في السنوات الأولى من تطبيق نظام الترقيات الجديد، زيادة مضطردة في أعداد المستوفين للترقية نظرا لوجود ترقيات تراكمية للدفعات منذ العام (2017) لم تُحل قياسا بالمعالجات للدفعات السابقة.

تأخير تلك الترقيات يتعارض مع القول بأن النظام الجديد يتميز بالعدالة في استحقاق الترقيات حيث إنه ساوى بين الموظفين الذين مضى على تعيينهم أو بقائهم في الدرجة المالية لمدة تصل إلى تسع سنوات مع الموظفين الذين تم تعيينهم أو ترقيتهم قبل ثلاثة أعوام، عند النظر في استحقاقهم للترقية.

أيضا، قد يكون هناك نوع من العدالة في توزيع المخصصات المالية للترقيات بالنظام الجديد عن طريق النسبة والتناسب قياسا بالعدد الإجمالي للمستوفين لشروط الترقية بالوحدات المشمولة بالنظام الجديد، ولكن ذلك قد يصطدم بعدم التساوي بين أعداد المستوفين مع التكلفة المالية للترقيات بكل وحدة حكومية، مما قد يؤدي إلى عدم تمكن البعض من الترقية رغم استيفائهم لشروطها، وبالتالي، عليهم التنافس في الأعوام المقبلة.

على سبيل المثال، معالجة الترقيات للدفعات السابقة بلغت تكلفتها المالية في المتوسط في كل دفعة ما يزيد على (40) مليون ريال.

بمقارنة نظام الترقيات مع بعض دول مجلس التعاون الخليجي؛ يلاحظ أن هناك رغبة خليجية لإصلاح أنظمة الترقيات في القطاعات المدنية. في الإمارات العربية المتحدة هناك نظام أداء، يعمل على ربط الترقية المالية بتحقيق نسبة مئوية من مستويات الأداء مع وجود مسار للموهوبين، وأيضا تحديد ميزانية محددة للترقيات.

في المملكة العربية السعودية، اللوائح المتعلقة بالموارد البشرية أوجدت نظاما للتقييم أُلغيت من خلاله الترقيات المباشرة واستبداله بنظام المفاضلة عن طريق نقاط تقييم الأداء الذي يعتمد على الاختبارات والمقابلات الشخصية مع مطالبة الجهات بإعداد خطط سنوية للترقيات تتوافق مع المخصصات المالية.

وقد يكون نموذج الترقيات بسلطنة عُمان هو الأحدث والأكثر شفافية من حيث تحديد المسارات، وأيضا من حيث تحديد المخصصات المالية.

في الولايات المتحدة يعتمد نظام الترقيات في الدرجات العامة على مستوى الجدارة والمهارات التنافسية الذي يُثبت عن طريق الاختبارات مع وجود مؤسسة مستقلة تعمل على حوكمة النظام وتلقي التظلمات لضمان عدم وجود تحيز سياسي أو شخصي.

وقد يكون النظام السنغافوري نظاما فريدا حيث يعمل على تقييم الموظفين طبقا لعدد من مصفوفات المهارات القيادية.

أيضا، تُربط الترقيات بتحديد المسار السريع للكفاءات مع ربط المكافآت والترقيات بالأداء الاقتصادي للدولة مما يؤدي إلى استقطاب الكفاءات من القطاع الخاص إلى القطاعات الحكومية.

هناك نموذج أيضا في بعض الدول، ومنها ألمانيا يسمى «المسار التخصصي المزدوج»، حيث يتمكن الموظف من الترقية عبر المسار الفني التخصصي دون الحاجة للانتقال للمسار الإداري أو الإشرافي.

بهذه الطريقة تتمكن الدولة من حماية الخبرات التخصصية، وعدم توجهها للمسارات الإدارية للحصول على الترقية المالية.

ما بين ما أوجده نظام الترقيات الجديد، يأتي أصحاب المصلحة الرئيسيون، وهم موظفو الحكومة المدنيون الذين يتطلعون إلى بناء مسار وظيفي يستطيعون من خلاله معرفة حقوقهم الوظيفية بشكل واضح، بحيث تتساوى مع واجباتهم الوظيفية التي تُتابع عن طريق الخطط الفردية مع تقييد العدد السنوي للحاصلين على المراتب العليا في تقييم كفاية الأداء السنوي مهما بذلوا من جهد وإنتاجية.

لذا؛ يتبين أن تقييد الحاصلين على المراتب العليا، سببه الجوانب المالية، وليس مستويات الإنجاز حيث إن الفروقات بين تقييم «ممتاز» و«جيد جدا» غالبا ما تكون طفيفة جدا في حالات كثيرة.

عليه؛ في نظام الترقيات الجديد، تبقى الآمال معلقة بكفاية سقف الاعتمادات المالية التي كانت وما زالت تعتبر المانع الرئيس في تأخير ترقيات موظفي الحكومة المدنيين قديما وحديثا.

نظام الترقيات الجديد يعتبر نقلة نوعية لربط الترقيات بمعايير الأداء والكفاءة والإنتاجية مع تصميم ثلاثة مسارات للترقيات تنسجم مع الممارسات الخليجية والدولية.

تلك المسارات قد تلبي تطلعات ومستوى رضا من موظفي الحكومة المدنيين - بعد سنوات انتظار لترقياتهم - في حال عدم ربط استحقاق الترقيات بمدى كفاية المخصصات المالية، وعدم ترحيل استحقاقات ترقيات الموظفين للسنوات القادمة إذا كانت مستوفية للشروط.

عليه؛ نخلص إلى القول: إن كفاية الموارد المالية المخصصة لترقيات موظفي الحكومة المدنيين، هي القول الفصل، وهي الحكم على نجاح نظام الترقيات الجديد.