رأي عُمان

المجالس البلدية .. المشاركة على قدر الأثر

 

تدخل تجربة المجالس البلدية في سلطنة عُمان مرحلة جديدة مع اقتراب انتخابات الفترة الرابعة في ديسمبر المقبل، بعد أربعة عشر عاما من انطلاق أول انتخابات لهذه المجالس.

وخلال هذه السنوات تغير الكثير في منظومة الإدارة المحلية واتسعت أدوار المحافظات وتقدمت اللامركزية خطوة بعد أخرى، فيما أصبح التصويت نفسه أكثر سهولة مع الانتقال إلى النظام الإلكتروني.

وفي ضوء هذه التحولات تبدو مراجعة موقع المجالس البلدية وأدوارها جزءا طبيعيا من تطور التجربة.

ومن هنا تكتسب توجيهات حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه- في اجتماع مجلس الوزراء الأخير بصلالة أهمية خاصة، إذ وجّه جلالته بإجراء تقييم شامل للاختصاصات الممنوحة للمجالس البلدية والأدوار التي تقوم بها، وتكامل عملها مع أعمال المحافظين، مؤكدا في الوقت نفسه ضرورة المشاركة الفاعلة لفئات المجتمع وحسن الاختيار في الانتخابات.

يجمع التوجيه بين جانبين يصعب الفصل بينهما: تطوير المؤسسة من جهة، وتعزيز المشاركة المجتمعية فيها من جهة أخرى. فالمجلس البلدي يصبح أكثر حضورا في حياة الناس كلما استطاع أن ينقل أولوياتهم إلى منظومة التخطيط المحلي، وأن يكون شريكا فاعلًا في النقاش حول احتياجات الولايات والمشروعات التي تمس تفاصيل حياتهم اليومية.

وتمنح نسب المشاركة في الانتخابات السابقة هذا النقاش أهمية إضافية، فقد بلغت المشاركة في انتخابات الفترة الأولى عام 2012 نحو 50.3%، ثم انخفضت إلى 39.8% في 2016 وإلى 39.4% في 2022.

ولا ينبغي قراءة هذه الأرقام باعتبارها حكما على التجربة بقدر ما هي مؤشر يستحق الدراسة ضمن التقييم الشامل الذي وجّه به جلالة السلطان المعظم، فالمشاركة الانتخابية تتأثر بعوامل متعددة، وفي مقدمتها معرفة الناخب بدور المؤسسة التي ينتخب أعضاءها ومدى اتصاله بما تقوم به ووضوح أثرها في محيطه المحلي.

وقد تطورت البيئة التي تعمل فيها المجالس بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فالمحافظات باتت تضطلع بأدوار تنموية أوسع، وتدير مشروعات تمس الطرق والحدائق والأسواق والمرافق العامة والواجهات الحضرية وغيرها من التفاصيل التي تشكل جودة الحياة في الولايات.

وهذا التطور يفتح مساحة أكبر لتكامل عمل المحافظ والمجلس البلدي، بحيث تجمع الإدارة المحلية بين القدرة على التنفيذ وبين حضور المجتمع في تحديد الأولويات ومناقشتها.

ومن شأن التقييم المرتقب أن يعزز هذا التكامل سواء من خلال مراجعة الاختصاصات أو تطوير آليات متابعة توصيات المجالس ورفع مستوى التواصل بينها وبين الجهات الحكومية والمجتمع.

كما أن إتاحة قدر أكبر من المعلومات حول ما تناقشه المجالس وما يتحقق من توصياتها من شأنه أن يقرب عملها من المواطن ويمنح التجربة مزيدا من الحيوية.

لكن تطوير الاختصاصات وحده لا يصنع مجلسا فاعلًا، ولهذا جاء تأكيد عاهل البلاد المفدى على حسن الاختيار في موضعه؛ فالمجالس تحتاج إلى أعضاء يملكون المعرفة بشؤون ولاياتهم، والقدرة على قراءة الأولويات التنموية والعمل المؤسسي والتواصل مع المجتمع.

كما تحتاج الانتخابات إلى ناخب ينظر إلى الكفاءة والقدرة على العمل العام باعتبارها أساس الاختيار.

انتخابات ديسمبر المقبلة تأتي، بهذا المعنى، في لحظة مهمة من مسيرة المجالس البلدية، فالمرحلة المقبلة تحمل فرصة لتطوير التجربة استنادا إلى ما تراكم فيها من خبرة، ولتعزيز الصلة بين المشاركة والأثر.

وكلما رأى المواطن أن صوته يجد طريقه إلى أولويات ولايته وحياته اليومية، أصبحت المشاركة جزءا أكثر رسوخا من منظومة التنمية المحلية.